إعادة صياغة المشهد الإقليمي ومعادلة جديدة تتشكل : بين واشنطن والرياض والقاهرة والامارات وتآكل الاستثنائية الإسرائيلية بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸
بقلم مروان سلطان. فلسطين

إعادة صياغة المشهد الإقليمي ومعادلة جديدة تتشكل : بين واشنطن والرياض والقاهرة والامارات وتآكل الاستثنائية الإسرائيلية
بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸
19.11.2025
——————————————————
تشهد المنطقة اليوم واحدا من أكثر التحولات عمقا منذ عقود، تحولا يتجاوز حدود الحرب في غزة ويمتد ليطال بنية النفوذ الإقليمي نفسه. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، استندت إسرائيل إلى تفوق نوعي ثابت منحته إياها الولايات المتحدة كجزء من معادلة أمنية طويلة الأمد، لكن هذا التفوق الذي بقي بمنزلة قاعدة غير قابلة للمساس بدأ يتآكل على ما يبدو اليوم بصورة واضحة. لم تعد اليد العليا لإسرائيل في ساحات القرار أو في آليات صياغة المعادلة الإقليمية، في ظل بروز فاعلين إقليميين كبار يضعون سقفا جديدا لحدود الدور الإسرائيلي الذي استمر لعقود. إن تراكم المؤشرات من واشنطن والرياض والقاهرة والعواصم الأوروبية يؤكد أن الإقليم يدخل مرحلة تاريخية جديدة لم تعد فيها إسرائيل اللاعب الوحيد أو المحور الذي تدور حوله السياسات.
تشير الوقائع والمؤشرات في الساحة الشرق أوسطية إلى تغيّرات جذرية في الواقع الذي ساد لسنوات، والمتمثل في بسط يد إسرائيل على الإقليم بدعم من الدول المتنفذة وعلى رأسها الولايات المتحدة، بالرغم من ضمانة أمن إسرائيل غير القابلة للجدل. وفي السنوات الأخيرة بدى ما يشير الى عجز عسكري اسرائيلي في المواجهة مع دول الاقليم رغم تحقيق انجازات ذات بعد استراتيجي وكذلك أظهرت إسرائيل توحشا غير مقبول في حربها التي استهدفت المدنيين خصيصا، مما أثار غضب المستوى السياسي العالمي، ولا يخفى تمرد الشارع في مختلف دول العالم على السياسات الإسرائيلية، خاصة في ملفات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
طالما تغنت الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأشبعت شعوبها بتلك المبادئ، فيما ادعت إسرائيل أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، واتخذت من هذا الادعاء ستارا أخفت خلفه الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني ودول الجوار. وقد كشفت الحرب على غزة بشاعة الممارسات الإسرائيلية التي افتقدت لكل المبادئ الأخلاقية والإنسانية، وشكل ذلك نقطة تحول للدول التي تحترم القيم الإنسانية في إعادة النظر بمواقفها، وهو ما بدا جليا في الساحة الدولية مؤخرا.
ومن أبرز المؤشرات تولي الولايات المتحدة إدارة ملف غزة منذ إعلان الرئيس ترامب مبادرته لوقف الحرب، وهي مبادرة عكست امتعاض الإدارة الأمريكية من مسار الحكومة الإسرائيلية. وما إن توقفت الحرب وتم الإفراج عن الرهائن، حتى تبنت الإدارة الأمريكية بشكل مباشر إدارة ملف وقف إطلاق النار، وكف يد إسرائيل عن الانفراد بهذا الملف، إذ كانت لدى إسرائيل رغبة في مواصلة الحرب لتحقيق أهدافها المعلنة والمخفية.
ومن المؤشرات الواضحة كذلك إعلان الرئيس ترامب رسميا رفضه ضم الضفة الغربية، وهو الأمر الذي كانت تعتبره إسرائيل شبه محسوم، إذ رأت في عودته للبيت الأبيض تفويضا مفتوحا لفرض مشروع الحسم و الضم.
كما شكل استقبال الرئيس الأمريكي الباهر لسمو الأمير محمد بن سلمان والموافقة على صفقة الطائرات العسكرية F35 مؤشرا مفصليا، فهذه الطائرات كانت تورد حصريا لإسرائيل. وتمت الموافقة دون ربطها بالتطبيع مع إسرائيل، وعند سؤال بن سلمان عن التطبيع في المؤتمر الصحفي كانت إجابته واضحة: فلسطين أهم من التطبيع. كما صرح بأن السعودية مع الانضمام لاتفاقيات ابراهيم بشرط قيام الدولة الفلسطينية.
وتبرز ملامح أخرى لهذا التحول أهمها تراجع الثقة الأمريكية بأداء الجيش الإسرائيلي في حروبها الاخيرة التي اعتمدت على التوحش القاتل، وتراجع وزن إسرائيل السياسي داخل الحزبين الأمريكيين بسبب الضغط الشعبي، وهو ما تحدث عنه الرئيس ترامب علنا حين أشار إلى أن إسرائيل فقدت جزءا كبيرا من مؤيديها في الكونغرس. يضاف إلى ذلك حاجة واشنطن لبناء منظومات ردع جديدة في الخليج ضد إيران والصين، في وقت تتجه فيه السياسة الأمريكية عالميا نحو تركيز أكبر على مواجهة الصين وتقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط. وهذا كله ترافق مع ضغط سعودي إماراتي مصري لبناء توازن إقليمي يمنع الانفراد الإسرائيلي ويعيد توزيع النفوذ الإقليمي.
وتترافق هذه التحولات الخارجية مع أزمة داخلية إسرائيلية عميقة، تتمثل في انقسام سياسي واجتماعي حاد، وتراجع ثقة الشارع بالمؤسسة الحاكمة، وخشية داخل الجيش من فقدان التفوق النوعي الذي كان يعد القاعدة الأساسية للأمن الإسرائيلي منذ قيام الدولة. وللمرة الأولى تبدو إسرائيل محاطة بتحديات داخلية وخارجية تضع حدودا لمدى قدرتها على التأثير.
لقد أصبح واضحا أننا أمام بداية تحول هيكلي وليس مجرد تغيير ظرفي؛ تحول يتمثل في انحسار الاستثنائية الإسرائيلية في السياسة الأمريكية، وعودة الدور العربي إلى مركز الفعل الإقليمي بقيادة السعودية ومصر والإمارات وقطر وتركيا، وتعدد مراكز القوة في الشرق الأوسط بدل القطبية الأمريكية الإسرائيلية، إضافة إلى مرونة أمريكية غير مسبوقة في تسليح الخليج بأسلحة كانت حكرا على إسرائيل. وبناء على ما سبق، فإن الإقليم بات يتحرر تدريجيا من التفويض الأمريكي الذي منح إسرائيل اليد العليا لعقود.
إن التحولات الجارية اليوم ليست طارئة ولا رد فعل لحرب محددة، بل هي بداية إعادة تشكيل عميقة للنظام الإقليمي وربما الدولي ايضا . فالدور الإسرائيلي الذي ظل محميا بغطاء أمريكي مطلق يواجه الآن واقعا جديدا تحدده مصالح عربية صاعدة، وتوازنات دولية مختلفة، وإدراك عالمي متزايد لخطورة السياسات الإسرائيلية على الأمن والاستقرار الدوليين. وللمرة الأولى منذ عقود يتعامل العالم بجدية مع فكرة الدولة الفلسطينية، بوصفها جزءا من الحل وليس عبئا أو مجرد ورقة تفاوض. هذا التحول، إن استمر، سيعيد رسم خريطة الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، وسيفتح نافذة سياسية كانت مغلقة طويلا أمام الشعب الفلسطيني.





