الافتتاحيهرئيسي

الاعتداء على المال العام جريمة واستهتار بحقوق ومصالح المواطنين

الاعتداء على المال العام جريمة واستهتار بحقوق ومصالح المواطنين

بقلم:رئيس التحرير

يشكل المال العام أحد أهم ركائز الدولة والمجتمع، فهو ليس ملكًا لمؤسسة أو جهة بعينها، بل هو ملك لجميع المواطنين، ويُفترض أن يُسخَّر لخدمة مصالحهم وتحسين مستوى حياتهم وتطوير الخدمات الأساسية التي يحتاجونها في مختلف المجالات. ومن هنا فإن أي اعتداء على المال العام، مهما كان شكله أو حجمه، لا يعد مجرد مخالفة عابرة، بل يمثل سلوكًا خطيرًا يمس مصالح المجتمع بأسره ويضر بحقوق المواطنين.

إن مظاهر الاعتداء على المال العام متعددة، تبدأ من التخريب والإتلاف المتعمد للمرافق والممتلكات العامة، ولا تنتهي عند سوء الاستخدام أو العبث بالممتلكات التي أنشئت لخدمة المواطنين. وفي جميع الأحوال، فإن النتيجة واحدة؛ وهي إهدار الموارد العامة وتحميل المجتمع أعباءً مالية إضافية كان يمكن توجيهها لتحسين الخدمات أو تنفيذ مشاريع تنموية يحتاجها المواطنون.

فالمال العام هو حصيلة جهود المجتمع بأكمله، وهو نتاج الضرائب والرسوم والموارد الوطنية والمساعدات التي تخصص لخدمة الصالح العام. وعندما يتم الاعتداء عليه أو إتلافه أو هدره، فإن المتضرر الحقيقي ليس المؤسسة الرسمية فحسب، بل كل مواطن ينتظر خدمة أفضل أو مشروعًا تنمويًا أو مرفقًا عامًا يساهم في تحسين حياته اليومية.

ومن الناحية القانونية، تنظر التشريعات الحديثة إلى الاعتداء على المال العام باعتباره من الأفعال التي تستوجب المساءلة والمحاسبة، لما يترتب عليه من أضرار مباشرة وغير مباشرة بالمصلحة العامة. فسيادة القانون لا تقتصر على حماية الأفراد وممتلكاتهم الخاصة، بل تمتد لتشمل حماية الممتلكات العامة التي تمثل حقًا مشتركًا لجميع أفراد المجتمع.

ولا يقل خطر التهاون مع هذه الأفعال عن خطورة الفعل ذاته، لأن غياب المساءلة يفتح الباب أمام انتشار ثقافة الاستهتار بالممتلكات العامة ويشجع على تكرار الاعتداءات بأشكال مختلفة. فالمجتمعات التي تتسامح مع العبث بالمال العام تدفع ثمن ذلك من مواردها المحدودة ومن مستوى الخدمات المقدمة لمواطنيها، بينما المجتمعات التي تكرس ثقافة احترام الملكية العامة والمحاسبة على الاعتداء عليها تكون أكثر قدرة على تحقيق التنمية والاستقرار.

إن حماية المال العام ليست مسؤولية الأجهزة الرسمية وحدها، وإنما هي مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة. فالمواطن شريك في حماية الممتلكات العامة كما هو شريك في الاستفادة منها، والمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والمجتمعية مطالبة جميعها بنشر ثقافة احترام المال العام وتعزيز قيم المواطنة والمسؤولية والانتماء.

إن بناء مجتمع يحترم القانون ويصون مقدراته يبدأ من ترسيخ قناعة راسخة بأن المال العام أمانة في أعناق الجميع، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على حقوق المواطنين ومصالحهم ومستقبل أبنائهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الرقابة وتفعيل المساءلة وتطبيق القانون بعدالة وحزم، بالتوازي مع رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الممتلكات العامة وصيانتها.

فالمال العام ليس موردًا بلا صاحب، وليس ملكًا يمكن العبث به أو إهداره دون تبعات، بل هو حق للأجيال الحاضرة والقادمة، وحمايته واجب وطني وأخلاقي وقانوني. وكل اعتداء عليه هو جريمة بحق المجتمع واستهتار بحقوق المواطنين ومصالحهم، الأمر الذي يستوجب موقفًا جماعيًا رافضًا لهذه السلوكيات، وإرادة حقيقية لتعزيز ثقافة المسؤولية والمحاسبة وسيادة القانون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب