الأمم المتحدة في غرفة الإنعاش: من حارس للسلام إلى شاهد عاجز على مأساة غزة؟..

الأمم المتحدة في غرفة الإنعاش: من حارس للسلام إلى
شاهد عاجز على مأساة غزة؟..
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
لم تعد أزمة الأمم المتحدة تقتصر على عجزها عن حل بعض
النزاعات، بل أصبحت تمس جوهر الدور الذي أنشئت من أجله:
حفظ السلم والأمن الدوليين وحماية المدنيين وتطبيق القانون
الدولي.
وتبدو غزة المثال الأكثر وضوحاً على هذا العجز. فبينما يُفترض
أن تكون الأمم المتحدة الإطار الدولي الجامع لإنهاء الحروب
وحماية المدنيين، انتقل مركز الثقل في إدارة الأزمة إلى الولايات
المتحدة، التي تقود المسار السياسي وتطرح الخطط والترتيبات
المتعلقة بمستقبل القطاع، وصولاً إلى «مجلس السلام»..
وهكذا لم تعد المشكلة مرتبطة بالفيتو الأمريكي وحده، بل بما هو
أعمق: احتكار قوة كبرى لمسار التسوية، وتراجع المنظمة
الدولية إلى موقع المراقب والمُوثِّق، بينما تُصنع القرارات
الحاسمة خارج أروقتها..
نزع السلاح… ولكن بأي ترتيب؟.
يتركز الخطاب الأمريكي والإسرائيلي حالياً على نزع سلاح
حماس باعتباره مفتاحاً أساسياً لاستكمال مسار التسوية. لكن
اتفاق شرم الشيخ لم يجعل نزع السلاح شرطاً سابقاً لتنفيذ
المرحلة الأولى، بل ركز على وقف الحرب، وإطلاق الأسرى
والمعتقلين، وإدخال المساعدات، وتنفيذ ترتيبات انتقالية، فيما
تُركت الملفات الأكثر تعقيداً، ومنها نزع السلاح والانسحاب
الكامل، لمراحل لاحقة..
ومن هنا تبرز مسألة جوهرية: هل يجري تنفيذ الاتفاق وفق
تسلسله والتزاماته المتبادلة، أم يعاد ترتيب أولوياته بحيث يصبح
نزع سلاح حماس هو الشرط الأول؟..
فحماس قدمت تنازلات كبيرة بشأن إدارة القطاع، وأبدت استعداداً
لنقل الإدارة إلى جهة فلسطينية تكنوقراطية، بينما يفترض أن
تقابل هذه الخطوات بالتزامات أخرى تتعلق بوقف الحرب
والانسحاب وإدخال المساعدات وإعادة الإعمار..
أما أن يتحول نزع السلاح إلى القضية المركزية، بينما لا يزال
المدنيون الفلسطينيون يُقتلون ويُجرحون، فإن ذلك يثير سؤالاً
حول توازن الالتزامات بين الأطراف..
غزة تنتظر… والعالم يتفاوض.
غزة لا تستطيع الانتظار. فالقطاع المُدمَّر يحتاج إلى الغذاء
والدواء والماء والمأوى وإعادة بناء المستشفيات والمدارس
والمساكن والبنية التحتية. وفي الوقت نفسه، تؤكد التقارير
الأممية استمرار سقوط قتلى وجرحى واستمرار المخاطر التي
تواجه المدنيين..
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الأمم المتحدة موجودة، ووكالاتها
تقدم المساعدات وتُوَثِّق ما يجري، لكنها لا تملك القدرة السياسية
الكافية لفرض وقف دائم لإطلاق النار أو ضمان تنفيذ الاتفاق..
لقد أصبحت المنظمة الدولية، في كثير من الأحيان، شاهداً يوثق
المأساة أكثر مما هي قوة قادرة على وقفها..
أزمة تتجاوز الفيتو.
لقد كشفت غزة أن أزمة الأمم المتحدة أعمق من حق النقض.
فالمشكلة تكمن أيضاً في أن موازين القوى تسمح لدولة كبرى
بأن تصبح الوسيط وصاحبة المبادرة والجهة الأكثر تأثيراً في
تحديد شروط التسوية، بينما تتراجع الأمم المتحدة إلى الخلف..
ولا يعني ذلك أن المنظمة فقدت كل أدوارها؛ فما زالت وكالاتها
تؤدي دوراً إنسانياً مهماً، وما زالت المنظمة الإطار الدولي
الأوسع للحوار. لكن الفجوة بين شرعيتها وقدرتها على التنفيذ
أصبحت أكثر وضوحاً..
إن إنقاذ الأمم المتحدة لا يكون بإلغاء دورها، بل بإعادة الاعتبار
إلى وظيفتها الأساسية: حماية المدنيين، ومنع الحروب، وضمان
تطبيق القانون الدولي بصورة لا تخضع لموازين القوة وحدها..
أما غزة، فقد أصبحت الاختبار الأصعب.
فإذا عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين، وعن ضمان تنفيذ
اتفاق وقف إطلاق النار، وعن فتح الطريق أمام المساعدات
وإعادة الإعمار، ثم انحصر النقاش في نزع سلاح حركة حماس،
فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا فشلت الأمم المتحدة في غزة؟.
بل أصبح السؤال الأعمق:
هل ما زالت الأمم المتحدة مركزاً لصناعة السلام، أم تحولت إلى
شاهد على عالم تُصنع قرارات الحرب والسلام فيه خارج
قاعاتها؟



