مقالات

الحدث الإستراتيجي يستدعي شجاعة إستراتيجية

الحدث الإستراتيجي يستدعي شجاعة إستراتيجية

مرزوق الحلبي

بناء الإرادة السياسية الجديدة يحتاج إلى شجاعة، شجاعة من الذين شاركوا حتى الآن في السياسة، وأكثر من أولئك الذين لم يشاركوا أو أحجموا لأسبابهم. والإرادة الجديدة بحاجة إلى دمج قوى جديدة وشخصيات جديدة…

لا يختلف عاقلان في كون حرب الإبادة على غزّة حدثًا مصمَّمًا بالمعنى الإستراتيجي للكلمة. أي إنّه يكسر حركة التاريخ وينعطف بالأحداث إلى وجهة جديدة، أو أنّه يُغيّر قواعد “اللعب” التي ألفناها ويُدخلنا في “لعبة” جديدة. فإذا كانت النكبة، على مفاعيلها، قد غيّرت تاريخ فلسطين، فإن حرب الإبادة تغيّره من جديد.

أقترح أن نتحدّث عن أمورنا من هذه الزاوية، النقطة الفاصلة، وليس من “اللعبة” التي كانت قبلها. أقترح أن نرى أنفسنا بلغة إستراتيجية ترتقي إلى فهم الحدث ودلالاته، وليس بلغة الخصوم. ما حصل من إبادة وتبعاتها يطرح علينا السؤال الكبير: “إلى أين نذهب من هنا؟”. وهو سؤال يُضيء كلّ شيء من جديد، إذ يبدو منصور عباس مليئًا بنفسه، موهومًا بموقعه، وتبدو النقاشات والسجالات حول كيفية خوض الانتخابات “فيلمًا قديمًا”.

التحوّل الدراماتيكي في فلسطين والمنطقة يوجب تحوّلًا في التفكير السياسي، وفي انتظام الجماعة السياسية، وفي خيارات النُّخب السياسية. ولنعترف أنّنا لم نرتقِ إلى هذا المستوى حتى الآن. وسيكون بائسًا ومدعاة لقلق حقيقي ألّا نفعل، بوصفنا شعبًا. والجزء من شعبٍ شعبٌ هو.

حرب الإبادة على الفلسطينيين تعني، فيما تعنيه في المدى المنظور، استئناف المجتمع الوافد الذي يستعمر فلسطين خيار الهيمنة على كامل فلسطين، من خلال ترحيل أهلها أو إبادتهم أو إخضاعهم بالكامل وإلغاء حقوقهم السياسية. في سيرورة واضحة المعالم والخطوات، يصير الحديث عن ميزانيات حديثًا سخيفًا وتافهًا. ويصير الحديث عن إمكانية دخول ائتلاف حكومي، كما يريد منصور عباس، مهزلة حقيقية أو تفاهة من المتحدّث. ويصير البحث عن كرسيّ ومقاعد لحزبي في قائمة وحدوية انتهاكًا لعقل الجماعة وروحها.

وضوح السيرورة السياسية في إسرائيل وفي الإقليم، وخطورة الممارسة والغاية، ينبغي أن يدفعا النُّخب والقيادات الفلسطينية كافة، بما فيها في فلسطين الساحل، إلى أن تكفّ عن عاداتها القديمة ولغتها القديمة وسياساتها القديمة. وهو ما لا تفعله القوى السياسية عندنا. صحيح أنّ بعضها يُقرّ بمفصلية حدث الإبادة، وبالسيولة الخطيرة في الإقليم، وأنّ التاريخ حاضر الآن بكل “هيبته” ودراماتيكيته، إلّا أنّ هذا البعض لا يزال مشاركًا في “اللعبة القديمة”، غير مستعد لأن ينتفض ويُغيّر. هذا علمًا بأنّي، عن معرفة وتجربة، أعتقد أنّ هذا البعض يملك الوعي والمؤهلات والقدرات والشرعية لفعل ذلك. ولا حاجة إلى أن يستغرق ذلك الوقت الذي استغرقه إدراك أنّ الجريمة المنظّمة أداة جهنمية تغذّيها المؤسسة الحاكمة لتفكيك المجتمع، وليس مجرّد “طخّيخة” ننزع سلاحهم فيستتبّ الأمن.

إن مطلب الناس تشكيل قائمة سياسية وحدوية هو تعبير صميمي عن حكمة الجماهير التي أدركت حالها بعد الإبادة في غزة. وهو إدراك بأنّ ما كان قبل الإبادة ليس كما بعدها. وهو “نقطة” مؤسِّسة لوعي جماعي مختلف ينبغي العمل بوحيه وترجمته إلى فعل على الأرض، ويتعدّى السنة القادمة أو جولة الانتخابات إلى الحالة الوجودية للناس. فماذا نفعل، كجماعة، إذا سُحبت منّا الحقوق السياسية؟ ماذا إذا جعلت المؤسسة مكانتنا كمكانة الأشقاء في الضفة وغزة؟ ماذا لو أعادت المؤسسة احتلال الجليل والمثلث، وهي تفعل ذلك على نحو ما في النقب؟

مثل هذه الأسئلة يسألها الناس، وعلى القيادة أن تُجيب عنها، ليس بوصفها مجموعة أساتذة أو محترفين مطمئنين إلى الحتمية أو إلى “حدود اللعبة”، بل بوصفها عقولًا مفكّرة ومنظِّمة للمجتمع، ووكلاء للفعل والاقتدار فيه، وحاملة لمسؤولية الجماعة التي تدّعي تمثيلها. لعلّ أولى الخطوات هي بناء إرادة سياسية جامعة، على نحو مغاير لما فعلناه حتى الآن. فإذا كانت التظاهرتان في سخنين وتل أبيب بداية، فهناك حاجة إلى تطوير هذه البداية إلى قائمة وحدوية، وليس لغرض الانتخابات فقط، بل للتأسيس لمرحلة انتظام جديدة تكون بحجم الأحداث، في مستوى لجنة المتابعة والرؤساء، وفي مستوى الأحزاب والاستعداد للانتخابات، إذا جرت.

أفهم التخوّفات التي تراود بعض القيادات الحزبية من خطوة إستراتيجية في شكل الانتظام السياسي للانتخابات وما بعدها. وأفهم التوازنات الدقيقة داخل الأحزاب وبين الأحزاب، ومع هذا لم يعد هناك أي مكان لها في الوضع الراهن. لأنّ الأحداث قد تجاوزتها، بوصفها إرثًا من زمن مضى ولعبة انتهت.

ومَن يخطُ الخطوة الأولى سيربح ثقة الناس ودعم أجزاء واسعة منها. فلماذا لا تتوحّد “الجبهة” و”التجمّع” و”التغيير” فورًا؟ لماذا ينبغي إهدار كلّ شيء، الوقت والطاقات وأعصاب الناس والفرصة، على انتظار منصور عباس، الذي يبدو أقرب بكثير إلى بينيت منه إلى شعبه، وإلى اللهو أكثر منه إلى الجدية؟ لماذا لا تكون هذه نواة لتجميع تأييد الـ50% الذين لا يقترعون، أو جزء منهم؟ لماذا لا يقيمون حول هذه النواة قائمة جديدة مع خيرة بنات وأبناء شعبنا من المقتدرات والمقتدرين؟ هذا هو الاتجاه الصحيح في هذه المرحلة؛ قائمة استثنائية في تركيبتها ودلالاتها. فليذهب منصور عباس بأوهامه إلى نهايتها. في الأجواء الحالية سيُعاقبه شعبه. سيتمّ تحجيمه إذا أُديرت حملة انتخابية تعيده إلى حجمه، كوجه ينتقل من شاشة إلى شاشة ليُطمئن قلوب الإسرائيليين أنّه عربي على هواهم، وأنّه لا يريد سوى ما يتصدّقون به من ميزانيات. سيصنعون خيرًا لأنفسهم ولشعبهم إن تركوه وذهبوا وقالوا لشعبهم إنّ كلّ ما فعله في مسيرته هو ضرب القائمة “المشتركة” والاصطفاف مع المؤسسة العنصرية الأسوأ ضد مصالح شعبه وقياداتها.

بناء الإرادة السياسية الجديدة يحتاج إلى شجاعة، شجاعة من الذين شاركوا حتى الآن في السياسة، وأكثر من أولئك الذين لم يشاركوا أو أحجموا لأسبابهم. والإرادة الجديدة بحاجة إلى دمج قوى جديدة وشخصيات جديدة، وإلى الشجاعة عند القدامى كي يعرفوا كيف يُوسّعون ويُفسحون المكان لوجوه جديدة جديرة.

الحدث الإستراتيجي المفصلي يحتاج إلى فعل سياسي بحجمه، يواكبه ويُدير مفاعيله. صحيح أنّ حديثي هنا في العموم، لكنّي أستطيع، وبالقدر نفسه من المسؤولية، أن أزوّد الراغبين باقتراحات عملية وأسماء لأناس مقتدرات ومقتدرين يستطيعون أن يُسهموا في حمل أعباء هذه المرحلة في الفترة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب