مقالات

اتفاق شرم الشيخ… سلام بلا أطراف وشرق أوسط بلا فلسطين

اتفاق شرم الشيخ… سلام بلا أطراف وشرق أوسط بلا فلسطين

إعداد: المحامي علي أبو حبلة –

شرم الشيخ واتفاق بلا أصحاب الحق

أن يُعلن عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة من شرم الشيخ، في غياب ممثلي الشعب الفلسطيني الحقيقيين، لا سيما منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فذلك لا يمكن اعتباره خطوة نحو السلام، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة من الوصاية السياسية على القرار الفلسطيني.

فالاجتماع الذي جرى تحت الرعاية المصرية وبحضور دولي واسع، بدا وكأنه إعادة إنتاج لمعادلة “كل شيء عن فلسطين ولكن بدون الفلسطينيين”. فالاتفاق ركّز على التهدئة وإعادة الإعمار، لكنه تجاهل جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وهنا تكمن خطورة المشهد: إذ يجري الحديث عن “إنهاء الحرب” بينما تُترك جذور الصراع مشتعلة، وتُدار القضية الفلسطينية بمنطق الغرف المغلقة والصفقات الأمنية.

خطاب السيسي وترامب… رؤيتان متناقضتان

في كلمته، أعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التأكيد على حل الدولتين كخيار استراتيجي يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، منسجمًا بذلك مع قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد تجنّب الإشارة تمامًا إلى الشعب الفلسطيني أو حقه في تقرير المصير، وركّز في المقابل على ما سماه “الشرق الأوسط الجديد”، حيث الأمن والتكامل الاقتصادي عنوان المرحلة المقبلة، دون التطرق إلى الاحتلال أو العدالة أو التسوية السياسية.

خطاب ترامب كان واضحًا في مراميه: دمج إسرائيل في منظومة الأمن الإقليمي، وجعلها محورًا رئيسيًا في التحالفات الجديدة، دون أي التزام بدفع عملية السلام أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

وبذلك، بدا أن واشنطن لا تسعى إلى تسوية الصراع، بل إلى تصفية أبعاده السياسية، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني وإغاثي قابل للإدارة.

إدماج إسرائيل في الأمن الإقليمي… هدف المرحلة المقبلة

مؤتمر شرم الشيخ كما يبدو، لم يكن منصبًّا على وقف الحرب بقدر ما كان خطوة نحو تدشين ترتيبات إقليمية جديدة تحت عنوان “الأمن والاستقرار”.

الغاية الأبعد هي إعادة هندسة النظام الإقليمي العربي بحيث تكون إسرائيل جزءًا من منظومة الأمن في الشرق الأوسط، بحجة مواجهة “التهديدات المشتركة”، من دون أن تقدم أي ثمن سياسي أو انسحاب من الأراضي المحتلة.

إن الحديث المتكرر عن “الشرق الأوسط الجديد” يعيد إلى الأذهان مشروعًا أمريكيًا قديمًا، قوامه إخضاع الأمن العربي للمنظور الإسرائيلي، وتحويل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى قضية هامشية تدار عبر مساعدات مالية ومشاريع اقتصادية، لا عبر قرارات أممية وحقوق تاريخية.

غياب السعودية والحضور الفلسطيني الخجول

اللافت في مشهد شرم الشيخ هو الغياب السعودي التام، رغم أن الرياض تمثل ركيزة أساسية في أي تسوية إقليمية أو عربية. هذا الغياب ربما يعكس تحفظًا سعوديًا على طبيعة الترتيبات الجارية، أو إدراكًا مبكرًا بأن المؤتمر لا يهدف إلى إحياء عملية السلام، بل إلى تثبيت واقع جديد يخدم التحالفات الأمنية أكثر مما يخدم العدالة.

هذا في الوقت الذي يُرسم فيه مستقبل المنطقة، يُستبعد الفلسطينيون من الطاولة، وكأن القضية تُدار عنهم لا بهم، وهو ما يعيدنا إلى ضرورة إعادة الاعتبار للقرار الوطني المستقل.

منظمة التحرير… المرجعية التي لا بديل عنها

إن تغييب منظمة التحرير الفلسطينية – التي أقرّ العالم بشرعيتها في الأمم المتحدة ومؤتمرات القمم العربية – يشكّل سابقة خطيرة تمس جوهر التمثيل الوطني الفلسطيني.

فأي اتفاق يعقد بمعزل عنها، وأي مسار سياسي لا يستند إلى مرجعيتها، يفتقر إلى الشرعية القانونية والسياسية، ويهدد بتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها الوطني.

ومن هنا، يصبح التحدي الأبرز أمام الفلسطينيين هو استعادة وحدتهم الوطنية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير، بما يعيد لها دورها المركزي في الدفاع عن الثوابت الوطنية الفلسطينية، ويمنع أي محاولة لتجاوزها أو الالتفاف على شرعيتها.

ما بعد الحرب… تهدئة بلا أفق سياسي

تبدو التهدئة التي أُعلنت من شرم الشيخ هشة سياسيًا ومفرغة من مضمونها الوطني. فهي لا تتضمن جدولًا زمنيًا للتفاوض، ولا التزامات إسرائيلية واضحة بوقف الاستيطان أو إنهاء الحصار، ولا حتى إشارة إلى حدود الدولة الفلسطينية ومصير القدس التي اعتبرها ترمب ونتنياهو عاصمة اسرائيل الأبدية في خطابه في الكنيست

إن ما يُراد تمريره هو استقرار أمني مؤقت يخدم إسرائيل ويمنح واشنطن فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.

أما الفلسطينيون، فيُطلب منهم الصمت مقابل وعود بالإعمار والمساعدات، في مشهد يُذكّر بمرحلة “السلام الاقتصادي” التي روج لها نتنياهو منذ سنوات وطرحها جون كيري وزير خارجية أمريكا السابق في 2014.

خاتمة: بين شرم الشيخ وفلسطين… مفترق طرق تاريخي

إن ما جرى في شرم الشيخ ليس اتفاق سلام، بل اتفاق إدارة صراع دون حلّه.

فغياب منظمة التحرير الفلسطينية عن مركز القرار، وتجاهل خطاب ترامب لحقوق الشعب الفلسطيني، وتوجه المؤتمر نحو إدماج إسرائيل في منظومة الأمن الإقليمي، كلها مؤشرات على تحول استراتيجي في مقاربة القضية الفلسطينية، من كونها قضية احتلال واستقلال، إلى كونها ملفًا أمنيًا ضمن ترتيبات الشرق الأوسط الجديد.

وفي مواجهة هذه التحولات، لا خيار أمام الفلسطينيين سوى تحقيق الوحدة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة الشراكة، لتبقى هي الإطار الجامع والدرع الحامي للهوية الوطنية الفلسطينية، والقادرة على التصدي لأي محاولة لتجاوزها أو تهميشها.

فمن دون وحدة الموقف، سيُعاد رسم خريطة المنطقة على حساب فلسطين، وسيُكرّس سلام بلا سيادة، وشرق أوسط بلا عدالة، وبلا فلسطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب