الخيال السوسيولوجي: من السيرة الفردية إلى البنية

الخيال السوسيولوجي: من السيرة الفردية إلى البنية
د مصطفى غَلْمان
بأي معنى يمكن أن نفكّر سوسيولوجياً؟ لا يتعلق الأمر، في عمقه، بمجرّد امتلاك جهاز مفاهيمي أو تقنيات منهجية لتحليل المجتمع، بل بتحوّل جذري في نمط الوعي ذاته؛ انتقال من ألفة العيش داخل العالم إلى مساءلة الشروط التي تجعل هذا العيش ممكناً ومقبولاً ومفهوماً في آن.
إن التفكير السوسيولوجي لا يبدأ حين ننظر إلى المجتمع كموضوع خارجي، بل حين ندرك أن ما نعتبره «بديهياً» في حياتنا اليومية، من علاقات وأدوار وقيم، ليس معطًى طبيعياً، بل نتاج تاريخي متحوّل، مشروط بسياقات ثقافية وبنيات اجتماعية محددة.
في هذا الأفق، يغدو ما نسميه «الحس العام» موضوعاً للنقد بدل أن يكون أرضية يقين. ذلك أن الحس العام، كما يتبدّى عند زيغمونت باومان وتِم ماي (يُنظر كتابهما «الفكير سوسويولوجياً»، بترجمة حجاج أبو جبر، ضمن منشورات الروافد، 2023)، ليس معرفة بريئة أو محايدة، بل هو ترسّب غير واعٍ لأنماط من الفهم والتأويل تشكّلت عبر التاريخ، حتى غدت تُمارَس كما لو كانت طبيعية. من هنا، لا يكون التفكير السوسيولوجي إضافة معرفية «فوقية»، بل هو انزياح في الوعي: كسرٌ للتماهي مع المألوف، وفتحٌ لمسافة نقدية بين الذات وتجربتها المباشرة.
هذا الانزياح يضعنا أمام إعادة تعريف جذرية للفرد ذاته. فبدل أن يُفهم ككيان مستقل ومكتفٍ بذاته، كما تفترض النزعات الفردانية، يُعاد إدراجه داخل شبكة معقدة من العلاقات التي تسبقه وتشكّله. هنا يلتقي أفق باومان مع تحليلات كارل ماركس، الذي بيّن أن الوعي ليس انعكاساً حراً للذات، بل يتحدد عبر الشروط المادية والاجتماعية للوجود، ومع إميل دوركايم الذي شدد على أن «الوقائع الاجتماعية» تتمتع بقوة إكراه تتجاوز الأفراد وتؤطر سلوكهم. غير أن هذا الإدماج للفرد داخل البنية لا يعني محوه، بل إعادة فهمه بوصفه فاعلاً مشروطاً، لا حراً بالمطلق ولا مُحدّداً بالكامل.
وإذا كان التفكير السوسيولوجي يقتضي هذا الوعي بالعلاقات والبنيات، فإنه في الآن ذاته يستدعي حساسية تأويلية تجاه المعنى الذي يمنحه الأفراد لأفعالهم. هنا يستحضر المشروع السوسيولوجي إرث ماكس فيبر، الذي اعتبر أن فهم الفعل الاجتماعي يمرّ عبر إدراك دلالاته الذاتية، أي الكيفية التي يُدرك بها الفاعلون أنفسهم والعالم. بهذا المعنى، لا تكون السوسيولوجيا مجرد علم للبنيات، بل أيضاً علماً للمعاني، حيث يتقاطع الموضوعي بالذاتي، والبنيوي بالتأويلي.
غير أن القيمة الحاسمة للتفكير السوسيولوجي لا تكمن فقط في هذا التوصيف المركّب للعالم الاجتماعي، بل في قدرته على زعزعة ما يبدو حتمياً. فحين ندرك أن ما نعيشه ليس طبيعياً ولا أبدياً، بل نتيجة ترتيبات تاريخية قابلة للتغيير، ينفتح أفق جديد للفعل. هذا ما يلتقي مع تحليلات ميشيل فوكو، الذي أظهر كيف أن أنظمة الحقيقة والمعرفة ترتبط بشبكات السلطة، وأن نقد هذه الأنظمة هو في الآن ذاته فعل تحرّر من أنماط الهيمنة التي تُخفي نفسها في صورة «بداهات». إن التفكير سوسيولوجياً، بهذا المعنى، هو تمرين على تفكيك التواطؤ الصامت بين الذات والعالم؛ تمرين على رؤية ما لا يُرى عادة لأننا نعيش فيه. وهو ما صاغه سي. رايت ميلز في مفهوم «الخيال السوسيولوجي»، حيث يصبح الفرد قادراً على ربط سيرته الذاتية بالبنيات التاريخية والاجتماعية الأوسع، فيفهم أن ما يبدو له شأناً شخصياً قد يكون تعبيراً عن اختلالات بنيوية.
لكن هذا النمط من التفكير يظل محفوفاً بتوتر دائم، فهو من جهة يكشف ثقل البنيات والإكراهات، ومن جهة أخرى يفتح إمكانات الفعل والتحرر. وبين هذين القطبين، يتحدد أفق السوسيولوجيا كمعرفة نقدية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسعى إلى إعادة تأويله، وربما تغييره. هكذا يغدو التفكير السوسيولوجي أكثر من مجرد أداة تحليل؛ إنه وعي يقظ، يعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، ويحرّرنا، ولو جزئياً، من سطوة ما نظنه بديهياً، ليكشفه كإمكان تاريخي قابل للمساءلة وإعادة التشكل.
تبدو التنشئة الاجتماعية، في عمقها البنيوي، سيرورة مركبة لإنتاج الذات داخل شبكة من العلاقات الرمزية والمادية، حيث لا يمكن فهم الفرد خارج التوتر الدائم بين الحرية بوصفها إمكاناً، والتبعية بوصفها شرطاً تأسيسياً للانتماء. فالإنسان لا يُولد كذات مكتملة، بل يُصاغ تدريجياً داخل أنساق من القيم والمعايير والتمثلات التي تحدد إمكانات الفعل وحدود المعنى.
في هذا السياق، يذهب زيغمونت باومان إلى أن الهوية الحديثة لم تعد بنية صلبة، بل أصبحت «حالة سيولة دائمة»، حيث يعيد الفرد إنتاج ذاته باستمرار داخل فضاءات متغيرة. ويشير في قراءته لتحولات الحداثة إلى أن الحركة بين الأمكنة لا تعني انتقالاً جغرافياً فقط، بل انتقالاً في طبقات الوعي والسلوك والذاكرة، بما يجعل الذات محمولة بتاريخها الاجتماعي أينما حلت وارتحلت، من دون أن تنفصل عن آثار الاندماج أو الاغتراب التي تراكمت عبر التجربة.
هذا التصور يلتقي مع أطروحات بيير بورديو حول «الهابيتوس»، باعتباره بنية ذهنية متجسدة، تُكتسب عبر التنشئة وتعيد إنتاج نفسها تلقائياً داخل الممارسة اليومية. فالفرد، وفق هذا المنظور، لا يتصرف كفاعل حر تماماً ولا ككائن مُسَيَّر كلياً، بل كذات تتحرك داخل فضاء من الاحتمالات التي سبق أن تشكلت تاريخياً واجتماعياً. وهنا تصبح المدرسة، والأسرة، والمؤسسات الرمزية، فضاءات لإعادة إنتاج هذا الهابيتوس الذي يوجه الذوق، والاختيار، وطريقة إدراك العالم.
ومن زاوية فلسفية أعمق، يذهب ميشيل فوكو إلى أن الذات الحديثة ليست فقط نتاج التنشئة، بل نتيجة لتقنيات السلطة والمعرفة التي تُنتج الأفراد عبر ما يسميه «أنظمة الانضباط». فالمؤسسات الاجتماعية لا تكتفي بتأطير السلوك، بل تُشكّل الجسد ذاته بوصفه موضوعاً للضبط والتطويع، بما يجعل الحرية نفسها داخل حدود ما هو ممكن ومسموح به داخل النظام الاجتماعي.
تتأسس قدرتنا على إدراك العالم، في أحد أبعادها العميقة، على آلية تصنيف رمزي تُنتج ثنائية «نحن» و«هم»، بوصفها بنية إدراكية لا تنفصل عن تشكل الوعي الاجتماعي ذاته. فـ»نحن» تحيل إلى فضاءات الانتماء التي تتبلور داخلها الألفة والمعنى المشترك، حيث تتقاطع التجربة مع الفهم، ويغدو الآخر امتداداً رمزياً للذات. في المقابل، تشير «هم» إلى فضاءات خارجية تُبنى في الغالب على مسافة معرفية وعاطفية، حيث يغيب الفهم المباشر لتحل محله التمثلات الملتبسة والانطباعات المشوشة.
هذه المسافة ليست بريئة معرفياً، بل هي نتاج تاريخ من التمثيل والتخييل الاجتماعي، حيث تتحول الجماعات الأخرى إلى صور ذهنية قد تتراوح بين الغموض والريبة والخوف. وكما يذهب زيغمونت باومان، فإن الحداثة المتأخرة لا تُنتج فقط هويات سائلة، بل تُنتج أيضاً حدوداً رمزية هشة بين الداخل والخارج، تجعل من إدراك «الآخر» عملية مشحونة بالقلق وسوء الفهم، خاصة حين تُبنى هذه الصور على معرفة غير مباشرة أو على شائعات اجتماعية متوارثة.
في هذا السياق، يمكن استحضار تحليل إدوارد سعيد في «الاستشراق»، حيث يبيّن أن صورة «الآخر» لا تُنتج من خلال المعرفة المحايدة، بل عبر أنظمة تمثيل تخضع لموازين القوة والمعنى، تجعل من الآخر كياناً متخيَّلاً أكثر منه واقعاً مدركاً. فالفصل بين «نحن» و«هم» ليس مجرد تمييز وصفي، بل ممارسة معرفية تحمل في طياتها شحنة أيديولوجية تعيد إنتاج التفوق أو التوجس أو الإقصاء.
ومن هذا المنظور، تتحول الثنائية بين «نحن» و«هم» إلى ما يشبه الخريطة الإدراكية للعالم الاجتماعي، تُبنى عبرها الحدود وتُرسم من خلالها أنماط القبول والرفض. غير أن هذه الخريطة ليست ثابتة، لأنها مشروطة دائماً بتغير السياقات التاريخية وتبدل أنظمة المعنى. فكما يشير بيير بورديو، فإن التصنيفات الاجتماعية ليست سوى تجسدات لـ«الهابيتوس» الجمعي، الذي يعيد إنتاج ذاته عبر الممارسة اليومية، ويجعل من الأحكام المسبقة جزءاً من الحس المشترك.
الجماعة وحدود الخوف
يستوقفنا عند زيغمونت باومان تحليلٌ بالغ الكثافة للكيفية التي تتشكل بها الهوية الجماعية عبر إنتاج صورة «الآخر»، حيث لا تُبنى الجماعة على الانسجام الداخلي فحسب، بل أيضاً على اختراع مقابل رمزي يُسند إليها حدودها ويمنحها شعوراً بالتماسك. فـ»الخارج» لا يظهر كمعطى واقعي بريء، بل كتصور متخيل يُعاد بناؤه باستمرار ليقوم بوظيفة مزدوجة: تثبيت «النحن» من الداخل، وتبرير حاجتها إلى التضامن والدفاع واليقظة.
ويعمّق باومان هذا التحليل حين يلفت إلى الدور الحاسم للخطاب البلاغي في إنتاج الولاء الجماعي، حيث تُستثمر استعارات مثل «الأخوة»، و«الأمة الواحدة»، و«الأسرة الوطنية»، بوصفها أدوات رمزية لإعادة صياغة الانتماء في شكل عاطفي كثيف. وفي هذا البناء الخطابي، تتحول الجماعة إلى كيان مُتخيل يتأسس على الحنين والذاكرة والوعود المشتركة، في مقابل اختراع «عدو خارجي» يُعاد تأويله كتهديد دائم لوحدة الداخل. هذا ما يجعل الانتماء، في أحد أبعاده، تجربة وجدانية تُبنى على التماهي أكثر مما تُبنى على الفهم النقدي.
يواصل زيغمونت باومان تفكيك البنية العميقة للحياة الاجتماعية من خلال مفهوم «الحدود» بوصفها آلية تأسيسية لا تكتفي بوصف الاختلافات بين الجماعات، بل تساهم فعلياً في إنتاجها وإعادة صياغتها. فالحدود، في هذا التصور، ليست خطوطاً مرسومة على هامش الاجتماع الإنساني، بل هي جزء من صميمه، حيث يتشكل الإدراك الجماعي للعالم عبر عمليات مستمرة من الفصل والتعيين وإعادة التعيين.
