
العراق… الوطن الذي أُرهقته ظلال الإمبراطوريات.
حامد الضبياني
ليست الكارثة في سقوط المدن، فالمدن تُهدم ثم تُبنى، ولا في خراب الاقتصاد، فالأمم العظيمة كثيرًا ما خرجت من تحت الرماد أكثر قوة وصلابة، وإنما الكارثة الحقيقية تبدأ حين يفقد الوطن صورته في مرآة نفسه، وحين يصبح الشعب عاجزًا عن التمييز بين حدوده وحدود الآخرين، بين صوته وصدى الأصوات القادمة من وراء الجبال والبحار.العراق لم يكن يومًا دولةً عادية في التاريخ؛ إنه ذلك الكائن القديم الذي تعلّم العالم على يديه كيف يكتب اسمه فوق الطين، وكيف يحوّل النهر إلى حضارة، واللغة إلى خلود. لكنه في العقود الأخيرة بدا كشيخٍ حكيم أُنهكته الحروب حتى صار يجلس على قارعة الجغرافيا يراقب أبناءه وهم يتنازعون على مفاتيح بيتٍ لم يعودوا يعرفون لمن يعود. ومنذ عام 2003 لم تعد المأساة العراقية مجرد أزمة حكم أو فساد سياسي، بل تحوّلت إلى أزمة معنى. إذ لم يعد السؤال: من يحكم العراق؟ بل: لمن يعمل العراق؟ ولأي مشروع يُستنزف؟ وكيف تحوّل وطنٌ كان يُفترض أن يكون مركز توازن في المنطقة إلى رئة تتنفس منها صراعات الآخرين؟ لقد أدركت إيران، ببراغماتية الإمبراطوريات القديمة، أن السيطرة على العراق لا تحتاج إلى جيوش جرارة بقدر ما تحتاج إلى فراغ داخلي. فالدول لا تُحتل دائمًا بالدبابات؛ أحيانًا يكفي أن تُترك أبوابها مشرعة للطائفية، وأن يُزرع الخوف في روح المجتمع، وأن تُستبدل الهوية الوطنية بهويات أصغر تتقاتل فيما بينها كجزر معزولة داخل بحرٍ واحد. وهكذا لم يعد النفوذ الإيراني مجرد علاقة سياسية بين دولتين متجاورتين، بل تحوّل مع الوقت إلى شبكة متداخلة من المصالح والولاءات والسلاح والاقتصاد والرموز العقائدية، حتى بدا العراق وكأنه يعيش بحكومتين؛ واحدة تُرى على شاشات التلفاز، وأخرى تتحرك في الظل وتمسك بخيوط اللعبة الثقيلة. لقد أصبح العراق بالنسبة لطهران أكثر من جار جغرافي؛ صار منفذًا اقتصاديًا يخفف وطأة العقوبات، وعمقًا أمنيًا يقيها ارتدادات العزلة، وممرًا استراتيجيًا يمتد من حدودها حتى تخوم المتوسط. لكن المأساة لا تكمن هنا فقط، بل في أن العراق دفع ثمن هذا الدور من روحه ومؤسساته واستقراره ومستقبل أجياله.
فالبلد الذي كان ينبغي أن يُبنى على أساس المواطنة والقانون، جرى تحويله إلى ساحة نفوذ متشابكة، تتنازعها القوى الإقليمية كما تتنازع الغربان جسدًا متعبًا في صحراء مفتوحة. وفي كل مرة كان العراقي يحلم بدولة، كانت الطوائف تسحبه إلى متاريسها، وكانت الأحزاب تذكّره بأن الولاء للمذهب أو الحزب أهم من الولاء للوطن. والمفارقة المريرة أن العراق، بكل هذا الغنى النفطي والمائي والبشري، صار يعيش فقرًا في أبسط معاني الدولة. فالكهرباء المؤقتة أصبحت تشبه الهدنة، والماء النظيف أمنية، والوظيفة ميراثًا حزبيًا، بينما تُرفع في الساحات شعارات الانتصارات الكبرى والمشاريع الكونية.كأن المواطن العراقي طُلب منه أن يعيش جائعًا كي يشعر بالشبع الأيديولوجي، وأن يتحمل الخراب المحلي من أجل مجدٍ إقليمي لا يعود عليه إلا بمزيد من العزلة والخوف. إن أخطر ما فعله النفوذ الخارجي بالعراق أنه لم يكتفِ بإضعاف الدولة، بل أضعف فكرة الدولة نفسها. فحين يكبر السلاح خارج القانون، ويتحول الفساد إلى ثقافة حكم، وتُختزل الوطنية في الولاء للمحاور، يصبح الوطن مجرد فندق مؤقت للقوى المتصارعة، لا بيتًا دائمًا لأبنائه. غير أن تحميل الخارج وحده مسؤولية المأساة ليس سوى هروب مريح من الحقيقة. فالأمم لا تُخترق إلا حين تتآكل من الداخل. والطائفية لم تهبط من السماء، والفساد لم يولد على الحدود، بل نما في تربة الخوف والطمع والصمت الطويل. لقد ساهمت النخب السياسية، بقصد أو بجهل، في صناعة عراق هشّ، يمكن لأي مشروع إقليمي أن يتسلل عبر شقوقه. ولهذا فإن الخلاص لا يبدأ بشعار عدائي ضد هذه الدولة أو تلك، بل يبدأ بإعادة تعريف العراق لنفسه. فالدولة التي تريد النجاة لا تستطيع أن تبقى رهينة لفكرة “المحور”، لأن المحاور بطبيعتها متحركة، بينما الأوطان لا تحتمل أن تكون حقائب سفر لمشاريع الآخرين. إن العراق يحتاج اليوم إلى ثورة وعي لا إلى ثورة غضب فقط. يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وإلى تحرير العقل من سجون الطائفة والخوف والشعارات الجاهزة.فالمشكلة ليست في تعدد الانتماءات، بل في تحوّلها إلى جدران تفصل العراقي عن أخيه العراقي.
الحل لا يكون بإقصاء مكوّن أو الانتقام من تاريخ، بل ببناء عقد وطني جديد يجعل الدولة أعلى من الجميع، والسلاح بيد القانون وحده، والاقتصاد قائمًا على الإنتاج لا على التهريب والاعتماد الريعي، والسياسة قائمة على الكفاءة لا على القرابة العقائدية والحزبية. كما أن العراق بحاجة إلى سياسة خارجية تستعيد معنى التوازن، فلا يكون تابعًا لهذا المحور أو ذاك، بل دولة تحمي مصالحها أولًا، وتتعامل مع جوارها وفق مبدأ المصالح المتبادلة لا التبعية العاطفية أو الأيديولوجية. فالدول العاقلة لا تدخل الحروب بالنيابة، ولا تحوّل شعوبها إلى وقود لصراعات لا تنتهي. وعلى المستوى الاجتماعي، لا بد من مشروع ثقافي يعيد ترميم الهوية العراقية التي تمزقت طويلًا. فالوطن لا يحميه السلاح وحده، بل تحميه أيضًا المدرسة والجامعة والمسرح والكتاب والذاكرة المشتركة. حين يشعر العراقي أن انتماءه للعراق يمنحه الكرامة والعدالة والفرصة، ستتراجع تلقائيًا كل الولاءات الضيقة التي تغذت على غياب الدولة. إن العراق اليوم يشبه نخلةً عتيقة تضرب جذورها في أعماق التاريخ، لكنها محاصرة بعواصف السياسة والدين والسلاح والجغرافيا. غير أن الأشجار العريقة لا تموت بسهولة، حتى وإن انحنت طويلًا أمام الريح. وما يحتاجه العراق ليس معجزة، بل شجاعة أخلاقية تعترف بأن الوطن لا يُبنى بالمظلومية الدائمة، ولا بالشعارات الصاخبة، بل ببناء الإنسان الحر والدولة العادلة.وحين يدرك العراقيون أن الأوطان ليست ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، بل كرامة جماعية ومصير مشترك، عندها فقط سيخرج العراق من كونه رئةً لحروب الآخرين، ليعود قلبًا نابضًا للحياة في الشرق كله.




