اتفاق الإطار: الطريق إلى ما بعد الطائف؟

اتفاق الإطار: الطريق إلى ما بعد الطائف؟
اتفاق الإطار يفتح الباب أمام مسار سياسي يتجاوز الترتيبات الأمنية، ويطرح أسئلة حول دستورية إقراره، ومستقبل اتفاق الطائف، وحدود السيادة والقرار اللبناني.
ليس اتفاق الإطار الذي وقّعته السلطة اللبنانية مع إسرائيل في واشنطن تفصيلاً عابراً. إنّه اتفاقٌ يؤسّس لمسارٍ سياسيٍّ كاملٍ، ويضع لبنان أمام تحوّلٍ يتجاوز الحدود والجنوب والسلاح، ليطال معنى الدولة نفسها، وموقعها، ودستورها، وطبيعة نظامها السياسي، وكل التسويات التي منعت هذا البلد، حتى الآن، من السقوط .
النصّ لا يخفي غايته. فهو يتحدث عن «سلامٍ وأمنٍ دائمين»، وعن إنهاء النزاع، وإقامة علاقات جوارٍ سلميةٍ، ويفتح الطريق أمام اتفاقاتٍ لاحقةٍ ومفاوضاتٍ مباشرةٍ تعالج القضايا العالقة بين لبنان وإسرائيل. نحن، إذاً، لا نقرأ اتفاقاً لوقف إطلاق النار، بل مقدّمةً مكتوبةً لمسارٍ سياسيٍّ يراد له أن ينتقل بلبنان من إدارة الصراع مع إسرائيل إلى إعادة العلاقة معها. وهذه ليست قراءةً متشددةً للنص، بل خلاصة ما ورد فيه بوضوحٍ، إذ يعلن الطرفان أن الاتفاق ليس نهاية المسار، وإنما أساسٌ لاتفاقاتٍ مستقبليةٍ تهدف إلى إنهاء النزاع بينهما.
لكنّ السؤال الذي تحاول السلطة الهرب منه ليس ما إذا كان اللبنانيون يريدون الحرب أو السلام. لا أحد يريد الحرب، ولا أحد يمكنه أن يتعامل بخفّةٍ مع القتل والدمار والتهجير. السؤال الحقيقي هو: من أعطى هذه السلطة حقّ نقل لبنان، منفردةً، من موقعٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ ودستوريٍّ إلى موقعٍ آخر؟ ومن أعطاها حقّ اتخاذ قرارٍ بهذا الحجم، ثم تقديمه إلى الناس بوصفه إجراءً تقنيّاً لا يحتاج إلا إلى بعض الترتيبات العسكرية والأمنية؟
الدستور غائب بل مغيّب
تنص المادة الثانية والخمسون من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأن المعاهدات لا تصبح مبرمةً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، كما تفرض إطلاع مجلس النواب عليها وفقاً للأصول، وتوجب موافقته عندما تتضمن شروطاً تتعلق بمالية الدولة، أو بمعاهدات التجارة، أو باتفاقاتٍ لا يجوز فسخها سنةً فسنةً.
إن الاتفاق الذي يرسم مستقبل علاقة لبنان بدولةٍ عدوّةٍ، ويضع أسساً لاتفاقات سلامٍ لاحقةٍ، ويرتب التزاماتٍ أمنيةً وسياسيةً طويلة الأمد
ليست المسألة، إذاً، أن يجتمع رئيس الجمهورية برئيس الحكومة، ثم يُستدعى مجلس الوزراء لتسجيل موافقةٍ سبق إعدادها خارج المؤسسات، أو أن يوضع النواب أمام أمرٍ واقعٍ، بعد توقيع اتفاقٍ دوليٍّ يتحدث عن إنهاء النزاع، والمفاوضات المباشرة، والترتيبات الأمنية، والالتزامات السياسية، والقانونية، والمالية. الدستور لم يجعل مجلس الوزراء مكتباً لتصديق القرارات، ولم يجعل مجلس النواب جمهوراً مدعواً إلى الاطلاع على ما أنجزه الآخرون.
