الأستاذ الجامعي اللبناني والوزير السابق ناصر ياسين: «شراء الوقت» و«الفيتوقراطية» سياسة قاتلة وتعاطي لبنان مع «سوريا الجديدة» غير جدّي

الأستاذ الجامعي اللبناني والوزير السابق ناصر ياسين: «شراء الوقت» و«الفيتوقراطية» سياسة قاتلة وتعاطي لبنان مع «سوريا الجديدة» غير جدّي
حاورته: رلى موفّق
يُقدِّر الأستاذ الجامعي وزير البيئة في حكومة نجيب ميقاتي السابقة د. ناصر ياسين ما تفعله الحكومة الحالية ورئيس الجمهورية بعدم الاكتفاء بالأقوال حول بسط الدولة سيادتها من خلال جيشها وقواها الأمنية على الأراضي اللبنانية كافة، إنما البدء بحوار ومناقشة جدولة هذه القضايا وطريقة تنفيذها. وهذا يعود إلى حصول متغيرات كثيرة في المنطقة، وخاصة في لبنان وسوريا، تركت تأثيراتها، ويجب الأخذ بكيفية تنفيذ وتطبيق ما يمكن أن يلي هذه المتغيرات.
ناصر ياسين الذي شغل منصب مدير معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت بالوكالة، وأستاذ السياسات والتخطيط في كليّة العلوم الصحّية في الجامعة، لا يتخوف من حرب أهلية، لكنه يعتبر أن ورقة فوضى الشَّارع وإقفال الطرقات خطيئة كبرى لأنها ستؤخر الإصلاحات والإعمار، وستكون «صفرية» النتائج، لافتا إلى أن الدخول في هذه الدوامة سيجعلنا أمام شركائنا العرب والدوليين غير جديرين بالدعم، ولا سيما أن الكل تعب من الملف اللبناني، ويطلب منا حلّ مشاكلنا بأنفسنا وأن نكون راشدين.
في الحوار مع ابن البقاع الغربي، تأخذ العلاقات اللبنانية السورية حيّزا واسعا. يقول إن الخوف من تدخل عسكري سوري في البقاع أمر مستبعد لأن الإدارة الجديدة في سوريا تهتم بشؤونها الداخلية وبإعادة بسط سلطتها على أراضيها، وبإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، وللمرة الأولى، هناك مسؤول سوري بحجم رئيس الجمهورية يقول إن سوريا لن تلعب دورا يقوم على توترات الدول في الإقليم حتّى تكسب موقعا في المنطقة. غير أن ياسين يرى أن العلاقة اللبنانية – السورية لا تزال محصورة بالمستوى الأمني ولا بدّ من نقلها إلى المستوى الوزاري، ملاحظا عدم تعاطي جدّي من قبل الحكم اللبناني مع «سوريا الجديدة» ربما بانتظار التأكد من نهائية هذا التغيير.
