العراق بين «حتمية الرد» وحسابات الدولة
وحدة العراقيين وإعادة بناء التوافق الوطني مدخل لاستعادة مكانة العراق العربية والإقليمية والدولية

العراق بين «حتمية الرد» وحسابات الدولة
وحدة العراقيين وإعادة بناء التوافق الوطني مدخل لاستعادة مكانة العراق العربية والإقليمية والدولية
بقلم رئيس التحرير
يدخل العراق مرحلة دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة والأمن الوطني مع حسابات إقليمية ودولية متشابكة، على خلفية الضربات التي استهدفت مواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي»، وما تبعها من تهديدات بالرد، مقابل تحرك حكومي لاحتواء التصعيد ومنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات.
لكن التعامل مع هذه التطورات لا ينبغي أن ينفصل عن السؤال الأهم: كيف يستطيع العراق استعادة وحدته الوطنية ودوره العربي والإقليمي والدولي، بعد سنوات طويلة من الانقسامات والتجاذبات التي تعمقت منذ غزو العراق عام 2003؟
فالمرحلة الراهنة تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، فتح صفحة وطنية جديدة يتشارك فيها جميع العراقيين، بعيداً عن الاصطفافات التي كرستها سنوات الصراع، وبما يعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة والمواطنة والمؤسسات.
لقد أفرزت مرحلة الاحتلال وما أعقبها من ترتيبات سياسية وأمنية واقعاً جديداً في العراق، وترافق ذلك مع قرارات وإجراءات اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول بريمر، كان لها تأثير عميق في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والمشهد السياسي والأمني والاجتماعي العراقي. ومن أبرزها حل الجيش العراقي وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، وهي تطورات ما زالت آثارها حاضرة في النقاش العراقي حتى اليوم.
ولا يعني استحضار تلك المرحلة إعادة فتح جراح الماضي أو توزيع الاتهامات، بقدر ما يعني إدراك جذور الأزمة والعمل على تجاوز نتائجها.
الوحدة العراقية شرط لاستعادة الدور
العراق اليوم بحاجة إلى حوار وطني شامل لا يستثني أي قوة سياسية أو مكوّن اجتماعي يؤمن بوحدة العراق وسيادته واستقلال قراره.
فلا يمكن بناء دولة قوية في ظل انقسام مجتمعي أو سياسي دائم، كما لا يمكن أن يستعيد العراق مكانته العربية والإقليمية والدولية إذا بقيت ساحته الداخلية مفتوحة أمام التجاذبات الخارجية.
ومن هنا فإن الحوار المطلوب لا ينبغي أن يكون تفاوضاً بين قوى متنافسة على النفوذ فحسب، بل حواراً على مشروع وطني عراقي جامع يحدد شكل الدولة، وأسس العلاقة بين مكوناتها، ومستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وحدود العمل السياسي، وموقع العراق في محيطه العربي والإقليمي والدولي.
الدولة أولاً
إن حصر السلاح بيد الدولة يمثل جزءاً أساسياً من بناء الدولة الحديثة، لكنه يحتاج إلى معالجة وطنية متدرجة تضمن عدم تحول الملف إلى صدام داخلي.
كما أن حماية السيادة العراقية تقتضي رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، وفي الوقت ذاته رفض أي اعتداء خارجي على العراق.
وهذه المعادلة لا تتحقق إلا بدولة موحدة قادرة على امتلاك قرارها الأمني والسياسي، وبمؤسسات عسكرية وأمنية تحظى بثقة العراقيين جميعاً.
تقدير موقف
من منظور استراتيجي، فإن أولوية العراق في المرحلة المقبلة يجب ألا تكون إدارة التصعيد فحسب، وإنما إعادة بناء التوافق الوطني.
والخطوة الأكثر إلحاحاً تتمثل في عقد حوار عراقي شامل تشارك فيه جميع القوى السياسية والاجتماعية، بهدف الوصول إلى اتفاق وطني يتجاوز خلافات مرحلة ما بعد 2003، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها وحدة العراق والعراقيين.
إن العراق يمتلك من التاريخ والحضارة والثقل الجغرافي والسياسي والاقتصادي ما يؤهله لاستعادة دوره العربي والإقليمي والدولي، لكن ذلك يتطلب أولاً ترتيب البيت الداخلي، وإنهاء منطق المحاور، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية.
والعراق لا يحتاج اليوم إلى انتصار طرف عراقي على طرف آخر، بل إلى انتصار العراق على الانقسام.
فالخروج من دوامة الصراع لا يكون بالردود العسكرية وحدها، ولا بالتسويات المؤقتة، وإنما بإعادة بناء عقد وطني يجمع العراقيين على قاعدة المواطنة والسيادة ووحدة الدولة.
ومن هنا، فإن فتح صفحة جديدة لا يعني نسيان الماضي، وإنما التعلم من دروسه وتجاوز آثاره؛ وصولاً إلى عراق موحد، مستقل القرار، مستعيد لمكانته العربية والإقليمية والدولية، وقادر على أن يكون شريكاً فاعلاً في أمن المنطقة واستقرارها، لا ساحة لصراعات الآخرين.