مقالات

إشعال الحروب سياسة أمريكية -إسرائيلية

إشعال الحروب سياسة أمريكية -إسرائيلية

د. سعيد الشهابي

ربما لم تكن هناك حرب أحدثت انقساما في أوساط النخب الأمريكية كالحرب التي شنّها دونالد ترامب على إيران. فما أكثر المعترضين عليها والمتنبئين بقرب انتهاء الهيمنة الأمريكية.
يقول الكاتب أندرو داي، محرر صحيفة “الأمريكي المحافظ”:  إننا نراقب العمل الأخير النهائي للإمبراطورية الأمريكية”. ويطرح أسبابا لذلك منها “أنها حرب خاسرة قبل إطلاق أول صاروخ أمريكي، وأنه مهما كانت نتائجها فانها ستؤدي الى محو مصداقية الولايات المتحدة، وأنها ستنتهي إلى تصدع الاقتصاد الدولي الذي لن تستطيع أمريكا أن تتعافى منه”. وكتب مايك آدامز، محرر صفحة “الأخبار الطبيعية” مقالا تحت عنوان: “هكذا خسر ترامب الحرب قبل أن تبدأ.” أما ستيفن والت، الكاتب بمجلّة “السياسة الخارجية” التي تصدر في واشنطن فيقول: “مهما يقول الرؤساء الأمريكيون فإنهم يرون من المستحيل أن لا يشنّوا الحروب”. فإذا كان النهم الأمريكي للحرب حقيقة، فإنها مؤلمة جدّا وخطيرة على  أمن العالم وسلمه. فالولايات المتحدة هي الأكثر امتلاكا لأسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها السلاح النووي، وهي الأقوى اقتصادا والأقل اهتماما سواء بالقرار الدولي أو الرأي العام. وبرغم الكوارث التي حلّت على العالم جرّاء الحروب خصوصا التي تشارك أمريكا فيها، ابتداء بفيتنام مرورا بكوريا، وصولا إلى حرب العراق، لا تستطيع أمريكا احتواء نهمها لاستخدام العنف في التعاطي مع الخلافات مع الدول الأخرى. ويمكن القول إن الإدارة الأمريكية الحالية استغلّت حالة ضعف العمل الدولي المشترك وتراجع أدوار المؤسسات الدولية خصوصا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبقية التجمعات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي ومنظمة آسيان، وحتى بريكس. حتى بلغ الأمر أن يعلن دونالد ترامب سيطرته على جزيرة “غرينلاند” ويؤكد رغبته في ضم كندا كولاية أخرى للولايات المتحدة. وفي كل هذه التصرفات لم يُراع قواعد اللعبة الدولية ولم يحاول استرضاء من يعترضون على سياساته. وكان هذا واضحا منذ فترة رئاسته الأولى، ولم تتغيّر عقليته أو أساليبه. والواضح أنه مدعوم بجهات مؤثرة تعمل خارج الأطر الدبلوماسية استطاعت التعتيم على دوره في الفساد الأخلاقي الذي كشفت عنه قضية “إبستين”.
فكيف سيتعايش هذا العالم مع دولة يمارس رئيسها أدوارا خارجة عن الذوق الأخلاقي والبروتوكولات السياسية والأعراف الدبلوماسية؟
الواضح أن العالم يعاني ضعفا بنيويا جعله يغض الطرف عن العديد من تصرفات الرئيس الأمريكي خشية من ردود فعله غير المحسوبة. وقد يكون ذلك مفهوما لمنع تمادي الانحراف، ولكن الصمت على شنّ الحروب أمر غير مفهوم في عالم طالما تحدث قادته عن الرغبة في عالم يسوده السلام. فمن هم روّاد هذا العالم؟ ومن هم الرغبون في السلام؟ وهل إحلال هذا السلام مشروط برغبة الدول المعروفة بالعدوان وشنّ الحروب؟ أم أنه رغبة المستضعفين المحرومين من ممارسة حقّهم السياسي في بلدانهم، إما بسبب استبداد حكامهم أو بقرار من زعماء “العالم الحرّ” الذين يسعون لمصادرة حقّ الشعوب في تقرير مصيرها واختيار أنظمتها السياسية وحكّامها؟ أيّا كان الأمر، فإن ما يجري على الصعيد العالمي في السنوات الأخيرة يكشف حالة غير مسبوقة من التنمّر الذي يعيد إلى الأذهان ممارسات الاستعمار وصراع القوى الكبرى خلال حقبة الحرب الباردة. فإذا كانت هذه الفرضيات مطابقة للواقع، فإن العالم الذي قيل إن العولمة حوّلته إلى قرية صغيرة، أصبح حقّا صغيرا لأن مقاليد الحكم والتوجيه أصبحت بأيدي من يمتلك القوة العسكرية المتطوّرة ويتصرّف خارج القانون الدولي ويرفض الانصياع للمؤسسات الدولية. وهنا يزداد الوضع تعقيدا، وتجد الشعوب نفسها محكومة بدون إرادتها. فالصمت على التدخل الأمريكي في فنزويلا واختطاف رئيسها ونقله ألى الولايات المتحدة التي منحت نفسها حق تنصيب رئيس آخر، كان نقطة تحول تاريخي صودرت فيه المبادئ الأساسية وأهمها حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومنحها حق المشاركة في اختيار نظامها وحكومتها. فأين هي “الديمقراطية” التي طالما تغنى الغربيون بها واعتبروها شعارا مضادّا للأطروحات الشيوعية خلال الحرب الباردة؟