العطب اللبناني بالنسبة إلى ياسين، يكمن في انتهاج سياسة «شراء الوقت» التي باتت العقلية السائدة في السياسة، وهي مسألة قاتلة؛ فيما وجوب الأخذ برأي الجماعات، أي اعتماد «الفيتوقراطية، يجعلنا نذهب إلى القاسم المشترك الأدنى بحيث تخرج القرارات باهتة على الدوام. وهنا نص الحوار:
○ قرار مجلس الوزراء المتّخذ في جلسة 5 آب/اغسطس، والذي وصفه كثيرون بالقرار التاريخي، كيف نظرت إليه وقرأته في مقاربة مع الحكومات الماضية، حيث كانت معادلة «جيش وشعب ومقاومة» تفرض نفسها كشرط للتأليف، فيما حكومة اليوم تقر حصرية السلاح وسحبه في إطار جدول زمني سقفه نهاية العام الحالي؟
• هناك متغيرات كثيرة حدثت في المنطقة منذ أواخر العام الماضي ولغاية الآن، وعلينا النظر إلى كيفية تنفيذ تأثيراتها وما سينتج عنها بإعادة الاعتبار للبنود التي وُضعت على الرفّ في ما يتعلق بتنفيذ «اتفاق الطائف» لكل السنوات الماضية، مع العلم أنه لا توجد حكومة أو بيان وزاري إلا وذكر «اتفاق الطائف»، ودائما كان مجلس النواب يذكر «اتفاق الطائف»، حتّى «حزب الله» وأمينه العام يذكرانه. ولكن كان يوجد تأجيل أو عدم مقاربة لبعض بنوده. أريد أن أوضح أمرا، وهو أن الحكومة السابقة التي كنت وزيرا فيها لم تأتِ على ذكر «الثلاثية» في بيانها الوزاري كما يقول البعض، وهذا ليس حصرا على الحكومة الحالية، الفرق أن هناك متغيرات كثيرة حصلت في المنطقة، وخاصة في لبنان وسوريا، ويجب أن تؤخذ بكيفية تنفيذ وتطبيق ما يمكن أن يلي نتيجة هذه المتغيرات. لذلك علينا الرجوع إلى نص وروح «اتفاق الطائف»، وأهمية العودة إلى أن تبسط الدولة سيادتها من خلال جيشها وقواها الأمنية على الأراضي اللبنانية كافة، وهذا من المسلمات.
أكيد ما تفعله الحكومة ورئيس الجمهورية الحالي أمر جيد، بوضعهم جدولة لهذه القضايا وعدم الاكتفاء بالأقوال، حتى «حزب الله» كان يوافق دائما في المبدأ. الشيء الجديد والمهم جدا، وهذا أمر يُقدَّر للحكومة، هو أنهم بدأوا بمناقشة جدولة لهذه القضايا، والبدء بحوار حولها وحول طريقة تنفيذها.
○ حزب الله يرفض رسميا قرار سحب السلاح، انسحب «الثنائي الشيعي» من جلستي 5 و7 آب وهناك خشية من انسحابهم من الحكومة؟
• هذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها «الثنائي الشيعي» بالانسحاب من الحكومة، حدث هذا الأمر أيام حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
○ ولكن وقتها كان لدى «الحزب» فائض قوة، ولم يكن سلاحه على المحك، وعندما لم يستطع فرض قراره داخل الحكومة، حاصر السراي الكبير بالشارع. اليوم يشعر بالهزيمة…
• على الدولة أن تبسط سيادتها على الأراضي اللبنانية كافة، لأن الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار الدولة لا ينفع، وأقولها بصراحة تامة لكل مكونات البلد إنَّ هذا السلاح لم يحمِ أحدا. يجب أن نتحاور وننطلق إلى واقع جديد يأخذ بعين الاعتبار أن على لبنان أن يكون بلدا مستقلا ذات سيادة على أراضيه كافة. والأسس والمسلمات التي أنجزناها هي أنه يجب أن ننطلق من قناعة أن العلاقة مع الدول العربية، بدءا بسوريا ووصولا إلى كل الدول العربية، هي الأساس، ولا يجب أن نخرج دائما عن هذا التوجّه العربي، مع احترام خصوصيات هذه الدول. والتوجّه العام يجب ألا يكون جزءا من مؤامرات على الدول العربية، أو المشاركة في تغيير أنظمتها. هذا أمر يجب أن نتفق عليه، وأن نفتح حوارا حول هذه القضايا لتطمين المكوِّن الشيعي، الذي هو مكوِّن أساسي في البلد، بأن هذا الأمر لا يعني التأثير على التوازنات المتوفرة من خلال العملية الديمقراطية التوافقية في البلد ضمن الأطر المؤسساتية التي وضع بنودها الأساسية اتفاق الطائف. تبقى الممارسة التي كانت دائما تقفز فوق النص وفوق روحية اتفاق الطائف في كثير من الأوقات. ما أقصده أنه لا يجب أن تحدث عملية انتقام، بمعنى أنكم كنتم تسيطرون على البلد ومدعومين من قوى إقليمية، ولكن بعد سقوط النظام السوري وما حدث في إيران وإضعافها، سوف نعيدكم إلى ما كنتم عليه. بل علينا أن نقول لهم: تعالوا يا جماعة هناك مؤسسات ودستور يحفظ تمثيل المكونات في لبنان، ويحفظ تنمية كل المناطق، ويصر على إعادة الإعمار في الجنوب والقرى المدمرة. أنا أتحدث عن السردية التي يجب البناء عليها. الحكومة تقوم الآن بوضع جدول زمني حقيقي لتكون كل الأراضي تحت سلطة الدولة اللبنانية فقط، لأن من غير المنطقي والمألوف أن يكون هناك سلاح غير رسمي. لكن علينا أن نقول لهم: يا جماعة لن تعودوا مستضعفين كما يوحي البعض، فالبلد يعيش على هذه التوازنات الدقيقة.
