إسرائيل أمام تحوّل دولي متسارع: تراجع النفوذ أم بداية إعادة التموضع؟

إسرائيل أمام تحوّل دولي متسارع: تراجع النفوذ أم بداية إعادة التموضع؟
بقلم: رئيس التحرير
تكشف التطورات الدولية المتلاحقة أن صورة إسرائيل ومكانتها السياسية لم تعودا بمنأى عن التحولات التي أحدثتها حرب غزة، وأن ما كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره من الثوابت في العلاقات الدولية بات اليوم موضع نقاش متزايد. لكن قراءة هذه التحولات تحتاج إلى قدر من الموضوعية، بعيدًا عن المبالغة في الحديث عن «سقوط قريب» أو تحديد عام بعينه لانهيار إسرائيل.
فالمشهد الدولي لا يشير إلى نهاية وشيكة لإسرائيل، لكنه يكشف عن تراجع تدريجي في هامش المناورة السياسية وتزايد كلفة سياساتها الخارجية.
ومن أبرز المؤشرات على ذلك تصاعد الانتقادات الشعبية والسياسية في عدد من الدول الغربية. ففي إسبانيا، تحولت مناسبة شعبية تقليدية في بلدة إل بورغو إلى حدث سياسي لافت، بعدما أُحرقت دمية ضخمة تجسد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في تعبير احتجاجي على الحرب في غزة، ما أدى إلى توتر دبلوماسي بين مدريد وتل أبيب.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها مؤشرًا منفردًا على تحول السياسة الإسبانية، وإنما باعتبارها جزءًا من اتساع مساحة النقد الشعبي لإسرائيل داخل المجتمعات الأوروبية، وهو تطور له انعكاسات بعيدة المدى على قدرة الحكومات الغربية على الاستمرار في تبني مواقف لا تنسجم مع المزاج الشعبي المتغير.
وفي تركيا، اتخذ التصعيد منحى مختلفًا، إذ أعلنت النيابة العامة في إسطنبول إعداد لائحة اتهام بحق 35 مسؤولًا إسرائيليًا، بينهم نتنياهو، على خلفية الهجوم على «أسطول الصمود العالمي». ورغم أن هذا الإجراء يظل في إطاره القضائي التركي ولا يعني تلقائيًا إمكانية تنفيذ أحكام خارج تركيا، فإنه يعكس انتقال المواجهة من المجال السياسي والإعلامي إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالمسؤولية الفردية.
وفي كندا، لا تعني السياسة الجديدة لرئيس الوزراء مارك كارني أن أوتاوا «انقلبت» على واشنطن، كما يوحي بعض الخطاب المتداول، وإنما تعكس توجهًا نحو تعزيز القدرات الدفاعية والصناعية المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج. فقد طرحت الحكومة استراتيجية دفاعية واسعة تتضمن استثمارات ضخمة في الصناعة العسكرية الكندية.
وهذا التطور مهم في سياق أوسع، يتمثل في إعادة عدد من الحلفاء الغربيين تقييم علاقاتهم الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤدي بصورة غير مباشرة إلى إعادة النظر في بعض السياسات المتعلقة بالشرق الأوسط.
أما كوريا الجنوبية، فقد أظهرت مواقف رسمية أكثر انتقادًا لإسرائيل في بعض الملفات المرتبطة بالحرب، بما في ذلك انتقاد الرئيس لي جاي ميونغ لاحتجاز مواطنين كوريين في المياه الدولية، معتبرًا التصرف تجاوزًا للحدود.
لكن هل تعني هذه التطورات أن العالم «توحد ضد إسرائيل»؟
الجواب الموضوعي هو: ليس بعد.
فإسرائيل ما زالت تتمتع بعلاقات استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، كما أن دولًا غربية عديدة ما زالت تتعامل معها باعتبارها شريكًا استراتيجيًا.
غير أن التحول الأكثر أهمية يجري في مكان آخر: في صورة إسرائيل داخل الرأي العام العالمي، وفي حجم الانتقادات الموجهة إلى سياساتها، وفي تزايد الفجوة بين مواقف بعض الحكومات ومواقف قطاعات واسعة من شعوبها.
وهذه الفجوة قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى عامل ضغط سياسي حقيقي.
أما الحديث عن أن عام 2027 سيكون «عام السقوط المدوي»، فهو استنتاج لا يمكن الجزم به. الدول لا تنهار وفق جداول زمنية محددة، وإنما تتغير موازين قوتها عندما تتراكم الأزمات الداخلية والخارجية وتتراجع قدرتها على إدارة علاقاتها الدولية.
لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية لما يجري هي أننا أمام مرحلة إعادة تموضع دولية تجاه إسرائيل، وليس أمام نهاية وشيكة لها.
والأهم بالنسبة للفلسطينيين والعرب هو عدم الاكتفاء بالاحتفال بتغير المواقف الدولية، بل تحويل هذا التحول إلى سياسة دبلوماسية نشطة، تعزز الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتوسع دائرة العلاقات الدولية، وتستثمر التحولات في الرأي العام العالمي لإعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي باعتبارها قضية شعب وحقوق وطنية وعدالة سياسية.
لقد تغير الكثير منذ السابع من أكتوبر والحرب على غزة، لكن التغيير الحقيقي لا يقاس بعدد التصريحات أو المواقف الرمزية، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة التحولات السياسية والشعبية إلى سياسات عملية.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: متى تسقط إسرائيل؟
بل: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل الاستمرار في إدارة علاقاتها الدولية بالأساليب نفسها التي اتبعتها خلال العقود الماضية، في ظل عالم يتغير ومجتمعات يتغير وعيها السياسي بصورة متسارعة؟
وهذا هو التحدي الاستراتيجي الذي يستحق المتابعة في المرحلة المقبلة