إن الاتفاق الذي يرسم مستقبل علاقة لبنان بدولةٍ عدوّةٍ، ويضع أسساً لاتفاقات سلامٍ لاحقةٍ، ويرتب التزاماتٍ أمنيةً وسياسيةً طويلة الأمد، لا يمكن اختزاله بقرارٍ إداريٍّ أو بتفسيرٍ ضيقٍ للمادة 52. فالدستور، قبل أن يكون نصوصاً موزعةً بين الرئاسات، هو أيضاً قاعدةٌ سياسيةٌ تقول إن الشعب مصدر السلطات، وإنه يمارس سيادته من خلال المؤسسات الدستورية، وإن النظام قائمٌ على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
فماذا يبقى من هذه القاعدة عندما يُصنع القرار الأخطر في تاريخ لبنان الحديث داخل دائرةٍ ضيقةٍ، وتُطلب من بقية المؤسسات مباركته؟ وماذا يبقى من النظام البرلماني عندما يعرف اللبنانيون مضمون الاتفاق من البيانات الأميركية والإسرائيلية ووسائل الإعلام قبل أن يشهدوا نقاشاً عاماً وشفافاً داخل مجلس النواب؟
الخطر هنا لا يقتصر على الاتفاق نفسه. الخطر في السابقة التي يجري تكريسها: أن يكون ممكناً تغيير موقع لبنان الاستراتيجي، وعلاقته بإسرائيل، وقواعد أمنه وحدوده، وشكل التزاماته الدولية، من دون أن يملك اللبنانيون حقّ مناقشة هذا التحول، ومن دون أن تخضع السلطة لمساءلةٍ حقيقيةٍ حول ما قدّمته، وما التزمت به، وما تركته معلّقاً في ملاحق أمنيةٍ أو مفاوضاتٍ لاحقةٍ.
اتفاقٌ تحت الاحتلال
تقول السلطة إن الاتفاق يعيد السيادة إلى لبنان. لكنّ الاتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي بإجراءاتٍ لبنانيةٍ داخليةٍ، ويقبل أن يجري الانسحاب بصورةٍ مرحليةٍ من مناطق تجريبيةٍ، فيما تحتفظ إسرائيل بوجودها العسكري إلى أن تتحقق الشروط الأمنية التي تطلبها. وبذلك، لا يعود الاحتلال اعتداءً يجب أن ينتهي فوراً ومن دون قيدٍ، بل يتحول إلى أداة ضغطٍ وضمانةٍ بيد إسرائيل لفرض تغييرٍ داخليٍّ في لبنان.
فالسلطة لم تنتزع انسحاباً إسرائيليّاً، بل قبلت معادلةً يصبح فيها الانسحاب مكافأةً على تنفيذ شروطٍ لبنانيةٍ داخليةٍ. أي إن إسرائيل، التي احتلت الأرض ودمّرت المدن والقرى، تتحول بموجب الاتفاق إلى جهةٍ تراقب أداء الدولة اللبنانية، وتحكم على مدى التزامها، وتقرر، عمليّاً، متى يصبح الانسحاب ممكناً.
أكثر من ذلك، يتضمن الاتفاق بنداً يثير مخاوف قانونيةً جديةً بسبب دعوته إلى وقف التحركات «العدائية أو السلبية» في المحافل السياسية والقانونية الدولية، وهو ما حذّر خبراء وحقوقيون من إمكان استخدامه لعرقلة ملاحقة إسرائيل أو طلب التحقيق في الانتهاكات وجرائم الحرب المزعومة.
بأي حقّ تُقايض حقوق الضحايا؟ ومن فوّض أحداً التنازل، صراحةً أو ضمناً، عن حق عائلات الشهداء والجرحى وأصحاب البيوت المدمّرة في طلب العدالة؟ وكيف يصبح اللجوء إلى المؤسسات الدولية عملاً عدائياً، بينما لا يُعدّ الاحتلال والقصف والاغتيال والتدمير سبباً كافياً لرفض اتفاقٍ غير متوازنٍ؟
الطائف هو الهدف التالي
لا يحتاج إلغاء اتفاق الطائف إلى إعلانٍ رسميٍّ يقول إن العمل به قد انتهى. التسويات الكبرى لا تُلغى دائماً بنصوصٍ مضادةٍ، إذ يكفي إفراغها من معناها عبر الوقائع، وإعادة توزيع القوة، وتجاوز المؤسسات التي قامت عليها، وإنتاج نظامٍ موازٍ لها، إلى أن تصبح موجودةً في الدستور وغائبةً عن الحياة السياسية.
اتفاق الطائف لم يكن مجرّد توزيعٍ جديدٍ لصلاحيات الرئاسات، كما يحاول البعض اختزاله. لقد كان تسويةً لإنهاء الحرب الأهلية، وإعادة بناء الدولة، وتأكيد نهائية الكيان اللبناني وعروبته ووحدة أرضه وشعبه ومؤسساته، وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، وتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. هذه العناوين واردةٌ صراحةً في وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّها النواب وأصبحت أساس النظام الدستوري بعد سنة 1989.
أما اتفاق الإطار، فيقيم مساراً موازياً. فهو يعيد تعريف السيادة تحت رقابةٍ أميركيةٍ وإسرائيليةٍ، ويحوّل التحرير من الاحتلال إلى عمليةٍ مشروطةٍ، ويجعل الأمن الإسرائيلي جزءاً من القيود المفروضة على القرار اللبناني، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل السلطة على قاعدة نتائج الحرب لا على قاعدة التوافق الوطني.
-

النصّ لا يخفي غايته. فهو يتحدث عن «سلامٍ وأمنٍ دائمين» (هيثم الموسوي)
وعندما تتغير وظيفة الجيش، وشروط الأمن، وعلاقة لبنان بإسرائيل، وموقع القوى الداخلية، وقواعد اتخاذ القرار، فإن شكل النظام السياسي نفسه يصبح مطروحاً على الطاولة. ليس ضرورياً أن يتضمن الاتفاق مادةً تقول بإلغاء الطائف، يكفي أن ينتج توازناً جديداً يجعل الطائف غير قابلٍ للتطبيق، ثم يأتي من يقول للبنانيين إن نظامهم القديم لم يعد ملائماً للواقع الجديد.
هكذا تبدأ الانقلابات السياسية في البلدان المنقسمة. لا تدخل الدبابات إلى القصر، ولا يُذاع البيان رقم واحد. يُوقَّع اتفاقٌ، ثم تنشأ لجانٌ أمنيةٌ، ثم تُفرض تشريعاتٌ ماليةٌ وقانونيةٌ، ثم يُعاد تعريف العدو والصديق، ثم تصبح المعارضة تهديداً للسلام، ويصبح النقاش في الخيارات الكبرى خروجاً على الشرعية الدولية، وبعد ذلك يُقال إن النظام يحتاج إلى «تطويرٍ» ينسجم مع المرحلة.
والتطوير، في القاموس اللبناني، قد يكون الاسم المهذّب لإلغاء آخر ما بقي من التوازنات.
تغيير الحياة السياسية
إن المستهدف لا يقتصر على سلاح حزبٍ أو نفوذ فريقٍ أو نتيجة حربٍ. المستهدف هو شكل الحياة السياسية في لبنان: ما الذي يجوز قوله؟ ومن يملك حق الاعتراض؟ وما حدود العمل السياسي والإعلامي والقانوني ضد إسرائيل؟ وهل تبقى العلاقة معها قضيةً وطنيةً تُناقش داخل المجتمع، أم تتحول إلى التزامٍ دوليٍّ يُفرض على اللبنانيين وتُقاس شرعية القوى السياسية بمدى امتثالها له؟
عندما يقرّ الاتفاق مبدأ العلاقات السلمية المستقبلية، ويطالب بوقف التحركات السياسية والقانونية المصنفة سلبيةً، ويفرض آليات مراقبةٍ أمنيةً وماليةً، فإن المسألة لم تعد حدوداً فقط. نحن أمام محاولةٍ لإنتاج حياةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، يُعاد فيها ضبط الأحزاب والإعلام والتمويل والخطاب العام، وتصبح فيها واشنطن وتل أبيب شريكتين غير مباشرتين في تحديد ما هو مقبولٌ داخل لبنان وما هو ممنوعٌ.
ولن يتوقف هذا المسار عند فريقٍ واحدٍ. من يصفق اليوم لأن الضغوط تستهدف خصمه سيكتشف غداً أن الآلية نفسها قابلةٌ للاستخدام ضده. ومن يعتقد أن تقليص قوة طائفةٍ أو حزبٍ سيمنحه دولةً أقوى، قد يجد نفسه أمام دولةٍ منزوعة الإرادة، لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلام، ولا حق اللجوء إلى القضاء الدولي، ولا القدرة على تحديد سياساتها الأمنية والمالية بمعزلٍ عن الوصاية الخارجية.
المقامرة بالبلد
على الجميع أن يتوقف عن التعامل مع الاتفاق بوصفه انتصاراً لفريقٍ وهزيمةً لفريقٍ آخر. ما يجري أخطر من الحسابات الحزبية والطائفية، وأكبر من حفلة التشفي التي ينظمها بعض اللبنانيين فوق ركام بلدهم. هذه مقامرةٌ بلبنان كلّه، بتاريخه، وبصيغة وجوده، وبالتوازنات التي أبقته حيّاً رغم الحروب والاحتلالات والانقسامات.
منذ إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920، لم يعرف هذا الكيان استقراراً سهلاً. قام على تسوياتٍ دقيقةٍ، وتعرّض لانتدابٍ وثوراتٍ وأزماتٍ دستوريةٍ وحروبٍ أهليةٍ واحتلالاتٍ إسرائيليةٍ ووصاياتٍ خارجيةٍ وانهياراتٍ ماليةٍ واجتماعيةٍ. وفي كل مرحلةٍ كان الخلاف يدور حول كيفية حماية البلد من التحول إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لمشاريع الآخرين. أما اليوم، فإن السلطة نفسها تضع توقيعها على مسارٍ يسمح للخارج بأن يعيد صياغة الداخل.
إنها مقامرةٌ بمئةٍ وست سنواتٍ من تاريخ لبنان، لا بورقةٍ حكوميةٍ عابرةٍ. مقامرةٌ بكل ما جرى منذ سنة 1920: بالدستور الذي وُلد سنة 1926، والاستقلال الذي تحقق سنة 1943، والميثاق الذي حاول تنظيم العيش المشترك، واتفاق الطائف الذي أوقف الحرب، وبآلاف اللبنانيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لبقاء هذا البلد موحّداً.
الخطر هنا لا يقتصر على الاتفاق نفسه. الخطر في السابقة التي يجري تكريسها: أن يكون ممكناً تغيير موقع لبنان الاستراتيجي، وعلاقته بإسرائيل، وقواعد أمنه وحدوده
وعلى المسيحيين قبل المسلمين، والمسلمين قبل المسيحيين، وعلى الموالين والمعارضين، وعلى من يحمل السلاح ومن يطالب بحصره، وعلى من يعتبر الاتفاق خلاصاً ومن يراه استسلاماً، أن يفهموا أن انهيار القواعد الدستورية لن يوفر أحداً. فإذا صار ممكناً تجاوز الدستور لأن الظرف استثنائيٌّ، فكل الظروف المقبلة ستصبح استثنائيةً. وإذا صار ممكناً تعليق التوازنات لأن الخارج مستعجلٌ، فلن يبقى من التوازنات شيءٌ عندما تتغير مصالح الخارج.
لا يراهن أحدٌ على أن إسرائيل تريد للبنان دولةً قويةً ومستقرةً. ولا يراهن أحدٌ على أن الولايات المتحدة تحمي الصيغة اللبنانية حبّاً بالتعددية والعيش المشترك. الدول ترعى مصالحها، وإسرائيل تريد حدوداً آمنةً، ونظاماً لبنانياً عاجزاً عن تهديدها، وطبقةً سياسيةً تقبل أن يكون أمنها جزءاً من السياسة الداخلية اللبنانية. أما الأميركي، فيريد إنجازاً إقليمياً يوضع في رصيد إدارته، حتى لو كانت كلفته تفجير التوازنات اللبنانية بعد سنواتٍ.
لذلك، فإن التحذير ليس موجهاً إلى السلطة وحدها. هو موجّهٌ إلى الجميع: إلى من وقّع، ومن بارك، ومن صمت، ومن قرر أن يرى في الاتفاق فرصةً للانتقام من خصومه. أنتم لا تلعبون بموازين حكومةٍ أو أكثريةٍ نيابيةٍ أو رئاسةٍ عابرةٍ. أنتم تلعبون بالبلد نفسه، بحدوده، ودستوره، وسلمه الأهلي، وحق أهله في البقاء معاً.
أول ضحايا اتفاق الإطار قد يكون الدستور. وثاني ضحاياه قد يكون اتفاق الطائف. أما الضحية الثالثة، إن استمر هذا العبث، فلن تكون حزباً أو طائفةً أو زعيماً، سيكون لبنان.






