“الرباعي المظلم” بين التشريعية أم الرئاسية أولًا؟

“الرباعي المظلم” بين التشريعية أم الرئاسية أولًا؟
بكر أبوبكر
يشتد الجدل بين الفلسطينيين هذه الأيام ونحن مقبلون على موسم انتخابات حول عدة مواضيع ذات صلة التي منها جدل الأولويات إذ كيف يُطالَب الفلسطينيون بالتحضير لصناديق الانتخابات بينما يواجهون حرب إبادة وتدمير للبنية التحتية وتوسع لعصابات إرهاب التلال المستخرِبة في الضفة الفلسطينية.
وفي ذات الجدل يتم تناول فكرة أن الديمقراطية الحقيقية تتطلب حماية القانون وحق الإنسان بالحياة أولًا، أما النقطة الأخرى مثار الجدل فتتعلق بتعديلات القانون للعام 2026م، وبالنقطة الثالثة فإن العوائق الإدارية الميدانية تبرز جلية من تعطيل متوقع من قوات الاحتلال أو العصابات ويكاد يكون التعطيل واضحًا للعيان ومؤشراته لا تخطئها العين.
أما رابعًا فيدور بالأروقة الحوار عن عشرات القوائم وذلك نظرًا لانخفاض نسبة الحسم والعدد المطلوب لتشكيل قائمة ما يمكّن قبيلة أو عشيرة أو بلدة من تشكيل قائمة!؟ وقد تنجح محققة عددًا من المقاعد ما ينزع الروح الوطنية العامة بمثل هذه الانتخابات.
أما بالنقطة الخامسة فلقد برز حديثًا النقد حول الأولوية بين التشريعي أو الرئاسي، لأسباب عديدة منها أن النظام أصلًا رئاسي والرئيس الحالي قد تجاوز التسعين عامًا، ما يعني لرجل تاريخي مثله أنه سيسعى لاختيار القادم بحكمة القرار الجماعي كما يتردد الحديث في مواجهة الاتهامات بعقلية الاستفراد والاستبداد.
وفي هذه النقطة الأخيرة يخرج النقاش خاصة على وسائط التواصل (هي التبعثر) الاجتماعي عن مساره اللائق أو المهذب حيث تجد الطعن فيمن يتخذ موقفًا مختلفًا عن السائد أو عن الرائج (trend) فتبدأ حملات الاتهام والتهجم والشتم فيما أصابت محمود عباس وناصر القدوة وجبريل الرجوب وأحمد يوسف وغيرهم بتشهيرلا يرقى قط لمستوى النقد المطلوب والضروري في مجتمع عربي فلسطيني مدني ديمقراطي حضاري يرفض التقديس واحتكار الدين أو احتكار الوطنية أو الفكرة المطلقة.[1]
سواء كان الرأي متصلًا بالبدء بانتخابات الرئاسة أو التشريعي فهما رأيان قابلان للنقاش بالمجال الوطني العام وفي إطار الاحترام والأدب والرأي والرأي الآخر المتوجب ألا يقترن بالشحنات العاطفية المسمومة، والحسابات المسمومة، تلك التي صاحبت أجواء فلسطين والمنطقة العربية بشكل مُسِفّ خاصة منذ الطوفان عام 2023م.
هنا سنتوقف للحظات للنقاش بعيدًا عن السياسة، وبالاتجاه نحو السلوكيات الإنسانية والتنظيمية فيما وراء الحملات المنظمة من تلك الفئة القليلة لكن شديدة السُميّة والتأثير التي تندرج بإطار التزوير والاستمتاع بالكذب وترويج الإشاعات وإيذاء الآخرين، وما إليه من تأليف وبث الإشاعات حيث تختفي الحقيقة بين أكوام التحريفات مع خيط واهٍ من الحقيقة.
نحن أمام “رباعي مظلم” كما أسماه العالم الكندي البرفسور”ديلروي بولهوس Delroy L. Paulhus“[2] يشكل من الشخصيات المنحرفة والمزورة والصخّابة المنتشرة على وسائط التواصل الاجتماعي من الشخصيات المضادة للمجتمع (السيكوباثية)، والمفتتنة بذاتها (النرجسية) والذرائعية الميكافيلية حيث الغاية تبرر الوسيلة، والرابعة هي المحبة لإيذاء الآخرين (المازوخية والسادية)[3] بل ويمكن إضافة تلك المصابة بالكذب المَرَضي لعالم آخر[4].
يرجع العلماء أسباب وجود مثل هذه الشخصيات بأي مجتمع لعوامل المرتبة النفسية المتدنية، والغيرة وآلية الإسقاط النفسي (حيلة دفاعية ينسب فيها الحاقد عيوبه ونقائصه للآخرين) إضافة للبحث المرضي عن الاهتمام ما يؤدي للمبالغة والتطرف والتهويل والتضخيم كما تفعل الفضائية س والفضائية ص وهذه الشخصيات، ويضيفون الى ما سبق ما يسمونه الانحياز التأكيدي والتطرف الفكري حيث أن الأيديولوجيين يحرّفون الأخبار عمدًا لتناسب روايتهم فيرون ب”العدو” الشر المطلق ويبررون الطعن به كما تفعل التنظيمات الإسلاموية وتلك المسيحانية المتطرفة وتلك اليهودية اليمينية والإرهابية وغيرها، إضافة لعامل حب الانتقام المرتبط بالشعور بالمظلومية، كما يظهر عامل الحقاد أو الحقد الاجتماعي وكسر الهيبة ما يجلب المتعة لدى مروجي الإشاعات في تدمير سمعة الآخرين ذوي النفوذ او المكانة كنوع من التعويض النفسي عن شعورهم بالانحطاط أو الدونية أو التهميش، وهي كلها أسباب تقف وراء عمليات التزوير والتحريف والتشهير والكذب والطعن.
من الذين يقومون بالكذب والتدجيل والمبالغات والشيطنة هم بين فئات ثلاث كجهات محددة أولاها أجهزة الدعاية المعادية للعربي والفلسطيني وعلى رأسها الاحتلال الصهيوني، إضافة لأصحاب الحقد من الأخصام السياسيين وذوي الاستقطاب الحاد الذين يصنعون الإحباط ويستمتعون بتفكيك الحاضنة الشعبية والتدمير، وهم أصحاب “النصر لنا لا غيرنا”! والفئة المجتمعية أو الحزبية والسياسية الثالثة هنا هم المحبطون والناقمون المتلبسون لعقلية الضحية.
يقول العلماء أن هذه الفئات سواء تلك المرتبطة ب”الرباعي المظلم” أو غيرها لا تتجاوز 5-10% بالواقع إلا أن تأثيرهم الرقمي على وسائط التواصل (التبعثر) الاجتماعي توازي 80% من الضجيج والكذب والإشاعات (دراسة معهد بيو للأبحاث (Pew Research Center) حول منصة إكس حيث تُعد هذه الدراسة من أدق المراجع التي وثقت أن 10% فقط من المستخدمين ينتجون الأغلبية الساحقة من المحتوى. فهي المسؤولة عن إنتاج 97% من التغريدات والمنشورات السياسية، وقس على ذلك).[5] وهذه الـ 10% تضم النسبة الأعلى من المتطرفين أيديولوجياً وأصحاب “الرباعي المظلم” (0.1% ينشرون 80% من الأخبار الكاذبة) الذين يفرغون طاقاتهم في التشويه والطعن، مما يخلق انطباعاً زائفاً بأن هذه الأكاذيب تمثل رأي الشارع.[6]
الحاصل ينتشر نتيجة الذباب الرقمي والتمرس بالخداع Online Trolling كما يشير البرفسور ديلروي بولهوس فهم الفئة الأكثر نشاطًا وعدوانية على الشابكة (انترنت) مع إنشائهم عشرات الحسابات لتدمير من يستهدفونه أضف لذلك بنية الخوارزميات التي ترفع التفاعل القائم على التحريف والفضائح والكراهية والتطرف ما يثير الغضب والفضول (ينشر 6 أضعاف الحقيقة) كما صناعة وهم الاجماع Illusion of Consensus بتكرار الكذبة وبأشكال متنوعة وبدأب ومثابرة الذباب فيبدأ الناس العاديون بتصديق الرواية المحرفة لمجرد أنها “منتشرة بكثرة.[7]
خلاصتنا هنا أن الرأي أو النقد من الزاوية التنظيمية أو السياسية أو المجتمعية من المهم أن يقال ومن المهم أن يسمعه المسؤول بعيدًا عن الاستبداد أو الإهمال ما يجعل من الديمقراطية كحق تقدم الحياة أولًا وتمارس حرية الرأي مع التنبه الضروري للرباعي المظلم المتحكم بوسائط التواصل الاجتماعي والعقول الخاوية.
الهوامش
[1] أنظر ابن رشد وابن سبعين وهيغل ود.عبد الرحمن بدوي، ود.مراد وهبة، وزكي نجيب محمود.
[2] https://www.researchgate.net/
[3] https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/
[4]تحت عنوان الهوس الأسطوري https://npistanbul.com/ar
[6] https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/
[7] https://simonsinek.com/
بكر أبوبكر