○ هل تتخوَّف من فوضى داخلية بعد عدم رضا الثنائي الشيعي عن القرارات الحكومية الأخيرة؟
• في العمل السياسي استخدام ورقة الشَّارع وإقفال الطرقات يجب أن تجني منه الفوائد، ولو نظريا، لكن برأيي النتيجة ستكون صفرية في الوقت الحاضر. فتحركات الشَّارع لن تغيِّر الواقع الموجود لأنها لا تحوز دعم معظم الشعب اللبناني ولا الدعم الإقليمي، وستكون خاسرة للجميع. علينا أن نتفاداها ونذهب إلى حوار، سواء في مجلس الوزراء عبر رئيس الجمهورية لأنه يلعب دور الحكم، أو عبر كثير من المؤسسات، ومنها مجلس النواب. أنا لا أتخوف من حرب أهلية لأن أكثرية المجتمع في لبنان منهكة أو تبني مؤسساتها، فمن الذي سيقول إنني أريد الحرب؟ قد تتعطل بعض المؤسسات مثل مجلس الوزراء فتتوقف اجتماعاته ولا يعود مجلس النواب للالتئام وهذا معناه فرملة انطلاقة العهد التي بدأت بإظهار بعض النتائج الإيجابية.
○ يكون لبنان بذلك يضيع الفرصة، وما أمامه من دعم ورعاية عربية ودولية؟
• إذا دخلنا في هذه الدوامة سينظر إلينا شركاؤنا العرب والدوليون بأننا غير جديرين بالدعم، لأننا دائما ندخل الدوامات السلبية التي توصل إلى الخراب ومن ثمَّ نطلب منهم المساعدة.
الكل تعب من الملف اللبناني، ويطلبون منا حل مشاكلنا بأنفسنا وأن نكون راشدين. لهذا أنا لست متخوفا، ولكن ستكون خطيئة كبيرة إذا أخذنا الموضوع إلى الفوضى في الشَّارع، لأنها ستؤخر الإصلاحات والإعمار.
○ كلام كثير يُثار ومخاوف من إمكانية توغل سوري أو إسرائيلي في البقاع مما يحوّله إلى منطقة صراع، فهل تساوركم هذه الشكوك خاصة وأنك ابن هذه المنطقة؟
• الخوف من تدخل عسكري سوري في البقاع أمر مستبعد لأن الإدارة الجديدة في سوريا تهتم بشؤونها الداخلية وبإعادة بسط سلطتها على أراضيها، فضلا عن اهتمامها بإعادة الإعمار وبالنهوض الاقتصادي، ومشوارها طويل معه. ولأول مرة مسؤول سوري بحجم رئيس الجمهورية يقول إن سوريا لن تلعب دورا يقوم على توترات الدول في الإقليم حتّى تكسب موقعا في المنطقة، إنما قال إنه سيركّز على إعادة بناء الاقتصاد. هذا الموضوع لم نعتده من قبل. السفارة السورية في لبنان والسفارة اللبنانية في سوريا تمَّ افتتاحهما بعد اغتيال الرئيس الحريري. هناك تغيير كبير بالموقف وبسردية التعاطي بين لبنان وسوريا. أما بالنسبة للمناوشات الحدودية فهناك قضايا كثيرة عالقة بين لبنان وسوريا، نحن نتكلم تاريخيا، منها ما هو حديث العهد مثل تدخل «حزب الله» في سوريا، ولدى السوريين موقف متشدد بشأن هذا الموضوع لأنه ساهم بالمقتلة السورية.
يجب أن تكون هناك مصارحة حول الأخطاء التي حصلت من جهتنا، وعليهم أن يعترفوا بأن سوريا تدخلت باحتلال مناطق لبنانية واغتيالات وبزعزعة الوضع اللبناني. هذه واحدة من النقاط التي تحتاج إلى مصارحة لأنها ما زالت شائكة في اللاوعي اللبناني والسوري. أيضا هناك ملفات أقل صعوبة ويجب أن تُناقش ومنها ما يتعلق بالمعتقلين السوريين في السجون اللبنانية. هؤلاء اعتقلوا منذ 10 سنوات أو أكثر، والسوريون يطالبون باختصار السنة السجنية وتسليمهم للسلطات السورية حتّى يكملوا محكوميتهم في بلدهم. أيضا هناك مفقودون لبنانيون في سوريا منذ أيام النظام السوري السابق، ولم يتم التعاطي الرسمي مع قضيتهم لغاية الآن في إطار هيئة المفقودين في سوريا. في البداية أفرجوا عن عدد قليل من السجناء، وعلى الأرجح هم سجناء جنائيون وليسوا سجناء سياسيين، ولكن لم نعرف شيئا عن بقية المختفين اللبنانيين في سوريا. فضلا عن قضية اللاجئين السوريين في لبنان، هناك عودة أكيدة بدأت معالمها بالظهور. يجب أن يكون هناك تعاون بين البلدين حول كيفية التعاطي مع هذه القضايا. هذه أمثلة حتّى تذهب الأمور بالاتجاهات الإيجابية وليس بالاتجاه التخويفي، أي التهويل بأن هناك جماعات سورية ستهجم على البقاع، فمشاكلهم تكفيهم، وهي كثيرة، وتُغنيهم عن القول بأنهم سيهجمون على البقاع أو طرابلس أو عكار.
○ لماذا لم يتمّ تفعيل هذا النقاش، أو المصارحة كما تسميها، على الرغم من أن الرئيس نجيب ميقاتي في الحكومة السابقة والرئيس نواف سلام والمفتي عبداللطيف دريان فضلا عن قوى سياسية أخرى قاموا بزيارة العاصمة السورية، لكن لم نرَ أي من المسؤولين السوريين يبادلنا الزيارة فيما هم في حركة دائمة بين مختلف العواصم؟
• لأن لبنان لم يتعاطَ بشكل جدّي مع سوريا الجديدة. ما زال يتعاطى معها من خلال الملفات الأمنية والتنسيق الأمني، وهذا أمر حاصل وجيد، ولكن برأيي لا نُظهر جدية بمقاربة باقي القضايا، ومنها الترسيم البري، وحماية الحدود، ومنع التهريب، والترسيم البحري، وهذا أمر تدخل فيه قبرص، وكذلك التعاون الاقتصادي وكل ما يتعلق بالأموال السورية في المصارف اللبنانية وتمرير البضائع اللبنانية عبر سوريا.
○ تردُّد لبنان الرسمي، خاصة على مستوى رئاسة الجمهورية، هل يمكننا اعتباره مراعاة لحزب الله؟
• أظن أن هناك مراعاة ونوعا من الانتظار بغية معرفة كيف ستستقر الأمور في سوريا، فربما لم تنتهِ الأمور بعد. هذه النظرة موجودة، ولكني أقول إن الحوارات غير الرسمية تشي بأن هذه الأمور لم توضع حتّى الآن على الطاولة ولم تتم مناقشتها بشكل جدي، كما أن التمثيل في اللقاءات كان دون المستوى، باستثناء زيارة رئيس الحكومة الحالية وقبله الرئيس ميقاتي. على حد علمي وزير الخارجية لم يذهب إلى سوريا، والوزراء السوريون لم يأتوا إلى لبنان إلا بالحد الأدنى للمشاركة ببعض اللقاءات في الإسكوا، على الرغم من أن لبنان وسوريا هما أكثر بلدين بحاجة لأن تكون علاقاتهما مميزة. أنا لا أطلب، ولا نحن نريد، ولا هم يريدون العودة إلى الوضع السابق، ولكن هذه قضايا موجودة يجب أن تُناقش بجو إيجابي باتجاه إعادة بناء الثقة والتعاون. إذا دخلنا الأراضي السورية نلاحظ التنظيم في الجانب السوري من الحدود. هناك 12 ألف مسافر يوميا بين لبنان وسوريا وهذا بمنزلة المطار. أما إذا نظرنا إلى الجانب اللبناني فسنرى الفوضى والمعاملة غير اللائقة لبعض الواصلين من سوريا. كلامي هذا قد يُزعج البعض. نحن نشدُّ على أيدي وزير الأشغال وهو يرتّب المطار، ولكن هذا أيضا مرفق أساسي، يوازي بأهميته المطار.
○ تقصد الترتيبات الحالية في زمن السلطة السورية الجديدة؟
• نعم، كل شيء منظّم، وإنجاز المعاملات يتم بشكل سلس ومن دون رشى مالية، مع حضور أمني على الطرقات، ولكن عندما نصل إلى الحدود اللبنانية نشاهد الفوضى والمعاملة غير اللائقة. الواضح أن لا أولوية تعطى لهذا المرفق. هذا مؤشر بسيط على كيفية التعاطي، وقس على ذلك القضايا التالية، ولغاية الآن لم تؤلّف لجنة مشتركة بين البلدين غير اللجان الأمنية التي تنسِّق قضايا الحدود وموضوع الموقوفين، ولكن القضايا التي ذكرتها يجب معالجتها على مستوى وزاري، فيُكلّف وزير بهذا الملف قد يكون وزير الخارجية أو وزير الداخلية، على أن يجتمع وزير الخارجية اللبناني مع نظيره السوري، وأمين عام وزارة الخارجية اللبنانية يجتمع مع نظيره السوري.
○ هذا «التردّد» موجود رغم الرعاية السعودية للعلاقة اللبنانية – السورية؟
• المملكة العربية السعودية مشكورة لأنها أنجزت هذا التنسيق على المستويين الأمني والعسكري، وإلا لكان الإشكال واردا. لكن لا يجب أن يكون التنسيق على المستوى الأمني فقط بل على المستويات كافة، مع أهمية التشديد على سيادة البلدين.
○ الورقة المقدمة من المبعوث الأمريكي توم برَّاك تتناول مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، هل تهدف لنزع فتيل الأزمات مستقبلا؟
• إذا لم نقل بترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية فيجب العمل على إظهارها على الأقل. هناك مشكلة أيضا بالترسيم البحري لأن قبرص وتركيا معنيتان به. إذن هذا الأمر بحاجة إلى حوار إقليمي، كون تحديد النقاط البحرية يتعلق بجانب منه بقبرص التركية مما يعطي تركيا دورا فيه. رئيس الجمهورية مشكور لأنه أطلق فريقا للتفاوض مع قبرص على المنطقة الاقتصادية، وعليه أن يتعامل بنفس الطريقة مع الجانب السوري، إضافة إلى مزارع شبعا وكيفية إظهار حدودها لأنها مرتبطة بترتيبات سوريا مع إسرائيل. هذه القضايا قد تأخذ سنوات مما يفوق عمر هذه الحكومة وربما حكومات أخرى، ولكن يجب أن تكون لها مأسسة ونقاش حولها وروحية احترام العلاقة الرسمية بين الدولتين عبر وزير الخارجية أو وزير مكلف بالملف السوري، بحيث يتناقش أو يجري مفاوضات مع نظيره السوري المكلف، وهذا لم أره حتّى الآن وليس لدي علم بأنه يحدث.
○ نلحظ جمودا وكأنه مقصود في هذا الملف، فيما ترميم العلاقات مصلحة مشتركة للبلدين، لا بل إن المصلحة اللبنانية أكبر، كون سوريا هي البوابة البرية للاقتصاد اللبناني، ولا يمكن النهوض به إلا بتعزيز التعاون المشترك معها؟
• للنهوض بالبلاد، نحن بحاجة إلى التكامل الاقتصادي مع سوريا. قد يُعيدنا هذا الكلام في أذهان البعض إلى أدبيات البعث، إنما ما أقصده هو التكامل الاقتصادي القائم على احترام سيادة البلدين. فنحن لدينا ما نقدمه في مجال التكنولوجيا والهندسة والإعلام والمستشفيات… وسوريا الآن في مرحلة إعادة الإعمار، وفاتورة إعمارها ستفوق الـ200 مليار دولار بكثير، لكن أين لبنان من هذا الموضوع؟ ولماذا لا يُنجز هذا الحوار ونحن نبحث عن فرص في كل مكان للشركات اللبنانية حتّى تعمل. والعكس صحيح، نحن نحتاج إلى اليد العاملة السورية وإلى الحرفيين السوريين، ولاحقا قد نحتاج المواد الأولية السورية حتّى نصنّعها عندنا، لذا يجب أن يكون هناك تعاون كبير بين البلدين في إطار دائم وهو احترام سيادة الطرفين، وليس على طريقة «التشبيح» أيام النظام السابق. فبوابة لبنان على العراق والأردن والسعودية هي سوريا، والمسافة التي تفصلنا عن الحدود السعودية قصيرة نسبيا، لذا يجب التنسيق مع سوريا بغية تأمين تصدير منتوجاتنا الزراعية والصناعية والمفروض ألاّ يتعدى التعاون بين البلدين الجهات الرسمية، إنما ما زلت أشعر وكأن هناك تهيّبا حياله.
○ على الرغم من الزخم الذي رافق حكومة الرئيس سلام، ما زلنا نشعر بأن البلد «مكربج». لا إصلاحات إلأّ بشق الَنفَس ولا استثمارات وهذا أيضا كان ينطبق على حكومة ميقاتي التي كنت وزيرا فيها، فهل لك أن تعطينا تشخصيا لهذا المرض الذي نعيشه؟
• هناك شق داخلي، وليس الأمر كله مرتبط بالملفات الخارجية، وبموضوع سلاح «حزب الله» والعودة إلى الدولة، والعبور إليها وإلى مؤسساتها مع أهميته. إذا شخّصنا المرض، هناك أولا، في السياسة شبه تسليم في لبنان بأن علينا أن ننتظر الفرص التي قد تأتينا من الخارج حتّى نعود لنبني عليها. أي هناك دائما عملية شراء وقت، فتمر سنوات وعهود ونبقى في مكاننا. وثانيا، لا تستطيع المخرجات الموجودة في الوزارات والإدارات وحتى اللجان النيابية الإكمال بهذه الطريقة، لأنها لا تواكب العصر الجديد، لا السياسي ولا الاقتصادي ولا التقني. هناك ترهل بطريقة إدارة الملفات، ما زلنا نبحث بأمور الكهرباء فيما الدول سبقتنا بعشرات السنين بهذا المجال، ما زلنا نتكلم بأدبيات التسعينيات. الموضوع ليس تقنيا فقط، وحتى التقني أصبح ضعيفا ومترهلا. في السياسة، هناك دائما عملية شراء للوقت. حتى في بيان «حزب الله»، هناك حديث عن أن تصبر الحكومة قليلا. ولكن ما الذي سيتغيّر بعد ستة أشهر؟
