مقالات

البعث العظيم والمعارضة الالكترونية بقلم الدكتور وائل القيسي

بقلم الدكتور وائل القيسي -العراق-

البعث العظيم والمعارضة الالكترونية
د. وائل القيسي
حاولت قبل أسبوع، وعلى مدى خمسة أيام متواصلة، الاعتماد على ذاكرتي وعلى ذاكرة المعلومات التي تصل عبر الواتس آب وشقيقاته، فلم أجد أمامي سوى الاستعانة بالسيد جوجل وآية الله العظمى الذكاء الاصطناعي، دام ظله الوارف.
وكان هدفي حصر وتصنيف أعداد وأسماء الجهات التي تزعم أنها تمثل المعارضة الوطنية في العراق المحتل ضد الاحتلال الإيراني والأمريكي والإسرائيلي والبريطاني والتركي والخليجي، وضد التدخلات المباشرة وغير المباشرة من الصين وأوكرانيا وبعض دول بلاد الفرنجة وحزب الله اللبناني (الإيراني جينيا وعقائديا)، فضلا عن الوجود الحوثي والإخواني، وربما الصومالي أيضا.
لكنني، وللأسف، أعلن على الملأ إخفاقي وهزيمتي في هذا المسعى الشاق، ليس بسبب كثرتها فحسب (إذ تبدو كأنها مفاقس صناعية للكتاكيت)، بل لأنها تتشظى أحيانا، فتنبثق منها تيارات وتجمعات ومجالس وأحزاب جديدة تنفصل عن الكيان الأم، مع أن بعضها مجهول الأصل، فيضيع الباحث بين عناوينها المتعددة.
وجميعها تدعي الشرعية واتساع الانتشار والمصداقية والتأثير والحضور الميداني داخل البلاد، رغم أنها جميعا نشأت خارج الوطن.
وبعد البحث والتدقيق والتمحيص، وإخضاعها لاختبارات الجودة في مختبرات التدقيق المتخصص، وباستخدام مختلف أجهزة القياس والسيطرة النوعية، اتضح أن بعض قياداتها لم تقتنع بمشروعها حتى زوجاتهم وأبناؤهم، باستثناء (الأصهار طبعا).
وهناك أحزاب أخرى لا يزيد عدد أعضائها على شخصين أو ثلاثة (أحدهم أمين عام أو رئيس، والثاني نائبه، والثالث منسق شؤون الثريد)، فيما يبدو بعضها الآخر مجرد ممثل لمصالح مخابرات الدولة التي أنشأت فيها ذلك الحزب أو الكيان .
وكل ما تمتلكه هذه الأحزاب من أفراد ووسائل وتجهيزات لا يتعدى مواقع على شبكة الإنترنت، وعددا قليلا من الصفحات الإلكترونية على الفيس والميس وX واليوتيوب، وسواها من منصات التناحر الاجتماعي.
وأكثر ما يلفت في أسماء هذه الأحزاب والقوى الإلكترونية هو تضمنها كلمات من قبيل: (الوطني، التحرير، الخلاص، الإنقاذ، التغيير، البناء، الديمقراطية، الحرية).
وربما يعترض أحد مؤيديهم أو ذبابهم قائلا إن التنسيق مع أجهزة مخابرات الدول أمر ضروري ومطلوب للحصول على الحماية أو نيل الموافقة، أو، في أفضل الأحوال، لضمان عدم التعرض للمساءلة. غير أنهم يتغافلون عن الحقيقة المؤلمة، وهي أن الغاية تكمن أحيانا في الحصول على الدعم المعنوي مقابل التعهد بالخضوع لتوجيهات الدولة المضيفة وسياساتها وشروطها.
أما عمل هذه الأحزاب السياسية المعارضة وكفاحها ونضالها فلا يتجاوز إصدار بيانات عامة وفضفاضة تملأ صفحاتها الإلكترونية. ومن اللافت أن الغالبية الساحقة من بياناتها ومنشوراتها تختتم باسم الكيان، من دون الإشارة إلى اسم الرئيس أو الأمين العام أو قائد التجمع إلا في حالات نادرة.
وحين تستفسر عن نشاط هؤلاء أو حضورهم الفعلي داخل الوطن، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، لا تجد لهم أي وجود على الإطلاق، ولا يعرفهم أحد.
إن الحزب الحقيقي الوحيد، من دون منافس، الذي تجده حاضرا نضاليا وتنظيميا ومؤسسيا في كل شبر من أرض العراق، هو حزب البعث العربي الاشتراكي.
ومن المفارقات التي ربما لم يدركها الأعداء قبل الأصدقاء ميزتان لم تسبقنا إليهما الشعوب والمجتمعات كافة.
أولا: أن النسبة الأكبر ممن يؤمنون اليوم بفكر البعث وعقيدته هم من الجيل الجديد، ممن نشأوا أو ولدوا بعد الغزو الأمريكي والاحتلال الإيراني للعراق عام 2003. وتراهم مغرمين بالرئيس الشهيد القائد صدام حسين، وبإنجازات ومآثر الحكم الوطني، وببطولات جميع رفاق الشهيد القائد، حتى إنهم أطلقوا على تلك المرحلة اسم الزمن الجميل.
وثانيا: أن معظم شباب هذا الجيل، الذين لم يعيشوا فترة حكم البعث العربي الاشتراكي، ولم ينتظموا أو ينتسبوا تنظيميا إلى صفوفه، ولا سيما أبناء الفرات الأوسط وجنوب وطننا الحبيب، يؤمنون إيمانا راسخا بكل أهداف الحزب النضالية وشعاراته، ويدافعون عنها بشدة، ويستحضرون جميع إنجازاته وانتصاراته وقيمه الأخلاقية.
وما يميز قوة مبادئ الحزب وثبات نهجه النضالي عن سائر التجمعات والقوى والأحزاب السياسية التي أشرنا إليها في البداية، هو أن حضور قواعد حزب البعث العربي الاشتراكي ومعظم قياداته داخل الوطن أكثر تنظيما وفاعلية والتزاما ونضالا من تنظيماته الموجودة في الخارج، خلافا لبقية قوى المعارضة المذكورة. كما أن حزب البعث هو الوحيد الذي لم يطرح نفسه كمعارضة بمعناها الإنشائي الذي يتبناه الآخرون، لأن أهدافه أوسع وأشمل من المفهوم المحدود للمعارضة، خصوصا أن المعارضة لا تعني التحرير بالضرورة، فهي مفهوم متعدد الدلالات، ولا ترفض الواقع برمته، بل تتأرجح بين قبول الأمر الواقع والاستعداد للتعايش معه مقابل تحقيق بعض الشروط التي تطالب بها.
ما أعظمك أيها البعث العظيم.

See less

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب