السعودية تخسر بوابتها الجنوبية: شبح تصفير الصادرات يتقدّم

السعودية تخسر بوابتها الجنوبية: شبح تصفير الصادرات يتقدّم
يؤدي فقدان السعودية منفذها عبر باب المندب إلى تعقيد مسارات تصدير النفط، بعدما اضطُرّت إلى الاعتماد على طرق بحرية بديلة أقلّ كفاءة وأكثر كلفة وتحديداً للمشترين الآسيويين. وهو تحوّل من شأنه أن يضاعف الضغوط على حركة صادرات المملكة ويقلّص مرونتها اللوجستية.
بعد أقلّ من شهرَين على إعلان «أنصار الله» الحصار البحري على السعودية في تموز الماضي، سيطرت الحركة، خلال اليومَين الفائتَين، على كامل المناطق التي كانت خارج نطاق نفوذها في الساحل الغربي، محقِّقةً بذلك حضوراً مباشراً في مضيق باب المندب والجزر الواقعة فيه. ويطرح هذا التحوّل علامات استفهام كثيرة حول مدى قابلية استمرار السعودية في اعتماد طريق البحر الأحمر -الذي أُغلق أمامها جزئياً بفعل الحصار اليمني- لتمرير صادراتها، وذلك في ظلّ استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
هكذا، وبعدما بات المنفذ الغربي للمملكة مغلقاً تماماً، وفي الوقت الذي لا يزال فيه «هرمز»، أي بوابتها الشرقية، بعيداً من العودة إلى وضعه الطبيعي، تتكاثر الأسئلة حول المسارَين اللذين اتّبعتهما الرياض، سواء الجنوبي (باب المندب) الذي يتعرّض لعملية خنق تدريجية، أو الشمالي (قناة السويس) الذي تُرافق استخدامه ضغوطٌ ومصاعب كبيرة. وكانت السعودية، بعد إغلاق «هرمز»، بدأت بتحويل كميات ضخمة من النفط الخام من المنطقة الشرقية -عبر خط «شرق – غرب»- إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، الذي بات يمثّل «صمّام الأمان» لصادراتها. وبفعل هذا الإجراء، بلغت الصادرات عبر «ينبع» 4.18 مليون برميل يومياً في نيسان، و3.77 مليون في أيار، و4.14 مليون في حزيران، علماً أن كميات النفط السعودي المارّ جنوباً من طريق باب المندب نحو آسيا، لم تتجاوز قبل الحرب 633 ألف برميل يومياً. وفي مطلع تموز، عندما كان «باب المندب» لا يزال مفتوحاً أمام الخام السعودي، تجاوزت الكميات العابرة من المضيق، 3.5 مليون برميل يومياً، وذلك بحسب بيانات «Kpler»، والتي أشارت أيضاً إلى ارتفاع مخزونات النفط في محطّتَي ينبع والمعجز إلى نحو 17 مليون برميل، واقترابها من أعلى مستوياتها.
وإذ جاء هذا الارتفاع قبل إعلان «أنصار الله» الحصار على السفن التجارية المرتبطة بالموانئ السعودية العابرة للمضيق، في 20 تموز، ظهر الأثر المباشر لذلك الإغلاق جليّاً عند عزل حركة الخام السعودي في «باب المندب» عن مجمل الإمدادات. فبحسب بيانات «Kpler»، تجاوز متوسط العبور الأسبوعي للخام السعودي عبر المضيق، 3.5 مليون برميل يومياً في مطلع تموز، مدفوعاً بارتفاع صادرات «ينبع». ومنذ منتصف تموز، انخفضت هذه الحركة بصورة حادّة، حتى أصبحت قريبة من الصفر في آب. أيضاً، قدّرت «Kpler» أن إجمالي صادرات الخام السعودية هبط في آب إلى نحو 3.2 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في 13 عاماً.
ولا يعود هذا الانخفاض في الإنتاج والصادرات إلى الحصار على «باب المندب» وحده؛ إنما يتّصل أيضاً بمجموعة متزامنة من الضربات والاختناقات التي أصابت منشآت النفط وطرق نقله وتصديره، شملت استهداف «أنصار الله» سفناً تعبر باب المندب، ومصفاة جازان، وعمليات الملاحة قرب ينبع، فضلاً عن استهداف منشأة معالجة النفط في بقيق بطائرات مسيّرة. وظلّ الأمر كذلك إلى أن بدأت السعودية اعتماد المسار الشمالي، انطلاقاً من «ينبع» إلى «السويس» (عبر خطّ «سوميد») وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث ارتفع الخام السعودي العابر للمسار المذكور من مستوى يقارب الصفر في أيار وحزيران، إلى نحو 500 ألف برميل يومياً بحلول أواخر تموز. وفي الوقت نفسه، قفزت الشحنات المتّجهة إلى ميناء «العين السخنة» المصري من نحو 770 ألف برميل يومياً في حزيران إلى 1.32 مليون برميل يومياً في تموز، فيما وصلت الشحنات الخارجة من «سيدي كرير» (عند الطرف الآخر من خطّ «سوميد»)، إلى مستوى قياسي بلغ 2.4 مليون برميل يومياً في الأسبوع الأول من آب.
المسار الشمالي لم يكن بالأساس «بديلاً مكافئاً» لـ«باب المندب»
كذلك، حاولت المملكة إعادة توجيه جزء من البراميل نحو الأسواق التي يَسهل الوصول إليها من البحر المتوسط. إذ خفّضت أسعار البيع الرسمية لخاماتها الخفيفة للعملاء الأوروبيين لأيلول بنحو ثلاثة دولارات للبرميل، وبنحو 50 سنتاً للبرميل لبعض الدرجات الموجَّهة إلى آسيا، وهو ما أسهم في زيادة تدفّقات الخام السعودي نحو أوروبا، وخفّف الحاجة إلى إعادة إرسال البراميل شرقاً في رحلات طويلة حول أفريقيا. غير أن المسار الشمالي لم يكن «بديلاً مكافئاً» لـ«باب المندب» وخصوصاً بالنسبة إلى الدول الآسيوية؛ إذ أطال زمن الرحلات ورفَع تكاليف الشحن وأسهم في تقييد القدرة على التحميل وتراكم المخزونات. فالناقلات العملاقة لا تستطيع عبور «السويس» محمّلة بالكامل، ما يستدعي استخدام خطّ «سوميد» لإجراء عمليات إفراغ وتحميل إضافية. أمّا الشحنات التي تخرج إلى البحر المتوسط ثمّ تتجه إلى المشترين الآسيويين، فتحتاج إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وهذا ما ظهر، مثلاً، في رحلة الناقلة العملاقة «Front Empire» التي غادرت محطة «المعجز» في السعودية في 25 تموز محمّلةً جزئياً بنحو 1.2 مليون برميل من الخام، ثمّ عبرت قناة السويس، قبل أن تستكمل حمولتها في «سيدي كرير» في 6 آب، وتتوجّه نحو آسيا عبر رأس الرجاء الصالح، في ما استغرق في مجمله قرابة 40 يوماً، مقارنةً بنحو 8 أيام في الرحلة المعتادة من «ينبع» إلى الساحل الغربي للهند عبر «باب المندب». والجدير ذكره هنا، أنه كلّما استغرقت الناقلة وقتاً أطول للوصول والعودة، بقيت خارج دورة التحميل مدّة أطول، وهو ما يحدّ من عدد الرحلات التي يستطيع أسطول الناقلات تنفيذها خلال المدة نفسها.
وسرعان ما انعكست تلك التعقيدات على المخزونات النفطية السعودية نفسها؛ فبحسب «Kpler»، ارتفعت تلك المخزونات التي ترصدها المؤسسة من نحو 61 مليون برميل (أو 52% من السعة التي تغطّيها بياناتها) في حزيران، إلى نحو 75 مليون برميل (63% من السعة) في مطلع آب. ويعني هذا التراكم أن جزءاً أكبر من النفط الذي يصل إلى منظومة التخزين لا يجري تصريفه بالسرعة نفسها إلى المشترين، وذلك في ظلّ القيود التي تواجه طرق التصدير. أيضاً، أظهرت أحدث بيانات لـ«وكالة الطاقة الدولية» حجم التراجع الذي أعقب الحصار اليمني؛ إذ انخفضت إمدادات الخام السعودي بين تموز وآب بنحو 2.3 مليون برميل يومياً، لتصل إلى ستة ملايين برميل يومياً في آب، وهو أدنى مستوى في أكثر من ثلاثة عقود. ويَظهر التراجع أيضاً في حركة تحميلات الخام السعودي -بما فيها التحميلات من البحر الأحمر والعبور غير المرصود- التي انخفضت بمقدار 1.1 مليون برميل يومياً بالمقارنة بين تموز وآب، لتصل إلى 3.5 مليون برميل يومياً في آب. وعلى خلفية تعثّر تعافي إنتاج الخليج، خفّضت الوكالة توقّعها لمتوسط إمدادات الخام السعودي في 2026 بمقدار 885 ألف برميل يومياً، إلى 7.6 ملايين.
وإذ يمتدّ مفهوم «وكالة الطاقة الدولية» لـ«الإمدادات» إلى أبعد من الإنتاج وحده، ليشمل النفط الذي يصل إلى السوق عبر الصادرات -بما لا يستثني التحميل من المخزونات-، إضافة إلى الخام المستخدم محلياً في المصافي ومحطات الكهرباء، فإن من شأن ذلك تفسير سبب اختلاف بياناتها عن الأرقام التي أبلغتها السعودية إلى «أوبك»، والتي أظهرت أن المملكة وفّرت 7.122 مليون برميل يومياً في آب، وأن إنتاجها بلغ 6.238 مليون برميل يومياً.
ولا تقتصر الضغوط الاقتصادية على القطاع النفطي؛ إذ بحسب أحدث لوحة مؤشرات لـ«وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية»، بلغت الصادرات السلعية غير النفطية، بما فيها إعادة التصدير، 22.9 مليار ريال في أيار، بانخفاض 26.1% على أساس سنوي و28.8% مقارنةً بالشهر السابق. كذلك، بلغ مؤشر «مديري المشتريات» 53.1 نقطة في تموز، منخفضاً 3.2 نقاط عن مستواه قبل عام. ومع هذا، فإن بقاء المؤشر فوق مستوى 50 يعني أن القطاع الخاص غير النفطي ظلّ في حال توسّع، وإن بوتيرة أضعف.
في المجمل، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعويض جزء من خسارة المملكة للكميات المصدَّرة؛ وهذا ما دفع «صندوق النقد الدولي»، في تموز، إلى توقُّع أن تتجاوز مكاسب الأسعار خسائر أحجام التصدير. ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع السعر لا يعوّض بالضرورة الآثار الاقتصادية الأوسع لانخفاض الإنتاج، وتعطّل التجارة، وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وهو ما ظهر بالفعل في انكماش الناتج المحلّي الإجمالي في الربع الثاني من 2026، بنسبة 4.8% على أساس سنوي، في مقابل نموٍّ نسبته 2.9% في الربع الأول. وتمثّل السبب الرئيس للانكماش في انهيار النشاط النفطي، الذي تراجع 24.7% على أساس سنوي، فيما سجّلت الأنشطة غير النفطية نمواً محدوداً نسبته 0.6%.
وفي نهاية تموز، خفّض «صندوق النقد الدولي» توقّعه لنمو الاقتصاد السعودي في مجمل عام 2026 إلى 1.7%، بعدما كان الاقتصاد قد نما 4.6% في 2025. وبينما توقّع تباطؤ نمو الاقتصاد غير النفطي إلى 2.6%، قدّر وقتذاك أن تحويل النفط عبر خطّ «شرق – غرب» إلى موانئ البحر الأحمر حدّ من تراجع تسليمات النفط، وأن ارتفاع الأسعار عوّض خسارة الكمّيات المصدرة، بما ولّد زيادة في الإيرادات النفطية. غير أن تقرير «الصندوق» المذكور صدر في 29 تموز، أي قبل أن تظهر بصورة كاملة التداعيات اللاحقة لتشديد الضغط على الملاحة السعودية في «باب المندب» خلال شهر آب، وهو ما سيتضاعف حتماً مع سيطرة «أنصار الله» على المضيق.



