تحقيقات وتقارير

إحياء المقامات في الضفة.. تجسد علاقة الفلسطيني بأرضه في عز أوقات استهدافها

إحياء المقامات في الضفة.. تجسد علاقة الفلسطيني بأرضه في عز أوقات استهدافها

سعيد أبو معلا

رام الله-في الحرش الجبلي الذي يطل على أوسع نقطة من جغرافيا فلسطين المحتلة تجمهر مئات المواطنين الفلسطينيين، كان من بين هؤلاء رجال دين مسلمين ومسيحيين ومسؤولين رسميين ونساء عاملات في مهن تقليدية إلى جانب حضور خاص من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948، كل هؤلاء حضروا من أجل إحياء أول ذكرى لموسم الشيخ القطرواني، في بلدة عطارة شمال مدينة رام الله.

ومن القرية الفلسطينية التي تم تدشينها على ثاني أعلى نقطة في الضفة الغربية قبل نحو 1300 عام، حيث تقع على ارتفاع 810 أمتار فوق مستوى سطح البحر، يمكن رؤية فلسطين التاريخية من الناقورة شمالا وصولا إلى قطاع غزة جنوبا.

وتقول الأسطورة والحكاية الشعبية أن شيخا طار (حلق) من “قطرة” في قطاع غزة وصولا إلى بلدة عطارة (15 كم شمال مدينة رام الله)، وعندما وصلها خيم ودشن على بقايا كنيسة بيزنطية قديمة مقاما ما زال قائما حتى اللحظة.

واستندت فعاليات رسمية وأهلية وشعبية على هذه الحكاية التي يعود عمرها نحو 300 عاما لإطلاق أول موسم يحمل اسم الشيخ القطرواني من أجل تحقيق غايتين، الأولى إحياء الحياة والفعل الفلسطيني في المكان المرتفع عن سطح البحر، وكذلك دعم للمنتج المحلي وتعزيز للسياحة الداخلية بحسب رئيس بلدية عطارة المهندس نزار المغربي.

وتابع المغربي في حديث خاص لـ”القدس العربي”: “أرض الحرش تتبع وزارة الأوقاف، وهو مكان يحمل مكانة دينية عند المسيحيين والمسلمين على السواء، ومنها كان يتم مراقبة تحريك الجيوش في البحر الأبيض المتوسط، وهو الأمر الذي يجعل من المكان نقطة جذب واستهداف من المستوطنين، ولذلك نحن نستبق هجماتهم بجلب المواطنين”.

واعتبر المغربي أن الفعالية الأولى والتي يُخطط لها كي تعقد مرتين في العام، مرة في الصيف ومرة في الربيع، وهي جزء من تكريس ممارسة العودة للأرض التي تستهدف يوميا، “فالزراعة هي أحد أبرز أعمدة الصمود إلى جانب الصناعات التقليدية والتراثية التي تحترفها النساء والشباب”.

وبنى الشيخ القطرواني المقام من حجارة الكنيسة المهدمة، فيما تبلغ مساحة أراضي البلدة 9,545 دونمًا، ومعظمها صالح للزراعة.

وتابع رئيس البلدية: “لقد قدمنا الدعوات لفلسطينيين من الداخل المحتل، جاءت حافلة منهم، وكان من بينهم زوجة الشاعر الفلسطيني الشهير توفيق زياد، قلنا لهم: طالما نحن غير قادرين على الوصول لكم، وفي المقابل أنتم قادرين على الوصول إلينا، فإن عليكم واجب تلبية الدعوة، وهو ما كان”.

وشدد على أنها إحياء الموسم هو عبارة عن فعالية ذات بعد سياسي ووطني أساسي، “نريد إحياء الماضي في نفوس السكان والقرى المجاورة”.

ويحد البلدة من الشرق سلواد، ومن الشمال عبوين، ومن الغرب برهام وعجول وأم صفا، ومن الجنوب بير زيت. وتعاني بلدة أم صفا تحديدا من هجمات استيطانية مركزة حيث صودرت الأراضي وبنيت المستوطنات، وهو الأمر الذي جعل من المغربي يعتبر الموسم محاولة من البلدة كي تتجنب ما تعرضت له البلدة الجارة “أم صفا”.

وتابع: “لن انتظر حتى يأتي المستوطنين إلى قمة الجبل، يجب أن يتم احياؤه بجلب أقدام المواطنين إليه، وهذه بداية ولن تتوقف بعون الله”.

وتعود الكنيسة التي تأسس المقام عليه إلى العصر البيزنطي وهناك تم العثور فيها على قطع فخارية من العصر الروماني والبيزنطي والإسلامي. ويمثل المقام مزاراً اسلامياً نموذجياً وهو يعود إلى الفترة المملوكية –العثمانية. وتتشكل العناصر الرئيسة للموقع من مبنى المقام وبقايا الكنيسة، وأجزاء من السور المحيط بالموقع والكهف والبئر.

وبحسب وزارة السياحة الفلسطينية فإنه أمكن التمييز ما بين مرحلتين استيطانيتين رئيسيتين في تاريخ الموقع: تتكون المرحلة الأولى من بقايا الكنيسة والبئر والكهف وتعود بتاريخها للفترة البيزنطية، أما المرحلة الثانية فتتمثل ببناء المقام والساحة الأمامية، وإعادة استخدام للمرافق الأولى كالبئر والكهف.

وحتى وقت قريب كان يزور المقام مواطنون لهم حاجة من الله، فكان يقصده مسيحيون من القرى المجاورة إلى جانب مسلمين، حيث كانوا يضيئون الشموع ويطلبون حاجاتهم من الله.

وحضر تدشين الاحتفالية وزير الأوقاف الفلسطيني محمد نجم، ووزير الحكم المحلي سامي حجاوي ووزير السياحة والآثار هاني الحايك والمطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس القدس.

واشتملت فعاليات موسم القطرواني المتنوعة معرضا للمنتجات المحلية والحرف اليدوية، بالإضافة إلى أنشطة تفاعلية مخصصة للأطفال والعائلات، إلى جانب جناح خاص للشركات الراعية ومنتجاتها، وأنشطة مجتمعية فنية وترفيهية متنوعة تعزز المشاركة والتفاعل مع الزوار من مختلف الفئات.

وتحدث رئيس البلدية: “لا بد من القول أن البلدة تضم أكثر من 7 عيون ماء، نسعى إلى حمايتها من المستوطنين، قمنا بمدها بالطرق كي يسهل الوصول إليها في ظل معاناة الصيف الراهنة حيث نقص المياه بفعل هجمات المستوطنين”.

وختم المغربي: “نريد أن يصل المواطنين إلى عيون الماء، ولذلك نعمل على تعبيدها كجزء من خلق ثقافة الصمود، كما أنه في حكايات كبار السن كان المواطنين يقصدون المكان طلبا للغيث.. يقال إنهم كانوا يعودون من المقام وهم مبللين من ماء المطر.. نحن نحي المكان ونبني علاقة المواطنين به.. وهذا دور مهم يعزز الصمود”.

شارك ومقام النبي موسى 

في ذات السياق، وقع منتدى شارك الشبابي ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، اتفاقية لتعزيز التعاون المشترك للحفاظ على التراث الإسلامي والهوية الوطنية، وتسليط الضوء على مقام النبي موسى كمعلم ديني وتاريخي وثقافي هام.

وتأتي هذه الشراكة انطلاقا من إيمان المنتدى بأهمية دور الشباب في حماية الإرث الديني والحضاري، وحرصه على فتح آفاق المشاركة المجتمعية في تنشيط هذا المعلم التاريخي وتعزيز حضوره في الوعي العام.

واعتبر مدير منتدى شارك الشبابي الدكتور بدر زماعرة أن المقام التاريخي الذي يقع في منطقة حساسة في ظل تنامي مشاريع استيطانية وتهويدية في المنطقة، وهو ما يجعل من تنشيط المكان عبر جلب فئات مجتمعية متنوعة وتشغيله محاولة لبث الروح فيه وحمايته.

وقال زماعرة في حديث “القدس العربي”: “لدينا اهتمام بالمكان منذ أكثر من 10 سنوات والهدف هو إحياء التراث وتشجيع السياحة الدينية”.

وتابع حديثه مؤكدا أن لدى شارك برنامج تشغيلي للمكان بهدف تمكين المواطنين من استخدام المكان ببنيته التحتية التي تقع على 5000 متر.

ويعتبر مقام النبي موسى هو معلم ديني وتاريخي يقع جنوب أريحا وشرق القدس، ويعتبر من أهم مقامات فلسطين. بُني على يد صلاح الدين الأيوبي وأُنشئ عليه الظاهر بيبرس سنة 668هـ/1269م. يشتهر المقام بضخامة مبانيه وتاريخه العريق، وكان يشهد احتفالًا دينيًا كبيرًا في فصل الربيع. يضم المقام ثلاثة قطع معمارية رئيسية: المقام نفسه، مقام عائشة، وقبر الراعي.

واعتبر زماعرة إن اتفاقية التشغيل جزء من المسؤولية الاجتماعية للمنتدى في تمتين العلاقات والشراكات مع المجتمع المحلي والحكومة باعتبار أن الجميع مشترك في تنمية الموارد من خلال استثمار الجهود الشبابية.

وأضاف: “المقام له دلالة تاريخية ودينية، ولهذه الرمزية تحمل منتدى شارك المسؤولية المجتمعية في تفعيل هذا المقام ليكون مزارا تاريخيا ودينيا لتشجيع السياحة الدينية فيه، ولتفعيل البرامج المجتمعية في المزار لضمان تواجدا مجتمعيا فيه كونها يقع في منطقة حساسة في مدخل مدينة القدس ومنطقة مصنفة “سي”، وضمن المخطط الاستيطاني E 1، بالتالي له أبعاد مهمة على المستوى الثقافي والسياسي”.

واعتبر أن المميز في هذا المكان التاريخي أنه يقع كليا تحت إشراف وزارة الأوقاف الفلسطينية وهو ما يجعله نقطة وحيدة تحت سيطرة الفلسطينيين في المنطقة الصحراوية المحيطة.

ويرى أن المكان يصلح أن يكون مكانا تعقد فيه الورش والندوات والإقامات الفنية واللقاءات الاجتماعية بما يتوافق والسياق الديني للمكان.

ويسعى شارك إلى توقيع اتفاقية تضمن أن يتم تشغيل المكان و”جلب “الرجل” عليه على مدار العام” بحيث يكون نقطة عمل فردية ومجموعاتية وهو أمر يضمن ألا يصبح متروكا للفراغ.

وضرب أمثلة من تجارب شارك في تشغيل المكان وإحياءه عبر مجموعة من الأنشطة والفعاليات نفذتها جمعيات نسوية وجمعيات ذوات إعاقة ومصليين وسياح إلى جانب حوار معماري مع طلبة فنون وعمارة من جامعات فلسطينية.

ويسعى شارك إلى إعادة موسم النبي موسى التاريخي الذي توقف خلال الفترة الماضية لأسباب سياسية وأمنية، “العائق أمامنا هو الحرب على غزة والهجمات في الضفة، لكننا لن نتوقف عن محاولة إحياء الدور التاريخي للمكان، لقد كان مكان لمرور القوافل واستراحتها، وهو بوابة القدس الشرقية وهو معرض للتهويد في كل لحظة” بحسب زماعرة.

وفي ذات السياق، أعلنت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية عن افتتاح موقع مقام العابد في مدينة دورا قضاء مدينة الخليل، الذي بني على قمة جبل يطل على السهل الساحلي الفلسطيني إضافة للكثير من القرى المحيطة بدورا.

والمقام عبارة عن غرفة تخلو من قبر أو ضريح ويعلو الغرفة قبة، وبجوارها شجرة بلوط ضخمة.

 تعتبر فلسطين مهد الحضارات والأديان، ولها مكانة دينية وتاريخية كبيرة في الأديان السماوية. وتضم فلسطين العديد من مقامات الأنبياء وما يروى أن 10 من الأنبياء دفنوا فيها، منهم يوسف وداوود وسليمان وموسى وزكريا ويحيى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وروبين، وكذلك العديد من المزارات الدينية وأضرحة الصحابة التي ترتبط بأحداث وشخصيات هامة في التاريخ الديني. ومن أبرز هذه المدن التي تزخر بالمقامات والمزارات تبرز مدينة الخليل بجنوب الضفة الغربية. وهي ليست فقط موطنًا لمقام النبي إبراهيم، ونسبة له سميت، بل تحوي أيضًا مقامات أنبياء آخرين مثل النبي إسحاق والنبي يعقوب، وأضرحة لشخصيات تاريخية ودينية بارزة. يمثل هذا المقال رحلة في أروقة هذه المدينة ليعرض أهم المقامات والمزارات فيها، ويسلط الضوء على قيمتها الدينية والتاريخية.

وتضم فلسطين الكثير من المقامات الدينية، ومن بين مدنها تحتل مدينة الخليل مكانةً خاصة لاحتوائها على عدد من المقامات والمزارات الهامة التي ترتبط بأنبياء وشخصيات دينية بارزة، ولعل أبرزها مقام النبي إبراهيم (في الحرم الإبراهيمي)، ومقام النبي إسحاق، والنبي يعقوب، ولوط، ويونس.. الخ من الأنبياء والشخصيات الدينية.

“القد س العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب