تحقيقات وتقارير

السنغال: حلم التغيير يصطدم بواقع السلطة ويتحول إلى صراع شرعية في هرمها

السنغال: حلم التغيير يصطدم بواقع السلطة ويتحول إلى صراع شرعية في هرمها

لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد، لاسيما في حال تحول البرلمان إلى منصة لمواجهة الحكومة، أو إذا تصاعدت التعبئة الشعبية بقيادة عثمان سونكو.

داكار ـ: قبل أقل من عامين، بدت السنغال وكأنها تفتح صفحة جديدة في تاريخها السياسي، مع وصول الثنائي باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو إلى السلطة عام 2024، في لحظة رمزية تاريخية جسّدت طموح جيل كامل في القطيعة مع ممارسات الماضي وبناء نموذج جديد للحكم قائم على الشفافية والسيادة والعدالة. غير أن هذا الأمل سرعان ما بدأ يتلاشى وسط اصطدامه بتعقيدات الواقع، حيث تحوّل التحالف الذي أوصل الرجلين إلى الحكم إلى شدّ وجذب، أدى بعد أشهر إلى إقالة رئيس الوزراء من منصبه، لكن هذا الأخير عاد بسرعة البرق إلى المشهد من بوابة رئاسة البرلمان؛ لتدخل البلاد بذلك مرحلة سياسية مضطربة، فتحت معها باب التساؤلات حول مستقبل التجربة الديمقراطية السنغالية، التي تُعد نموذجا استثنائيا في غرب أفريقيا.

لم يكن قرار إقالة الرئيس باسيرو ديوماي فاي (46 عامًا) يوم 22 أيار/مايو لعثمان سونكو (51 عامًا) وليد لحظة مفاجئة، بل جاء نتيجة مسار طويل من التوترات المتراكمة بينهما. فمنذ صيف 2025، بدأت الخلافات تطفو إلى السطح، حين وجّه سونكو انتقادات علنية للرئيس باسيرو ديوماي فاي، متحدثًا عن «اختلال في ممارسة السلطة»، ومتهمًا القيادة بعدم الالتزام بمبدأي المحاسبة والعدالة، اللذين شكّلا حجر الأساس في خطاب حزبهم «باستيف».
تفاقمت هذه الخلافات مع مرور الوقت، لا سيما مع شعور سونكو بأن قرارات استراتيجية تُتخذ بدون التنسيق معه، رغم كونه شخصية محورية في المشروع السياسي الحاكم. وزادت إعادة تفعيل الرئيس لائتلافه السياسي ديوماي رئيسًا، وتعيين شخصيات من النظام السابق في مواقع قيادية، الطين بلّة، حيث رأى سونكو في هذه الخطوات تراجعًا عن وعود التغيير التي قادت الرجلين إلى السلطة.
يبقى العامل الاقتصادي الأكثر حساسية، في ظل الوضع المالي الصعب الذي ورثته الحكومة عام 2024، مع دين عام تجاوز 130 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتعليق برنامج صندوق النقد الدولي. وقد برزت فجوة واضحة في الرؤية بين سونكو وديوماي؛ إذ تبنّى الأول خطابًا سياديًا صارمًا، رافضًا أي إعادة هيكلة للدين أو الاعتماد على المؤسسات الدولية، في حين أبدى الثاني استعدادًا للانخراط في مفاوضات مع المانحين لتفادي أزمة مالية خانقة
إلى جانب كل ذلك، لعبت مسألة الشرعية أيضاً دورًا رئيسيًا في تعميق الأزمة بين الصديقتين والحليفين.. فبينما يستند باسيرو ديوماي فاي إلى شرعيته الدستورية كرئيس منتخب، يتمتع عثمان سونكو بشرعية شعبية قوية، لاسيما في الأوساط الشبابية وقواعد الحزب «باستيف». وخلق هذا التداخل بين شرعيتين متنافستين على ما يبدو حالة من التوتر الدائم داخل مؤسسات الحكم انتهت بقرار من الرئيس، وصف بـ«الزلزال» السياسي، بإقالة رئيس وزرائه، واضعًا حدًا للتحالف الذي أوصلهما إلى السلطة.
الحقيقة أنه يعصب فهم عمق الأزمة الحالية بدون التوقف عند طبيعة العلاقة التي جمعت بين الرجلين؛ حيث إن سونكو الذي يوصف بالزعيم الكاريزمي لحزب «باستيف»، هو من مهد  الطريق فعليا لوصول ديوماي فاي، ذراعه اليمنى ورفيقه السياسي، عندما اختاره ليكون مرشحًا بديلًا عنه، وذلك بعد منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية بسبب إدانة قضائية.
وقد خاض سونكو الحملة الانتخابية خلفه بشعار لافت: «ديوماي هو سونكو»، في رسالة واضحة للناخبين بأن التصويت للرئيس الحالي هو امتداد مباشر لمشروعه السياسي. ولعبت شعبيته الواسعة، لاسيما بين الشباب، دورًا حاسمًا في تحقيق هذا الفوز المدوي من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية.

إعادة ترتيب موازين القوى

زلزال إقالة عثمان سونكو المدوية من رئاسة الوزراء، سرعان ما تبعته بعد الـ48 ساعة فقط، هزة قوية تمثلت بإعلان رئيس الجمعية الوطنية، المالك أنجاي، استقالته من منصبه. ورغم تقديم القرار باعتباره خيارًا شخصيًا، إلا أن توقيته وسياقه السياسي حملاه دلالات أعمق، حيث أكد العديد من المراقبين والمحللين أنها خطوة تكتيكية لإفساح المجال أمام سونكو للعودة إلى البرلمان، مستفيدًا من الأغلبية الساحقة التي يتمتع بها حزب «باستيف».
وبالفعل، فتحت هذه الخطوة الباب أمام إعادة تموضع سونكو داخل النظام السياسي، مع انتخابه بسهولة يوم الـ26 أيار/مايو، رئيساً للبرلمان، أي بعد أربعة أيام من مغادرته رئاسة الحكومة. من خلال هذا المنصب، أصبح سونكو ثاني أهم شخصية في الدولة، ويمتلك أدوات دستورية تتيح له التأثير في التشريع ومراقبة عمل الحكومة. كما يمنحه موقعه منصة قوية لمواصلة التعبئة الشعبية، خاصة في ظل شعبيته الكبيرة بين الشباب.
هذا التحول عكس استراتيجية واضحة من معسكر سونكو، تقوم على نقل مركز الثقل من الحكومة إلى البرلمان، واستخدام الأدوات الدستورية لموازنة نفوذ الرئاسة. كما أنه يؤكد أن الصراع لم يعد مجرد خلاف شخصي بين صديقي وحليفي الأمس، بل بات صراعًا مؤسساتيًا على التحكم في مفاصل الدولة.
عشية انتخاب سونكو رئيسًا للبرلمان، سعى الرئيس ديوماي فاي إلى استعادة زمام المبادرة من خلال تعيين الاقتصادي البارز أحمدو الأمين لو رئيسًا جديدًا للوزراء. وهو اختيار ذا طابع تقني أكثر منه سياسي، في ظل الحاجة الملحة لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تواجه البلاد، وفي محاولة على ما يبدو لتهدئة الأسواق واستعادة ثقة المانحين، في وقت تتزايد فيه الضغوط المالية.
يتمتع رئيس الوزراء الجديد بخبرة واسعة في المجال المالي، لاسيما من خلال عمله في البنك المركزي لدول غرب أفريقيا. وقد حاول في أول تصريحاته طمأنة الرأي العام، مشددا على أن السنغال ستظل دولة مستقرة، رغم التحديات الراهنة. كما أكد على الاستمرارية في التوجهات العامة، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن التغيير سيكون في «الأسلوب»، في إشارة إلى اعتماد نهج أكثر براغماتية في التعامل مع الشركاء الدوليين، بدون التخلي عن الخطاب السيادي الذي ميّز المرحلة السابقة.

بين التعايش الهش والتصعيد المفتوح

في المقابل، حاول سونكو، خلال خطابه الأول كرئيس للبرلمان، تقديم نفسه كضامن للاستقرار المؤسساتي، مؤكدًا أنه لن يسعى إلى خلق أزمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن البرلمان لن يكون تابعًا للسلطة التنفيذية؛ فيما بدا أنها رسالة واضحة تعكس توازنا دقيقا بين التهدئة السياسية والحفاظ على موقعه كخصم قوي للرئاسة.
يرى مراقبون ومتابعون أن هذه التطورات تضع السنغال أمام مفترق طرق حاسم من حيث السياق والتوقيت؛ فمن جهة، هناك إمكانية لقيام نوع من التعايش الحذر بين الرئيس ورئيس البرلمان، يقوم على توزيع غير رسمي للسلطة، بما يسمح بتجنب شلل مؤسساتي في ظل التحديات الاقتصادية الكبيرة؛ ومن جهة أخرى، لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد، لاسيما في حال تحول البرلمان إلى منصة لمواجهة الحكومة، أو إذا تصاعدت التعبئة الشعبية بقيادة عثمان سونكو؛ مع التذكير، أن الأفق الانتخابي، لاسيما الانتخابات الرئاسية في 2029، قد يزيد من حدة التنافس بين الرجلين.
ويبقى احتمال حل البرلمان أداة ضغط  ممكنة للرئيس باسيرو ديوماي، لكنه خيار مقيد في الوقت الراهن دستوريًا، حيث لا يمنع اللجوء إليه قبل مرور فترة زمنية محددة على الانتخابات التشريعية الأخيرة، أي قبل شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2026. في الانتظار، فإن هذا القيد يمنح سونكو، الذي يسيطر حزبه «باستيف» على أغلبية مريحة داخل البرلمان، هامشًا واسعًا للمنارة بدون الخشية من حلّ المؤسسة التشريعية.
كل هذا وذاك يضع التجربة السنغالية، التي لطالما تم تقديمها كنموذج للاستقرار الديمقراطي في غرب أفريقيا، أمام اختبار حقيقي، يتمثل في كيفية إدارة صراع داخلي بين حلفاء الأمس بدون الانزلاق إلى أزمة مؤسساتية، تبدو البلاد في غنى عنها في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة، وسط سياق دولي مضطرب.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب