تحقيقات وتقارير

الإسرائيليون ينفعلون لاعتداء على “كلبة” ولا يكترثون بقتل الفلسطينيين بالجملة

الإسرائيليون ينفعلون لاعتداء على “كلبة” ولا يكترثون بقتل الفلسطينيين بالجملة

وديع عواودة

الناصرة- : يشكو مراقبون إسرائيليون كثر من تجاهل الأضرار الحقيقية المترتبة على تجاهل الدولة الإسرائيلية لجرائم الجنود والمستوطنين بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية ودعمها لهم، بيد أن أغلبيتهم الساحقة ينطلقون من معايير المصلحة لا الأخلاق والإنسانية.

ومن هؤلاء، الكاتب الصحافي بن درور يميني، الذي يتطرق في مقاله المنشور بصحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم إلى “الإرهاب اليهودي” “الذي يصب الزيت على نار الكراهية ضدنا في العالم”. وبن يميني، الذي يكيل جرائم الاحتلال بميزان الربح والخسارة ويتحدث بلغة المصالح، يحذر من أن الاستمرار على هذا المنوال يعني أن كل العالم سيقاطع إسرائيل، عدا ماكرونيزيا.

وكان قد سبقه في ذلك، المحلل السياسي وزميله في الصحيفة ذاتها ناحوم بارنياع، الذي تطرق للسقوط الأخلاقي المتمثل بقتل وسلب ونهب الفلسطينيين في الضفة الغربية، متهما الحكومة بالدعم المباشر وغير المباشر لهذه الجرائم، مثلما ينتقد المعارضة بقوله إنها تسكت على هذه الانتهاكات لحسابات انتخابية.

لكن هذه الأصوات قليلة، بل نادرة، في إسرائيل التي شهدت في المقابل طيلة الأيام الأخيرة، ضجة واسعة بسبب قيام مستوطن بضرب كلبة في قرية فلسطينية، كما بدا في مقطع فيديو وثق الاعتداء، لتبقى آلاف الاعتداءات طي الكتمان لعدم وجود توثيق، والأهم بسبب بلادة الإحساس وازدواجية المعايير.

وتحمل ناشطة أهلية ومعلقة صحافية فلسطينية من مدينة باقة الغربية داخل أراضي 48، هي حنين مجادلة، بشدة على هذه الازدواجية وتصف بسخرية مُرة شفقة الإسرائيليين على الكلب مقابل تجاهلهم أوجاع البشر. وفي مقال نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية، تشير مجادلة إلى قيام مستوطن بضرب الكلبة “لوسي” في بلدة عطارة قضاء رام الله قبل أيام، فتقول إن “لوسي” كشفت حدود الضمير الإسرائيلي.

 

وتشير مجادلة إلى تعامل الإسرائيليين مع الفلسطينيين كأرقام، منوهة أن شيطنتهم بدأت منذ سنوات كثيرة، منذ بدء الاحتلال. وتخلص للقول: “يستطيع الإسرائيليون أن يحبوا الكلاب والانفعال والغضب من التنكيل بها، وفي ذات الوقت لا يتأثرون بقتل فلسطينيين بالجملة، شيوخ ماتوا بالبرد، آلاف الأولاد قتلوا في غزة وهم أيضا لا حول لهم ولا قوة مثلهم مثل “لوسي” المسكينة. بسبب الاحتلال لا توجد حدود للدولة، لكن الضمير الإسرائيلي حدوده واضحة”.

وفي سياق الحديث عن الكلاب والناس، يذكر هذا النفاق الإسرائيلي بقول الكاتب الأمريكي مارك توين: “كلما عرفت البشر أكثر، ازداد حبي لكلبي”.

العنف عدوى

رغم الانتقادات والتحذيرات، تمضي حكومة الاحتلال في تجاهل، بل دعم، الإرهاب اليهودي داخل الضفة الغربية يوميا، والهدف تهجير تدريجي للأرياف الفلسطينية في المرحلة الأولى، غير مكترثة بنتائج سلبية محتملة على إسرائيل، وليس فقط في العالم، بل داخليا أيضا على شكل تفاقم استشراء عدوى العنف بين الإسرائيليين أنفسهم بسبب الاحتلال والعنصرية والعدوانية.

وعلى هذه الخلفية، عقدت لجان برلمانية في الكنيست الإسرائيلي مؤخرا عددا من الجلسات بعد عدد من حوادث العنف التي وصلت إلى حد القتل، كان ضالعا فيها فتيان وشبان إسرائيليون يهود، بعضهم قاصرون. وكالعادة، تعلو الأصوات المستنكرة والغاضبة حين تقع حوادث قتل ضحاياها ومقترفوها من اليهود، بينما يسود صمت شبه مطبق في الإعلام والرأي العام والدوائر السياسية حين يكون الأمر متعلقا بالعرب.

ويتوقف عند ذلك تقرير صادر عن المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية “مدار”، الذي يقول في هذا المضمار إنه حين عرضت بيانات جديدة جمعها مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست وتشير إلى ارتفاع حاد خلال العام الماضي (2025/2024) في عدد القضايا الجنائية التي فتحتها الشرطة ضد المراهقين (حتى سن 18 عاما)، بعد سنوات من الانخفاض المستمر، لم تذكر الحرب المتواصلة كسبب لهذا التدهور خلال الجلسات البرلمانية.

هذا رغم وضوح الأرقام: عام (2025/2024)، فتحت قضايا جنائية ضد أكثر من 6200 مشبوه من المراهقين، في مقابل 5400 في العام الذي سبقه. وحوالي 20% من المخالفات في قضايا العام الماضي كانت مخالفات عنف جسدي.

عنف الشباب أزمة تتطلب خطة حكومية شاملة

داخل الكنيست، عقدت لجنة التربية والثقافة والرياضة واللجنة الخاصة لحقوق الطفل جلسة مشتركة حول موضوع العنف الشديد بين الشباب الإسرائيليين، واعتبرتا عنف الشباب “أزمة وطنية تتطلب خطة حكومية شاملة”. ودعت رئيسة اللجنة الخاصة لحقوق الطفل إلى فرض عقوبات أشد على المراهقين الذين يرتكبون جرائم قتل.

ورأى المدير العام لوزارة التربية والتعليم أن “هذا الأمر يستدعي منا جميعا التوقف والتفكير مليا في كيفية تغيير النهج المتبع حتى الآن، لأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. لدينا مقترح لخطة استراتيجية طويلة الأجل للوقاية من العنف، وقد وافق عليها الوزير بالفعل، وستتطلب قرارا حكوميا بميزانية معززة. ولم نجتمع بعد مع وزارة المالية لمناقشة هذا الأمر”.

وفي نهاية الجلسة، أكدت اللجنتان أن العنف بين الأطفال والشباب في إسرائيل يمثل أزمة وطنية تتطلب تضافر جهود جميع الجهات المعنية، ووضع خطة وطنية شاملة، مدعومة بقرار حكومي، ومرفقة بميزانيات ووظائف.

وينوه تقرير مركز “مدار” إلى أن اللجنتين في الكنيست لم تتطرقا أبدا، وفقا لبيانات تلخيص الجلسة، إلى تأثير المناخ السياسي العنيف والحروب المتواصلة على الشباب.

نزع شرعية مؤسسات الدولة

كما عقدت لجنة حقوق الطفل في الكنيست جلسة طارئة حول العنف الخطير بين المراهقين “بهدف دراسة الإجراءات والتدابير المتخذة من قبل الجهات الحكومية من أجل مواجهة هذه الظاهرة”.

وفي الجلسة، قالت نائبة المدير العام في وزارة التربية والتعليم إن “الوضع الراهن للعنف بمثابة جرس إنذار لنا جميعا، وليس فقط لجهاز التربية والتعليم”، معتبرة أن المسؤولية مشتركة وتقع على عاتق جهات عديدة.

وتابعت: “تعد المدرسة عاملا محوريا ومهما، لكنها لا تعمل بمعزل عن الواقع. يترعرع أطفالنا في بيوتهم، وفي ثقافتهم، وفي مجتمعهم، وفي واقعنا المعاصر، فضلا عن الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تؤثر تأثيرا بالغا في تشكيل سلوكهم وخطابهم وحدودهم. هناك دور بالغ الأهمية للأهل في غرس قيم أبنائهم وعاداتهم وسلوكهم، لا يقل أهمية عن دور المدرسة. لذا، فإن التعاون الأمثل بين جميع الأطراف: جهاز التربية والتعليم، والأهل، والمجتمع، والحيز العام، هو وحده الكفيل بإحداث استجابة حقيقية وفعالة ومستدامة”.

وطبقا لـ”مدار”، تكشف القراءة التي تقدمها جهات المعالجة الاجتماعية والنفسية طبقة أعمق من الحديث عن خطط وإجراءات يعلن عنها فقط حين تقع جرائم. وهي تكشف مجددا عن تراجع تحمل مؤسسات السلطة مسؤوليتها في مجالات الرعاية والحماية الاجتماعية، كجزء من الانحسار المتواصل في الخدمات والحقوق الاجتماعية، وهو هدف معلن في سياسات قوى وأحزاب اليمين.

وأشار منتدى منظمات علم النفس العام إلى أنه رغم الزيادة المقلقة في نطاق وشدة العنف بين المراهقين في إسرائيل، فإن سياسة التعامل مع هذه الحوادث تركز بشكل أساس على تطبيق القانون بعد وقوع الحادث، بينما يغيب التدخل الوقائي. ويعيق النقص الحاد في عدد المختصين النفسيين في القطاع العام وفترات الانتظار الطويلة الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية وعلاجها. ونتيجة لذلك، كما ذكر، يصل العديد من الشباب إلى حالات حرجة من دون تدخل في الوقت المناسب.

كيد مرتد

وأشار أحد مديري المدارس بوضوح إلى ما غاب في تشخيص المؤسسات والجهات المهنية، بإشارته في الاجتماع المذكور إلى تأثير الحرب على التطرف العنيف داخل إسرائيل، وهو يقول إن تجربة الماضي علمته أنه بعد جولات الحروب يظهر تطرف سياسي، حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية.

وأضاف: “أطفال يقولون أشياء مثل: حلمي أن يموت كل العرب في غزة. هذه أمور لم نسمعها قبل الحرب”.

أما عضو الكنيست من حزب العمل، نعاما لزيمي، فترى أن هناك تأثيرا لنزع الائتلاف الحاكم شرعية مؤسسات الدولة، متجاهلة واقع الاحتلال الذي سبق وحذر منه قبل عقود المفكر اليهودي يشعياهو لايفوفيتش، بأن العنف ضد الفلسطينيين سيستخدم من قبل الإسرائيليين ضد إسرائيليين أيضا.

ولزيمي ترى بالعنف المتصاعد ظاهرة منابعها مرتبطة بالائتلاف الحاكم فقط: “عندما يدعو وزير تلو الآخر إلى عدم الامتثال لقرارات المحكمة العليا، وعندما لا تلتزم الحكومة، كجسم واحد، بالقانون، وتمجد المجرمين، وتستمد الرضى من مشاهد “الكابيتول” في المحكمة العليا من أجل إنتاج فوضى مخطط لها بعناية، ففي النهاية ستنشأ مجموعة من الفتيان العنيفين، تحمل سكينا وتعتقد أنها فوق القانون. التفكك الاجتماعي ليس خطأ، بل سياسة”.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب