التعليم المغربي.. إصلاحات لا تنتهي ونتائج لا تُقنع: من يريد مدرسة تنتج مواطناً يفكر؟..

التعليم المغربي.. إصلاحات لا تنتهي ونتائج لا تُقنع: من يريد مدرسة
تنتج مواطناً يفكر؟..
الأستاذ : علي او عمو.
كاتب من المغرب.
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية، المقرر إجراؤها يوم
23 شتنبر الجاري، تعود القضايا الاجتماعية الكبرى إلى واجهة
الخطاب الانتخابي. وكالعادة، يحتل التعليم والصحة مكانة بارزة في
وعود المرشحين والبرامج الحزبية، باعتبارهما من أكثر الملفات
ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطن المغربي..
لكن المواطن الذي تابع مسار التعليم في المغرب خلال العقود الماضية
قد يتساءل: كم مرة سمعنا الوعد بإصلاح التعليم؟ وكم إصلاحاً تعاقب
على المدرسة المغربية دون أن يتحول ذلك إلى نقلة نوعية واضحة في
مستوى التعلم؟..
لا يتعلق الأمر بالقول إن الدولة لم تبذل أي جهد. فقد اعتمد المغرب،
خلال السنوات الماضية، مجموعة من المرجعيات والإصلاحات، من
بينها الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2015-
2030، والقانون الإطار 51.17، ثم خارطة الطريق 2022-2026.
كما أطلقت وزارة التربية الوطنية برنامج "مدارس الريادة" الذي توسع
بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة..
غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في عدد الإصلاحات والبرامج،
وإنما في قدرة هذه الإصلاحات على تغيير ما يحدث فعلياً داخل القسم..
فالتلميذ لا يحتاج إلى كثرة الشعارات والخطط بقدر حاجته إلى مدرسة
تعلّمه القراءة والفهم والكتابة والحساب، وتدربه على التفكير والتحليل
والنقاش، وتمنحه المعارف والمهارات التي تمكنه من مواجهة الجامعة
وسوق العمل والحياة..
وهنا تظهر المفارقة.
فوفق أحدث معطيات البنك الدولي الخاصة بالمغرب، فإن نحو 60 في
المائة من الأطفال في سن أواخر المرحلة الابتدائية لا يتقنون القراءة
والفهم بالمستوى المطلوب، وهو مؤشر يختزل جزءاً مهماً من أزمة
التعلم، وليس مجرد أزمة الولوج إلى المدرسة..
وهذا يعني أن المشكلة لا يمكن اختزالها في بناء المدارس أو تعميم
التمدرس. فوجود الطفل داخل المؤسسة التعليمية لا يعني بالضرورة أنه
يتعلم بالقدر والنوعية المطلوبين.
أين يكمن الخلل؟
السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: هل نحتاج إلى إصلاح التعليم؟
فالجواب واضح منذ سنوات.
السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تنجح الإصلاحات المتعاقبة، رغم كثرة
الاستراتيجيات والبرامج، في تحقيق التحول المنشود؟
هل المشكلة في المناهج؟ أم في طرق التدريس؟ أم في تكوين
المدرسين؟ أم في الاكتظاظ؟ أم في الفوارق بين الوسطين الحضري
والقروي؟ أم في الحكامة والتدبير؟ أم في ضعف التقييم والمحاسبة؟ أم
في عدم استقرار الاختيارات التربوية، بحيث يأتي كل إصلاح ليعدل أو
يستبدل ما سبقه؟..
هذه الأسئلة تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً بعيداً عن المزايدات السياسية.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير أسماء البرامج، وإنما بتحديد مواطن
الخلل بدقة، ثم قياس النتائج بشكل دوري وشفاف، ومحاسبة
المسؤولين عن التنفيذ عندما لا تتحقق الأهداف..
هل هناك من يريد بقاء التعليم ضعيفاً؟..
هنا تبرز فكرة أكثر حساسية، وهي التي يتداولها جزء من الرأي العام:
هل تدهور التعليم مجرد نتيجة لأخطاء في السياسات والتدبير، أم أن
هناك جهات تستفيد سياسياً أو اقتصادياً من استمرار مدرسة ضعيفة؟..
لا توجد، في المعطيات التي يمكن الاستناد إليها، أدلة كافية تسمح
بالجزم بوجود جهة محددة تتعمد إبقاء المغاربة في حالة من الجهل.
ولذلك فإن تحويل هذا السؤال إلى حقيقة مؤكدة سيكون قفزاً على
الأدلة.
لكن طرح السؤال في حد ذاته مشروع.
فالتعليم الجيد لا ينتج فقط موظفاً أو عاملاً مؤهلاً، وإنما ينتج مواطناً
قادراً على القراءة والفهم والتحليل ومساءلة المسؤولين والتمييز بين
الحقيقة والدعاية..
ولهذا فإن جودة التعليم ليست قضية اجتماعية واقتصادية فقط، بل هي
أيضاً قضية مرتبطة بجودة الحياة الديمقراطية نفسها..
وكلما ارتفع مستوى التعليم، أصبح المواطن أكثر قدرة على فهم
البرامج السياسية، ومقارنة الوعود بالنتائج، ومساءلة المنتخبين على
ما أنجزوه وما لم ينجزوه.
أما المواطن الذي لا يحصل على تعليم جيد، فإن فرصته في المشاركة
الواعية في الشأن العام تصبح أضعف..
الانتخابات ليست موسم الوعود..
لهذا، فإن الانتخابات التشريعية الحالية يجب ألا تكون مناسبة لتكرار
العبارات نفسها: "سنصلح التعليم"، و"سنرفع جودة المدرسة"،
و"سنضع التلميذ في قلب المنظومة"..
المطلوب من الأحزاب والمرشحين أن يقدموا إجابات أكثر تحديداً:
ما الذي سيتغير خلال السنوات الخمس المقبلة؟.
كيف سيتم تحسين مستوى القراءة والرياضيات والعلوم؟..
كيف سيتم تقييم أداء المؤسسات التعليمية؟..
كيف سيتم تكوين المدرسين وتأهيلهم؟
كيف ستتم معالجة الاكتظاظ والفوارق بين المدارس؟.
وما المؤشرات التي سيُحكم من خلالها على نجاح أو فشل الإصلاح؟.
فالوعود التي لا تتضمن أهدافاً قابلة للقياس وجداول زمنية واضحة
تظل وعوداً انتخابية قابلة للتكرار في كل استحقاق..
المدرسة المغربية تحتاج إلى استقرار لا إلى تجارب متواصلة.
لقد أصبح من الضروري الانتقال من ثقافة "إصلاح الإصلاح" إلى ثقافة
التقييم.
فليس العيب في أن تفشل سياسة تعليمية جزئياً أو تحتاج إلى تعديل؛
العيب هو أن تتكرر الأخطاء دون تقييم حقيقي، وأن يبدأ كل مشروع
تربوي من نقطة الصفر، بينما ينتظر ملايين التلاميذ سنوات طويلة
للحصول على تعليم يواكب العصر.
والمغرب لا يبدأ من فراغ. فوجود رؤية استراتيجية 2015-2030،
وقانون إطار 51.17، وخارطة طريق 2022-2026، وبرامج جديدة
مثل مدارس الريادة، يعني أن البلاد تتوفر على أطر إصلاحية واضحة.
لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الأطر إلى نتائج ملموسة في
مستوى التلميذ.
وفي النهاية، لا يحتاج المغرب إلى مدرسة تحفظ التلميذ الدروس فقط،
بل إلى مدرسة تعلّمه كيف يفكر..
فالسؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه الانتخابات ليس: من سيعد بإصلاح
التعليم؟..
بل: من سيقدم خطة قابلة للقياس تجعل المواطن قادراً، بعد سنوات
قليلة، على أن يرى بأم عينه أن المدرسة المغربية أصبحت أفضل مما
كانت عليه؟..
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي حكومة مقبلة، لأن إصلاح التعليم لا يقاس
بعدد المشاريع والبرامج والبلاغات، وإنما بما يعرفه التلميذ فعلاً، وما
يستطيع أن يقرأه ويفهمه ويكتبه ويحلله، وبما تمنحه المدرسة المغربية
من فرصة عادلة لبناء مستقبل أفضل.