الإدارة الأمريكية الحالية استغلّت حالة ضعف العمل الدولي المشترك وتراجع أدوار المؤسسات الدولية خصوصا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبقية التجمعات الإقليمية

إيران ليست دولة صغيرة أو هامشية، بل أنها كيان سياسي عريق بتاريخه وحضارته. وعندما تتعامل معها أمريكا كولاية تابعة لها، فإن ذلك بداية عصر استعماري مقيت يلغي ما حققه العقل البشري من تطورات في علوم السياسة والإدارة والحكم. وليس خافيا السبب المباشر للعدوان عليها في الأسابيع الأخيرة. فقد تمّت مصادرة الجهود الدولية التي كانت تهدف لتنظيم مشروعها النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّيّة، وشنّت أمريكا حربا خارج إطار الشرعية الدولية ليس لتدمر إيران فحسب بل لتحويلها الى ولاية تابعة لأمريكا. وها هي واشنطن تكرّر أنها تريد “أن يكون لها دور في تحديد القائد الجديد”. الواضح أن الولايات المتحدة تعتقد أنها حسمت المعركة ضد نظام الجمهورية الإسلامية وأنها أسقطت قيادتها وحكومتها، وأن لها الحق في إدارة البلاد، كما فعلت في فنزويلا. وبغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك سيتحقق لها، فإنّ التفكير بهذا النهج لا يمثل حصافة سياسية أو مشاعر إنسانية، خصوصا أن الشعب الإيراني مشغول بمواراة ضحاياه الذين تتصاعد أعدادهم يوميا. وتكفي الإشارة إلى قصف مدرسة الأطفال “الشجرة الطّيّبة” بمدينة ميناب في جنوب إيران، وقتل قرابة المائتين من طالباتها الصغار. وليس هناك شك في اعتبار هذه الحادثة “جريمة حرب” يجب أن يُحاسب مرتكبوها أمام القضاء الدولي. ومن المؤكّد أن تتذرّع أمريكا بأنها ليست طرفا في محكمة الجنايات الدولية لأنها لم توقّع على بروتوكولاتها رافضة الاعتراف بالقضاء الدولي. وهذا يضيف بعدا لأزمات العالم التي تكون أمريكا طرفا فيها. فهي لم تكتف بتهميش دور المؤسسات، بل رفضت الانتماء لها، وقرّرت السماح لنفسها بالتصرف خارج الأطر التي تحدّ من حرّيّتها في التصرف كما تشاء. وبهذا يكون العالم قد ولج إلى حقبة جديدة من العنف الذي لا يخضع للرقابة الدولية أو المحاسبة، بل يحدث وفق إرادات قادة أمريكا.
هذه الحقيقة ليست جديدة، بل معروفة لدى الكثيرين منذ عقود. ولكن المثير للقلق شعور بعض الدول الغربية بضرورة مسايرة الولايات المتحدة في خططها ومشاريعها خارج الحدود. وربما الأكثر إثارة للقلق الإصرار الأمريكي على إظهار تحالفها مع “إسرائيل” وإعلانها أنها تخوض الحروب نيابة عنها، والدعم غير المحدود الذي تقدّمه لرئيس وزرائها الذي يُفترض أن يمثل أمام القضاء الدولي. ففي أكتوبر الماضي رفضت المحكمة الجنائية الدولية الاستئناف الذي قدمته “إسرائيل” لإلغاء مذكرتَي توقيف أصدرتهما بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
فقد قضت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر بأن هناك “أسبابا معقولة” تدعو إلى الاعتقاد أن نتنياهو وغالانت يتحملان “مسؤولية جنائية” عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. فكيف يسمح الرئيس الأمريكي بدعم حرب فرضها نتنياهو على المنطقة؟ هذا التلكؤ في احترام القرارات الدولية شجّع نتنياهو على خوض حرب أخرى تهدّد أمن الشرق الأوسط وتهدد الأمن والسلم الدّوليين. وها هي غزّة تعيش أوضاعاً إنسانية كارثية تحت حصار مشدد وقيود حادة على المساعدات، ولا يزال الحصار الإسرائيلي الشامل الذي بدأ في أكتوبر 2023 مفروضاً، مع  تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الأمراض، والنقص الحادّ في الغذاء والدواء والمياه النظيفة، بالإضافة إلى دمار هائل في البنية التحتية.
الأمر المؤكد أن الحرب على إيران لا تحظى بدعم واسع، وإن هرع بعض حلفاء أمريكا لإظهار قدر من التفهم وربما التعاون العسكري المحدود. فالجميع يدرك أنها لن تكون نزهة قصيرة، وأن الصراع سيكون مريرا أوّلا، وطويلا ثانيا ومتوسّعا ثالثا. كما سيكون باهظا، وسوف يرهق موازنات الدول، خصوصا في إثر تصاعد أسعار النفط وانعكاس ذلك على جيوب المواطنين في أنحاء العالم. فلم يمض سوى خمسة أيام على شنّها حتى عمد نتنياهو لتوسيع رقعتها، فاستهدف لبنان بشراسة، مستهدفا جنوبه ومتموضعا في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني. كما استهدف الضاحية الجنوبية من بيروت وقتل الكثير من المدنيين الأبرياء.
إن من الضرورة بمكان الإسراع بوقف العدوان، وهذا يبدأ بإعلان الأمم المتحدة موقفا ضدها. كما يتطلّب ضغوطا من الدول العربية والإسلامية على مجلس الأمن لإصدار قرار يدين الحرب ويطالب بوقفها. فإذا لم يحدث ذلك فسوف تتوسع رقعتها سريعا، وسوف تُلحق أضرارا دائمة بمنطقة الخليج وبعض الدول العربية بالإضافة إلى إيران. إنّ بذل الجهود لوقف الحرب مهمّة إنسانية وضرورة حياتية خصوصا لشعوب منطقة الخليج والعراق والشام بشكل خاص. أمّا التلكؤ في النهوض بالمسؤولية فلا يخدم إلّا العدو المعروف بعقليته التوسعية غير المحدودة.

كاتب‭ ‬بحريني

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب