الرئيس الفلسطينى محمود عباس لـ «أخبار اليوم »: فلسطين ترفع رأسها بمصر| حوار خاص

الرئيس الفلسطينى محمود عباس لـ «أخبار اليوم »: فلسطين ترفع رأسها بمصر| حوار خاص
أبومازن: 160 دولة تعترف بفلسطين.. وأتوقع زيادة العدد بنهاية العام
أريد المصالحة مع الكل ولا أستثنى أحدًا وكل من هو فلسطينى من حقه المشاركة
الإدارة الأمريكية لا تريد الاعتراف بالدولة الفلسطينية
الاستيطان أخطر ما يعوق إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ونموت فى بلدنا ولا نهاجر للمرة الثالثة
نريد دولة ومؤسسات وسلاحًا شرعيًا واحدًا
ما حدث فى السابع من أكتوبر عام 2023 لم يجلب سوى الدمار والخراب
الانتخابات الفلسطينية «ممر إجبارى» لتوحيد الجغرافيا والديموغرافيا
أمريكا رفضت منحى تأشيرة دخول للمرة الثانية لحضور اجتماعات الأمم المتحدة
نتنياهو السبب فى تدمير مسار أوسلو وتأخير حل الدولتين وما ترتب عليه من دمار وقتل للشعب الفلسطينى
على مدار أكثر من ثلاث ساعات، كان الرئيس الفلسطينى محمود عباس يتحدث كما لو أنه يستعيد أمامنا شريطًا طويلًا من عمر القضية الفلسطينية؛ بدءا من زمن الثورة والمنفى، ومر بمحطات التفاوض واتفاق أوسلو، ثم قيام السلطة الوطنية، وصولًا إلى الحرب فى غزة، وأزمة الضفة والقدس، وتعقيدات المشهد الدولى والإقليمى.

لم يكن الحوار مع الرئيس أشبه بالابحار داخل التجربة الفلسطينية نفسها؛ فعباس أحد القادة الكبار الذين عاصروا معظم المنعطفات فى تاريخ القضية الفلسطينية المعاصر، وعمل إلى جوار الزعيم التاريخى ياسر عرفات، ثم تولى رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية بعد رحيله، وعاش سنوات طويلة من الصراع والتفاوض والصبر والصمود.
كان يتحدث وفى ذهنه فلسطين التى عرفها قبل أوسلو، وفلسطين التى عادت إلى الداخل بعد أوسلو، وفلسطين التى لا تزال تبحث عن دولة كاملة السيادة وسط احتلال واستيطان وحرب وانقسام فلسطينى وضغوط دولية لا تتوقف.
من هنا بدأنا الحوار من السؤال الذى بدا طبيعيًا أن يكون فى مقدمته: مصر.. ماذا تعنى لفلسطين؟ وكانت الإجابة حاضرة على لسان الرئيس الفلسطينى مصر هى «أم العرب» وسند القضية.
قال الرئيس عباس إن مصر كانت موجودة منذ اليوم الأول للصراع، وكانت وما زالت سند القضية الفلسطينية وسند العرب جميعًا. مصر هى أم العرب، وهى تعرف كل شيء عن القضية الفلسطينية، ولا يغيب عنها ما يجرى لافتا إلى حرص القيادة الفلسطينية على اطلاع الرئيس عبد الفتاح السيسى بكل تطورات الأوضاع.

كان واضحًا أن الرئيس الفلسطينى أراد أن يبدأ من القاهرة قبل أن يدخل فى تفاصيل الحرب والسياسة والمفاوضات؛ فمصر بالنسبة إلى الفلسطينيين ليست وسيطًا يظهر عندما تشتد الأزمة ثم يغيب بانحسارها، وإنما طرف حاضر فى تاريخ القضية منذ بداياتها، وجغرافيا لا تسمح بأن تكون فلسطين بالنسبة إلى مصر شأنًا بعيدًا عن حساباتها.
ثم انتقلنا إلى السؤال الأصعب: كيف يرى عباس فلسطين الآن، بعد كل ما جرى فى غزة والضفة والقدس؟
وكانت الإجابة الصعبة بانتظارنا وقال إن غزة فى حالة دمار كامل وأن الوضع فى كامل الأراضى الفلسطينية صعب للغاية، فقوات الاحتلال مازالت تقتل وتقوم بالاستيلاء على الأراضى، مؤكدا أن الشعب الفلسطينى لن يستسلم ومصر على تحرير أرضه بالمقاومة السلمية معربا عن أمله أن تتغير الأمور وأن نصل إلى السلام مع إسرائيل وفق مقررات الشرعية الدولية.
ثم عاد الرئيس إلى التعليق على أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، وقال: بعد السابع من أكتوبر كانت النتيجة دمارًا كاملًا لقطاع غزة، والقطاع تهدمت فيه البنية التحتية والطرق والمبانى، والدمار طال كل شيء والأمور تعرف بخواتيمها فما حدث لم يجلب سوى الدمار والخراب.
لم يتحدث عباس عن غزة باعتبارها ملفًا تفاوضيًا، وإنما باعتبارها مأساة إنسانية وسياسية مفتوحة وقال: حاولنا بكل الطرق إيقاف هذه المذبحة فى حق شعبنا حتى وصلنا إلى وقف إطلاق النار، ومصر كان لها دور أساسى فى هذه الجهود.

وفى كلمات قليلة، اختصر الرئيس المشهد: حرب أكلت البنية الأساسية، وأثقلت القطاع بالضحايا والنازحين، وفتحت سؤال اليوم التالي؛ من يدير غزة؟ ومن يعيد إعمارها؟ ومن يتحمل مسئولية أمنها؟ وكيف تعود إلى الإطار الوطنى الفلسطينى الواحد؟
ملف قضية التهجير
وتطرق الرئيس الفلسطينى إلى قضية التهجير مؤكدا لن نهاجر للمرة الثالثة وكان حاسمًا فى هذه النقطة وقال نصا: «الشعب الفلسطينى يرفض التهجير للمرة الثالثة. بعد عام 1948 وعام 1967 تعلمنا الدرس، لا هجرة من بلدنا، نموت فيها ولا نهاجر لافتا إلى أن شعار التهجير طرح من قبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورفضته مصر التى قالت بوضوح لا للتهجير.
هذه العبارة تختصر شيئًا أساسيًا فى الوعى الفلسطينى أن الهجرة بالنسبة إلى الفلسطينى ذاكرة ممتدة إلى 1948 و1967، وما ارتبط بهما من نزوح وفقدان للأرض والبيت ومقدمة لخسارة الحياة فى أراض غريبة.
ما يجرى فى الضفة
ومن غزة انتقل الحديث إلى الضفة الغربية وقال الرئيس عباس: هناك اجتياح من المستوطنين فى الضفة الغربية فى الشمال والوسط والجنوب، وتحدث هذه الاعتداءات فى حماية قوات الاحتلال، وتحدث عن الاستيطان باعتباره أحد أخطر العوامل التى تضغط على إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة .
ثم انتقل الرئيس عباس إلى تقدير الموقف للوضع الراهن لافتا إلى أن أهم تطور فى ملف الاستيطان هو ما جرى فى الثامن من سبتمبر الجارى، حيث أصدرت 12 دولة «كندا، الدنمارك، فنلندا، فرنسا، آيسلندا، أيرلندا، النرويج، بولندا، البرتغال، إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة» بيانًا مشتركًا أكد أن التوسع الاستيطانى والإجراءات الإسرائيلية فى الضفة الغربية تقوض حل الدولتين، وأعلنت هذه الدول نيتها فرض أو دعم قيود تجارية مرتبطة بالمستوطنات.
وهكذا لا تبدو معركة غزة منفصلة عن قضية الضفة بالنسبة إلى الرئيس عباس وكلاهما مرتبط بمعركة الدولة؛ فالخريطة التى تُرسم على الأرض اليوم، فى نظره، هى التى ستحدد شكل الدولة الفلسطينية التى يمكن أن تولد غدًا.
وعندما تحدث الرئيس عن الدولة، عاد إلى تجربته الشخصية وقال: أنا عدت إلى فلسطين بموجب اتفاق أوسلو، وعاد إلى الوطن مليون وثمانون ألف فلسطينى، وأنا واحد منهم وبموجب الاتفاق والشرعية الدولية نقلنا مقر منظمة التحرير الفلسطينية إلى الداخل الفلسطينى، ونقلنا السلطة كلها إلى الوطن.
كانت هذه واحدة من أكثر لحظات الحوار دلالة؛ فالرجل الذى يتحدث اليوم عن الدولة الفلسطينية المستقلة يتذكر اللحظة التى انتقلت فيها القيادة الفلسطينية من الخارج إلى الداخل، وانتقل معها المشروع الوطنى من فضاء الثورة والمنفى إلى فضاء السلطة والمؤسسات وخاصة منظمة التحرير والمجلس الوطنى الفلسطينى.
المجلس الوطنى الفلسطينى
وتحدث الرئيس الفلسطينى باستفاضة عن المجلس الوطنى الفلسطينى باعتباره الكيان الحاضن للفلسطينيين حول العالم.
وكان التحرك الدولى للاعتراف بالدولة الفلسطينية حاضرًا بقوة فى حديثه وقال لدينا اليوم 160 دولة تعترف بالدولة الفلسطينية متوقعا أن يزداد العدد بنهاية العام وهو ما يعكس حجم الجهد الدبلوماسى واستفادة القضية الفلسطينية من الزخم الدولى حول الحق الفلسطينى والجهود العربية المبذولة وخاصة من جانب مصر والدول العربية بالإضافة إلى المبادرة السعودية الفرنسية
سألنا الرئيس عن الولايات المتحدة، وعن المسافة التى تفصل الموقف الرسمى الأمريكى عن التحولات التى يراها فى الرأى العام وقال إن الإدارة الأمريكية لا تريد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولكنى أرى أنها فى الطريق إلى ذلك، لأن الرأى العام الأمريكى يتحول لصالحنا ووضع الرئيس أمامنا نموذجا دالا على ذلك وهى تجربة حكومة نيلسون مانديلا فى جنوب إفريقيا، مؤكدا أننا تعلمنا درس نيلسون مانديلا، العالم كله وقف معه، إلا الولايات المتحدة، حتى اعترفت به فى النهاية.
استدعى الرئيس عباس تجربة جنوب إفريقيا بوصفها مسارا سياسيا ناجحا ودالا على قدرة النضال السياسى والدبلوماسى وقدرة تراكم الاعتراف الدولى على تغيير مواقف القوى الكبرى.
ومن السياسة الأمريكية إلى الجالية الفلسطينية والعربية هنا قال عباس: إن «المجلس الفلسطينى الأمريكى تأسس منذ عشر سنوات، وعدد أعضائه اليوم 50 ألف عربى ومسلم، ويعمل على التوعية بالقضية الفلسطينية وهو تحرك مهم فى طريق تشكيل جماعة ضغط تخدم القضية الفلسطينية فى الداخل الأمريكى».
التحولات داخل إسرائيل
وعن التحولات داخل المجتمع الإسرائيلى، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية قال الرئيس عباس: نتابع التطور الحادث فى الداخل الإسرائيلى، وهناك جرأة فى الحديث الإيجابى عن الحق الفلسطينى لكنه حذر فى الوقت نفسه من أن أى حادث أمنى قبل الانتخابات يمكن أن يعيد إنتاج الخطاب الأكثر تشددًا.
وشدد على أن أى حادث أو اعتداء يقع قبل الانتخابات لن يخدم سوى اليمين المتطرف، وستكون ذريعة يتم استخدامها ضد غزة والقضية الفلسطينية.
الرئيس عباس هنا لا يتنبأ بنتيجة الانتخابات، وإنما يقرأ تأثير الأحداث الأمنية على الخطاب السياسى الإسرائيلي؛ وهى نقطة مهمة فى فهم رؤيته للمرحلة المقبلة، فضلا عن أنها تحمل توضيحا لاستعداد القيادة الفلسطينية لكل الاحتمالات عقب انتهاء الانتخابات سواء بفوز بنيامين نتنياهو أو فوز المعارضة الإسرائيلية.
الرئيس عباس لم يخفِ رأيه فى بنيامين نتنياهو معتبرا أنه السبب فى تدمير مسار أوسلو وتأخير حل الدولتين، وما ترتب على ذلك من دمار وقتل للشعب الفلسطينى.
كان للانتخابات الفلسطينية نصيب كبير من الحوار، قال الرئيس عباس: إننا نبذل جهودًا كبيرة لإقامة الانتخابات الفلسطينية فى 28 نوفمبر المقبل، وأن الانتخابات ستتم عبر لجنة مستقلة برئاسة الدكتور رامى الحمد الله وهى صاحبة القرار فى كل مجريات العملية من فتح باب الترشيح وحتى إعلان النتائج وعن الموقف الإسرائيلى منها قال الرئيس إن إسرائيل تحاول عرقلة الانتخابات فى غزة والقدس.
ثم انتقلنا إلى العبارة الأهم حيث يرى الرئيس عباس أن الانتخابات ممر إجبارى لتوحيد الجغرافيا والديموغرافيا، والمحافظة على وحدة الوطن الفلسطينى فى مواجهة مخطط التقسيم.
وهنا يتحول صندوق الاقتراع إلى أكثر من استحقاق دستوري؛ يصبح، فى رؤية الرئيس، أداة لإعادة بناء الوحدة الفلسطينية وجزءًا أساسيًا من المشروع السياسى والديمقراطى.
ثم كشف عباس عن رسائل أمريكية قال إنها طلبت تعطيل الانتخابات وقال: الولايات المتحدة أرسلت رسائل تطلب فيها تعطيل الانتخابات، ولم نرد عليها.
وعندما سألناه عن حضوره لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قال عباس: الولايات المتحدة رفضت للمرة الثانية إعطائى تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعطوا إيران!
ثم عاد الرئيس عباس إلى جوهر الصراع، إلى الأرض التى يرى أن المعركة الحقيقية تدور حولها قائلا: إن إسرائيل تبحث عن تطبيق الشعار القديم الكاذب: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وتهجير الفلسطينيين كما حدث فى عامى 1948 و1967، لكن الله معنا والزمن معنا.
وكان ملف المصالحة من أكثر محاور الحوار وضوحًا وحسمًا، قال عباس: أريد المصالحة مع الكل، ولا أستثنى أحدًا، كل من هو فلسطينى من حقه المشاركة، المهم أن يكون متوافقًا مع سياسة منظمة التحرير الفلسطينية، ومؤمنًا بالشرعية الدولية، وأننا دولة واحدة بمؤسسات واحدة وسلاح واحد وبدون ميليشيات، لأننا جربناها ولا نريد أن تموت الناس ببلاش.
وأعلن أنه قريبًا سيكون هناك مؤتمر للمصالحة تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية وبرعاية القاهرة.
وعندما وصلنا إلى صفقة القرن، كان جواب الرئيس مختصرًا وحاسمًا: رفضت صفقة القرن لأنها وضعت عاصمة فلسطين أبو ديس وليست القدس مؤكدا أن أى صيغة للحل لا تتضمن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية لن تكون مقبولة.
وعن شكل إدارة قطاع غزة بعد الحرب، ودور السلطة الفلسطينية قال عباس إن مجلس السلام فى غزة يدير شئون القطاع بشكل مؤقت، ولدينا علاقة جيدة معه من أجل مصلحة شعبنا وضمان دخول المساعدات إلى القطاع والمحافظة على وقف إطلاق النار.
وصل الحوار إلى محطة إسرائيل الكبرى وكان للرئيس عباس قراءة خاصة للمشهد حيث يرى عباس خطورة فى بقاء الخط الأصفر الإسرائيلى فى غزة وسوريا حيث ستبقى إسرائيل بقواتها وتتمدد وهذه الصيغة يجب الحذر منها.
اخبار اليوم




