الافتتاحيهرئيسي

اتفاق غزة وإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني

اتفاق غزة وإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني

بين إنهاء الحرب واستحقاقات الوحدة الوطنية والشرعية الدستورية ومستقبل الدولة الفلسطينية

بقلم: رئيس التحرير 

يمثل الاتفاق المتعلق بقطاع غزة، بما يحمله من ترتيبات لوقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وإعادة الإعمار، ومعالجة الملفات الأمنية والإدارية، محطة سياسية مفصلية تتجاوز حدود القطاع لتلامس مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته.

فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإنهاء العمليات العسكرية أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة جوهرية حول مستقبل الشرعية الفلسطينية، وطبيعة الحكم، ودور السلطة الوطنية الفلسطينية، ومكانة منظمة التحرير، والعلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية باعتبارها وحدة جغرافية وسياسية واحدة وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

إن أي ترتيبات تخص قطاع غزة يجب ألا تؤدي إلى تكريس واقع الانقسام أو تحويل الفصل الإداري والسياسي إلى انفصال دائم، لأن وحدة الأرض والشعب والمؤسسات تمثل ركناً أساسياً في المشروع الوطني الفلسطيني، وأي مسار يتجاوز هذه الحقيقة قد يضعف فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا شك أن وقف الحرب وإنهاء معاناة المدنيين وإعادة إعمار غزة تمثل أولويات وطنية وإنسانية، إلا أن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول الأمنية أو الإدارية وحدها لا تستطيع إنهاء الصراع، ما لم ترتبط بمسار سياسي يعالج جذور القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الاحتلال، والاستيطان، وغياب الأفق السياسي.

ويبرز في هذا السياق ملف الحكومة الفلسطينية المقبلة، إذ إن نجاح المرحلة الانتقالية يتوقف على طبيعة الولاية التي ستُمنح لها. فحصر دورها في إدارة قطاع غزة فقط قد يكرس الانقسام، بينما يشكل تشكيل حكومة انتقالية ذات ولاية وطنية تشمل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية فرصة لإعادة توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام التي أضعفت النظام السياسي الفلسطيني.

كما تبقى مسألة الشرعية الدستورية محوراً أساسياً، إذ إن استمرار غياب الانتخابات وتعطل المجلس التشريعي خلق حالة استثنائية لا يمكن أن تتحول إلى قاعدة دائمة. فالشعب الفلسطيني هو مصدر الشرعية، وتجديد هذه الشرعية عبر انتخابات عامة شاملة يمثل المدخل لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز سيادة القانون والفصل بين السلطات.

إن الدرس المستفاد من التجارب الفلسطينية السابقة، منذ اتفاق أوسلو مروراً باتفاقات المصالحة المختلفة، هو أن المشكلة لم تكن في غياب التفاهمات، وإنما في ضعف آليات التنفيذ وغياب الضمانات الوطنية الكفيلة بتحويل الاتفاقات إلى واقع سياسي دائم.

ويبقى ملف إعادة إعمار غزة اختباراً حقيقياً لنجاح أي اتفاق، فالإعمار لا يعني إعادة بناء الحجر فقط، بل إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والخدمات العامة ضمن إطار فلسطيني موحد يتمتع بالشفافية والمساءلة، بعيداً عن أي ترتيبات قد تؤدي إلى تكريس الانقسام.

إن مستقبل القضية الفلسطينية لا يتحدد فقط بما سيجري في غزة، بل بما ستؤول إليه أوضاع الضفة الغربية والقدس الشرقية في ظل استمرار الاستيطان ومحاولات تغيير الواقع على الأرض. ولذلك فإن أي اتفاق لا يربط بين غزة والضفة والقدس سيبقى معالجة جزئية لا ترقى إلى مستوى التحديات الوطنية.

ختاماً، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية فلسطينية شاملة تعيد ترتيب البيت الداخلي، وتضع الوحدة الوطنية وتجديد الشرعية وسيادة القانون في مقدمة الأولويات. فإعادة إعمار غزة ضرورة عاجلة، لكن إعادة إعمار النظام السياسي الفلسطيني لا تقل أهمية، لأنها الطريق نحو حماية المشروع الوطني وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب