اتفاق مكة والإسلام السياسي.. من صراع الأيديولوجيا إلى تحالف المصالح الاستراتيجية

اتفاق مكة والإسلام السياسي.. من صراع الأيديولوجيا إلى تحالف المصالح الاستراتيجية
بقلم:رئيس التحرير
يشكل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تطورًا لافتًا في خريطة التحالفات الإقليمية، ليس فقط من زاوية التعاون الأمني والعسكري، وإنما لما يطرحه من أسئلة حول مستقبل النظام الإقليمي، وحدود تأثير الإسلام السياسي، وطبيعة التحولات في العلاقات بين دول كانت تفصل بينها في مراحل سابقة خلافات سياسية وأيديولوجية.
ويأتي الاتفاق في بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع التحولات الجيوسياسية، وتعيد فيها دول المنطقة تعريف أولوياتها وتحالفاتها. وإذا كان التعاون الدفاعي يمثل جوهر الاتفاق، فإن دلالته الأوسع تكمن في انتقال العلاقات بين أطرافه من مرحلة التباين إلى مستوى متقدم من التنسيق الاستراتيجي، انطلاقًا من قاعدة المصالح المشتركة ومواجهة المخاطر المتصاعدة.
ولفهم هذه التحولات، لا بد من التوقف أمام تجربة الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت خلال العقود الماضية أحد أبرز التيارات السياسية العابرة للحدود. غير أن مرحلة ما بعد عام 2011 كشفت صعوبة انتقال هذا التيار من العمل الدعوي والتنظيمي إلى إدارة الدولة، في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية ودولية أدت إلى تراجع نفوذه في دول، واستمرار تأثيره السياسي والاجتماعي في دول أخرى.
وفي هذا السياق برزت تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان بوصفها مركزًا مهمًا في المجال السياسي الإسلامي، وأقامت خلال مراحل سابقة علاقات وثيقة مع قوى وشخصيات محسوبة على الإسلام السياسي، الأمر الذي ساهم في توتر علاقاتها مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية ومصر والإمارات.
لكن السنوات الأخيرة أظهرت تحولًا واضحًا نحو الواقعية السياسية وإعادة ترتيب الأولويات. فقد اتجهت أنقرة إلى تحسين علاقاتها مع دول الخليج ومصر، بينما تبنت الرياض سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. ومن هنا تبدو المفارقة في اتفاق مكة: دول قد تختلف في المرجعيات والتوجهات السياسية، لكنها تستطيع أن تلتقي عندما تتقاطع مصالحها الاستراتيجية.
وهذا يقود إلى ضرورة التمييز بين أردوغان بوصفه رئيس دولة إقليمية مؤثرة، وبين وصفه بأنه «الزعيم العالمي للإخوان المسلمين»، وهو وصف لا يستند إلى قيادة تنظيمية عالمية موحدة للجماعة. الأدق أن تركيا في عهده أصبحت ذات نفوذ واسع في المجال السياسي الإسلامي، وأن أنقرة وظفت هذا النفوذ ضمن رؤية أوسع لتعزيز مكانة الدولة التركية ومصالحها الجيوسياسية.
وعليه، لا يمكن اعتبار اتفاق مكة «اتفاقًا إخوانيًا»، ولا توجد، في حدود المعطيات المتاحة، أدلة موضوعية تبرر اختزال الاتفاق في مشروع جماعة أو تيار سياسي. إنه اتفاق بين دول ذات سيادة، تحكمه اعتبارات الأمن القومي والردع والمصالح الاستراتيجية. لكن وجود تركيا يمنحه بعدًا سياسيًا يتجاوز البعد العسكري، ويكشف في الوقت ذاته عن تراجع قدرة الخلاف الأيديولوجي على تعطيل المصالح المشتركة.
لقد انتقلت المنطقة، بصورة تدريجية، من مرحلة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إلى مرحلة أكثر براغماتية، تتقدم فيها الدولة ومصالحها الوطنية على الاصطفافات الفكرية. وهذا لا يعني انتهاء الإسلام السياسي، وإنما إعادة تعريف أدوات تأثيره وانتقاله في بعض الحالات من السعي المباشر إلى السلطة إلى توسيع النفوذ السياسي والإعلامي والاجتماعي.
ويبقى الاختبار الحقيقي لأي تحالف إقليمي جديد هو القضية الفلسطينية. فالمطلوب ألا تتحول التحالفات الأمنية إلى ترتيبات نفوذ فقط، بل أن تسهم في حماية الأمن والاستقرار، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ورفض مشاريع التهجير وتصفية القضية، والدفع نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن أهمية اتفاق مكة لا تكمن فقط في بنوده الدفاعية، وإنما في كونه مؤشرًا على صيغة جديدة للتحالفات الإقليمية، قوامها الواقعية السياسية وتقاطع المصالح، مع استمرار الاختلافات الأيديولوجية. ويبقى السؤال: هل ينجح هذا التحالف في إنتاج توازن إقليمي أكثر استقلالية واستقرارًا، أم يتحول إلى محور جديد في صراعات المنطقة؟
الإجابة ستحددها قدرة أطرافه على تحويل القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى مشروع استقرار، وعلى رأس أولوياته حماية مصالح شعوب المنطقة، وفي مقدمتها حماية القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها.