بهذا المعنى، لا تعمل الحدود كآلية للفصل فقط، بل كجهاز لإنتاج التراتب الاجتماعي وإعادة تنظيم الإمكانيات الحياتية. فالفصل المكاني داخل المدينة، على سبيل المثال، لا يُترجم فقط إلى توزيع جغرافي للسكان، بل إلى شبكات من التفاعل أو العزلة، وإلى أنماط من الإدراك المتبادل المشحون بالتحفظ أو الاشتباه أو اللامبالاة. وهنا تتقاطع قراءة باومان مع تحليل ميشيل فوكو لمفهوم السلطة بوصفها آلية تنتشر في الفضاء الاجتماعي عبر تنظيم الأجساد والعلاقات والمعرفة، لا عبر القسر المباشر فقط.
غير أن باومان، في نقده للحداثة، لا يتوقف عند التشخيص، بل ينفتح على بعد معياري يراهن على إمكانية استعادة العقل السوسيولوجي بوصفه أداة لتحرير الوعي من «الهلاوس التاريخية» التي تراكمت حول الآخر والاختلاف. فالتسامح، في هذا الأفق، ليس مجرد قيمة أخلاقية معزولة، بل نتيجة لممارسة نقدية تعيد تفكيك الصور النمطية التي أنتجتها أنظمة التصنيف الاجتماعي.
يُعيد التفكير السوسيولوجي في الجسد والجنسانية والصحة صياغة سؤال الذات خارج وهم الاكتفاء الفردي، إذ لا يظهر الجسد كمعطى طبيعي خالص، بل كأثر مركّب لتاريخ اجتماعي يتجسد في تفاصيل المعيش اليومي. في هذا الأفق، يذكّرنا زيغمونت باومان بأن ما نعدّه «فرادة» ليس سوى تمفصل خاص داخل شبكة من العلاقات والمعايير التي تسبقنا وتعيد تشكيلنا باستمرار؛ فالفرد، كما يلمّح بيير بورديو، يتحرك داخل «هابيتوس» متجسّد، حيث تصير الميول الجسدية وأنماط العيش ترسيخاً لا واعياً لبنيات اجتماعية سابقة.
وحين تتموضع السوسيولوجيا على تخوم التوتر الخلّاق بين الوجودي والتحليلي، فإنها لا تقدّم نفسها بوصفها مرآةً عاكسةً لحقيقة مكتملة، بل كحقل مساءلة دائم يعيد ترتيب بداهاتنا. هنا يمكن استحضار تصور ماكس فيبر الذي رأى أن الفعل الاجتماعي لا يُفهم إلا من خلال معناه الذاتي، لا من خلال قوانين صمّاء، إلى جانب زيغمونت باومان الذي نبّه إلى سيولة الحداثة وتحوّلها المستمر، بما يجعل كل يقين عرضةً للتآكل. في هذا الأفق، لا تعود أفعالنا قابلة للاختزال في تفسير واحد، لأنها تنبثق من تعددية سياقات العيش: من العمل إلى الحميمي، ومن الفضاء الرقمي إلى طقوس الاستهلاك، حيث تتقاطع الذوات مع بنيات تتجاوزها وتعيد تشكيلها.
داخل هذا الأفق الفكري، يتشكّل الوعي كحركة مستمرة من المراجعة، يختبر فيها حدوده كلما ظنّ أنه اقترب من الإحاطة. فالفهم هنا لا يستقر، بل يتقدّم عبر إعادة النظر، عبر التقاط ما كان يُمرّ عليه دون انتباه. هكذا يصبح «التفكير سوسيولوجياً» ممارسة يقظة، تجعل الذات أكثر حساسية تجاه ما يوجّهها ويُعيد تشكيلها، دون أن تُختزل فيه.
في خاتمة هذا المسار، تبرز السوسيولوجيا كخبرة فكرية تُوسّع إمكان الرؤية، وتُبقي المعنى في حالة انفتاح، حيث يستمر السؤال في مرافقة الفهم، ويظل العالم قابلاً لإعادة القراءة كلما بدا أنه استقر.
بيير بورديو