سأعطيك مثالا حيا من تجربتي في الحكومة حول كيف أصبحت سياسة شراء الوقت جزءا من العقلية السياسية الموجودة. في إحدى جلسات مجلس الوزراء حاولنا رفع تعرفة الكهرباء بشكل زهيد في محاولة لتأمين بعض الاحتياجات قبل أن ينهار قطاع الكهرباء بالكامل، فتكلمت مع زملائي الوزراء بهذا الأمر، فقال لي أحدهم وهو من وزراء «الثنائي الشيعي» بأن هذا الأمر صعب الآن بالرغم من أنني قلت له بأن الرفع سيكون تدريجيا، فقال: لا دعنا نؤجلها ولا نقوم بشيء في الوقت الحاضر، كان سؤالي: ما الذي سيتغير بعد شهرين أو 6 أشهر أو سنة؟ هذه العقلية أصحبت موجودة في العمل السياسي. هذه العملية كانت دائما موجودة خاصة منذ 2006 و2007، نشتري الوقت وننتظر ماذا سيحدث علّه تطلع «ديناميات» جديدة، وهذا خطأ كبير في السياسة، كان يحصل وأشعر أنه يحصل الآن. فساعة ننتظر الانتخابات النيابية أو نتائج الحوار الأمريكي ـ الإيراني أو ماذا سيستقر عليه الوضع في سوريا، والوقت يمر. مرت سبعة أشهر من عمر الحكومة وبعدها نصل إلى نهاية العام فيقولون إن هناك انتخابات نيابية ولا نستطيع فعل أي شيء. في الموضوع المالي، ما زلنا في المكان نفسه منذ 5 سنوات أو أكثر رغم أن الحل يمكن إنجازه خلال 6 أشهر. قام مجلس النواب مؤخرا ببعض الإصلاحات بعد انتخاب رئيس للجمهورية لكن القانون الأساسي الذي هو الفجوة المالية لا أحد يأخذه على محمل الجد لأن هناك قرارات غير شعبية ستصدر. «أيسلندا» حلّت مشكلتها المالية في ستة أشهر، وعندنا بعد خمس سنوات لا تزال غير محلولة. هذه مسألة قاتلة للبلد. وعلينا دائما الأخذ برأي الجماعات، أي اعتماد «الفيتوقراطية»، بشكل يجعلنا نذهب إلى القاسم المشترك الأدنى بين تلك الجماعات، بحيث تخرج القرارات باهتة. أنا مع الحوار في القضايا الأساسية، التي كان المُشرّع واضحا في الطائف بأنها تُتخذ بأكثرية الثلثين في مجلس الوزراء، أجل حفظ حق الجماعات في الرأي ولكن في النهاية هناك آليه لاتخاذ القرار والاستمرار بالعمل.
كلفة الانتظار في لبنان لكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تفوق أكثر بكثير كلفة التعاطي معها الآن بجرأة، ولو كانت هناك كلفة مباشرة في البداية لكانت قد حلت. موضوع السلاح والطائف مر عليه عهود ورؤساء واغتيالات وضحايا وحروب وما زلنا في مكاننا. الأمور كلها تُؤجل. روحية العمل السياسي كانت دائما «تكربجنا» وتخرج النتيجة باهتة.
○ هل تعتقد بأننا سنشهد انتخابات نيابية في ربيع 2026؟
• نعم أعتقد بأننا سنشهد الانتخابات النيابية في موعدها، وذلك لعدة أسباب منها أن الانتخابات البلدية كانت ناجحة، ثمَّ أنه ليس في أجندة رئيس الجمهورية تأجيل الانتخابات النيابية لأنه حريص على تطبيق كل الأنظمة وهذا أمر واضح. والأحزاب بمعظمها، وخاصة الممثلة بالحكومة من كل الجهات والتيارات، تريد الانتخابات حتّى تحمي واقعها الحالي ولتحسِّن من تمثيلها. كما أن البعض يريد القول إنه يمثل كل جماعته ويريد إظهار قدرته التمثيلية، والبعض الآخر يريد تحسين تمثيله وأخذ مقاعد إضافية. لكن هناك بعض الأحزاب ضائعة وتريد التأجيل ولكن لا مقدرة لها على ذلك.
القدس العربي




