في عيد العمال العالمي: مساءلة من عطّل قانون الضمان الاجتماعي واجب وطني

في عيد العمال العالمي: مساءلة من عطّل قانون الضمان الاجتماعي واجب وطني
بقلم رئيس التحرير
يحلّ عيد العمال العالمي هذا العام، والعامل الفلسطيني يواجه واقعاً بالغ القسوة والتعقيد، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وغياب منظومة حماية اجتماعية شاملة تكفل له حياة كريمة وأمناً وظيفياً واستقراراً معيشياً. وفي خضم هذه التحديات، يبرز ملف قانون الضمان الاجتماعي بوصفه أحد أهم الاستحقاقات الوطنية المؤجلة، بل أحد أبرز الملفات التي تستوجب المراجعة والمساءلة والمحاسبة.
لقد شكّل إقرار قانون الضمان الاجتماعي في عهد حكومة الدكتور رامي الحمد الله خطوة متقدمة على طريق بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وتجسيداً لمفهوم العدالة الاجتماعية، وتوفير شبكة أمان للعامل الفلسطيني تحميه من مخاطر الشيخوخة والعجز وإصابات العمل والبطالة والفقر. وكان القانون، رغم ما شابه من ملاحظات قابلة للتعديل والتطوير، يمثل مشروعاً وطنياً استراتيجياً يهدف إلى حماية الإنسان الفلسطيني وتعزيز صموده في أرضه.
غير أن ما حدث لاحقاً كشف عن خلل عميق في إدارة الشأن العام، حين تم تعطيل القانون تحت ضغوط متعددة، واختلطت الاعتراضات المشروعة بحملات التخويف والتحريض، وغابت لغة الحوار المؤسسي التي كان يفترض أن تفضي إلى تعديل النصوص المختلف عليها بدلاً من إسقاط المشروع برمّته. وبدلاً من البناء على القانون وتطويره، جرى تجميده، لتبقى حقوق العمال معلقة، وتبقى الحماية الاجتماعية رهينة التجاذبات السياسية والمصالح الضيقة.
ومن الناحية القانونية، فإن أي سلطة مسؤولة عن إدارة الشأن العام ملزمة بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، باعتبارها حقوقاً أصيلة كرّستها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أن واجب الحكومات لا يقتصر على سنّ القوانين، بل يمتد إلى تنفيذها وتطويرها وضمان حسن إدارتها بما يحقق المصلحة العامة.
أما اقتصادياً، فإن غياب نظام ضمان اجتماعي فعّال أضعف السوق الفلسطينية، وعمّق هشاشة الأسر، وقلّل من فرص الادخار والاستثمار الوطني، وحرم الاقتصاد من صندوق سيادي اجتماعي كان يمكن أن يشكل رافعة تنموية تسهم في تمويل مشاريع إنتاجية وبنية تحتية وتوفير فرص عمل جديدة. فالضمان الاجتماعي ليس عبئاً مالياً، بل أداة استقرار اقتصادي واجتماعي واستثمار طويل الأمد.
والأخطر من ذلك، أن تعطيل القانون أفسح المجال أمام الاحتلال الإسرائيلي لمواصلة التحكم بجزء من مستحقات العمال الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر، والاستفادة من غياب المرجعية الفلسطينية القادرة على حماية هذه الحقوق واستعادتها وإدارتها وطنياً. وهنا يتحول ملف الضمان الاجتماعي من قضية مطلبية إلى قضية سيادة وطنية مرتبطة بالقرار الاقتصادي والاستقلال المؤسسي.
سياسياً واستراتيجياً، لا يمكن الحديث عن مشروع وطني قادر على الصمود دون حماية الطبقة العاملة، ولا يمكن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم دون منظومة عدالة اجتماعية شفافة وعادلة. فالعامل الفلسطيني هو عماد الاقتصاد الوطني، وصمام أمان المجتمع، وأحد أعمدة الصمود في مواجهة الاحتلال وسياساته الاقتصادية الخانقة.
وفي عيد العمال العالمي، فإن المطلوب اليوم يتجاوز الاحتفال الرمزي إلى قرار وطني شجاع، يبدأ بفتح تحقيق شفاف في أسباب تعطيل القانون، ومساءلة كل من ساهم في إفشاله، ثم إطلاق حوار وطني شامل تشارك فيه النقابات وأصحاب العمل والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني، لإقرار قانون عصري يضمن الشفافية وحماية أموال المشتركين واستقلالية الإدارة.
إن إنصاف العامل الفلسطيني ليس منّة من أحد، بل واجب دستوري وأخلاقي ووطني. وإذا كانت الأوطان تُقاس بمدى احترامها لكرامة الإنسان، فإن حماية العامل الفلسطيني تبدأ من استعادة حقه في الضمان الاجتماعي، وصون مستقبله من العبث والإهمال والتأجيل



