فلسطين
المدرسة الفاضلية… قرن وثمانية عشر عاماً من العطاء، وستبقى منارة علم وهوية وذاكرة وطن.

المدرسة الفاضلية… قرن وثمانية عشر عاماً من العطاء، وستبقى منارة علم وهوية وذاكرة وطن.
إعداد: المحامي علي أبو حبلة – الأستاذ عبد البري
ليست المدارس مجرد مبانٍ تعليمية تؤدي وظيفة تلقين المعرفة، بل هي مؤسسات تصنع الوعي، وتبني الشخصية، وتحفظ هوية المجتمعات. ومن بين المدارس الفلسطينية التي تجاوز دورها حدود التعليم التقليدي، تبرز المدرسة الفاضلية الثانوية للبنين في طولكرم بوصفها واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية التي ارتبط اسمها بتاريخ المدينة ومسيرتها الثقافية والوطنية.
فمع مرور مئة وثمانية عشر عاماً على تأسيسها، تستعيد الفاضلية حضورها في الذاكرة الفلسطينية باعتبارها مدرسة خرّجت أجيالاً من العلماء والمثقفين والمهنيين والقيادات المجتمعية، وأسهمت في بناء الإنسان الفلسطيني القادر على حمل رسالة العلم وخدمة وطنه ومجتمعه.

إن الاحتفاء بذكرى تأسيس الفاضلية ليس مجرد استعادة لمرحلة تاريخية مضت، بل هو تأكيد على أهمية التعليم باعتباره أحد أهم عناصر الصمود الوطني، وأحد أهم أدوات حماية الهوية والثقافة في مواجهة محاولات التهميش والطمس.
من الكتاتيب إلى التعليم النظامي
عرفت مدينة طولكرم التعليم منذ مراحل مبكرة من خلال الكتاتيب والمساجد، حيث كان تعليم القرآن الكريم واللغة العربية ومبادئ الحساب يمثل النواة الأولى لنشر المعرفة وترسيخ القيم الأخلاقية.
ومع التحولات التي شهدتها فلسطين في أواخر العهد العثماني، بدأت مرحلة التعليم النظامي، فكانت المدرسة الأميرية إحدى المحطات الأساسية التي شكلت بداية الانتقال من التعليم التقليدي إلى التعليم المؤسسي المنظم.
وتطورت هذه المدرسة لاحقاً لتصبح المدرسة الفاضلية، التي حملت اسمها تخليداً للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني العسقلاني، أحد أبرز رجال الإدارة والسياسة في دولة صلاح الدين الأيوبي، وصاحب المكانة العلمية والأدبية الرفيعة.
وقد ارتبط اسم القاضي الفاضل بدور العلم والقلم في صناعة التاريخ، وهو المعنى الذي انسجم مع رسالة المدرسة التي جعلت من المعرفة أساساً لبناء الإنسان.
الفاضلية… أم المدارس وذاكرة المدينة
احتلت المدرسة الفاضلية مكانة استثنائية في تاريخ التعليم في طولكرم وفلسطين، حتى أصبحت تعرف بين أبنائها بـ”أم المدارس”، لما كان لها من تأثير واسع في تخريج الكفاءات العلمية والمهنية.

لم تكن الفاضلية مدرسة للعلوم الأكاديمية فقط، بل كانت مدرسة للقيم والانضباط والمسؤولية الاجتماعية. فقد شكلت بيئة تربوية متكاملة جمعت بين التحصيل العلمي والتربية الوطنية، وبين احترام العلم وتعزيز روح الانتماء.
وعلى مقاعدها جلس آلاف الطلبة الذين أصبحوا لاحقاً أطباء ومهندسين ومحامين وقضاة وأساتذة جامعات ومثقفين وموظفين في مختلف المؤسسات داخل فلسطين وخارجها.
وقد انتشر خريجوها في مختلف دول العالم، حاملين معهم اسم المدرسة وسمعتها العلمية، ومجسدين الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة التعليمية في صناعة الإنسان المؤثر.
المعلمون… صانعو الرسالة
يبقى المعلم حجر الأساس في أي تجربة تعليمية ناجحة، وقد تميزت الفاضلية عبر تاريخها بكوكبة من المربين الذين لم ينظروا إلى التعليم باعتباره وظيفة، بل رسالة ومسؤولية.
فالمعلمون الذين تعاقبوا على المدرسة لم يكتفوا بنقل المعرفة، وإنما أسهموا في بناء شخصية الطالب، وتعزيز ثقته بنفسه، وربطه بقضايا مجتمعه ووطنه.
وكان للمديرين الذين تولوا قيادة المدرسة دور بارز في الحفاظ على مكانتها العلمية، وتطوير أدائها، وترسيخ سمعتها باعتبارها مؤسسة تربوية رائدة.
ومن الوفاء لهذه القامات التربوية أن تحفظ أسماؤهم وسيرهم ضمن مشروع توثيقي شامل يليق بتاريخ المدرسة، لأن الأمم لا تحفظ تاريخها السياسي فقط، بل تحفظ أيضاً تاريخ معلميها الذين صنعوا أجيالها.
الفاضلية والحضور الوطني
عاشت المدرسة الفاضلية مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها فلسطين، من العهد العثماني إلى الانتداب البريطاني، مروراً بالنكبة وما تبعها من تحولات سياسية واجتماعية.
وخلال هذه المراحل بقيت المدرسة مساحة للعلم والثقافة، ومنبراً لتكوين الوعي الوطني، حيث ساهمت في تخريج أجيال أدركت أهمية التعليم في مواجهة التحديات.
فالتعليم في الحالة الفلسطينية لم يكن يوماً مجرد حق معرفي، بل كان وسيلة للحفاظ على الهوية، وأداة لبناء المجتمع، وعنواناً من عناوين الصمود.
طولكرم… مدينة التعليم والمعرفة
لا يمكن قراءة تاريخ طولكرم بعيداً عن تاريخ مؤسساتها التعليمية. فقد شكلت الفاضلية بداية لمسيرة تعليمية واسعة شملت مدارس عريقة مثل العدوية للبنات، والخالدية، والعمرية، ونور الدين زنكي، وجمال عبد الناصر، وصولاً إلى جامعة فلسطين التقنية – خضوري التي أصبحت إحدى أهم المؤسسات الأكاديمية في فلسطين.
وهكذا تحولت طولكرم إلى مدينة ارتبط اسمها بالعلم، وأصبحت المدرسة فيها جزءاً من مشروع حضاري يقوم على الاستثمار في الإنسان.

نادي خريجي الفاضلية… الوفاء للذاكرة
شكل تأسيس نادي خريجي الفاضلية في الأردن عام 2007 خطوة مهمة في الحفاظ على جسور التواصل بين أبناء المدرسة، وتعزيز العلاقة بين الأجيال المتعاقبة.
وقد جسد النادي روح الوفاء من خلال الاهتمام بتوثيق تاريخ المدرسة، وتنظيم اللقاءات، ودعم الطلبة المتفوقين، وتقديم المبادرات التي تعزز المسيرة التعليمية.
إن تجربة النادي تؤكد أن علاقة الخريج بمدرسته لا تنتهي عند لحظة التخرج، بل تستمر باعتبارها علاقة انتماء ووفاء ومسؤولية.
مسؤولية الحاضر تجاه إرث الماضي
إن الاحتفاء بالذكرى الـ118 لتأسيس الفاضلية يجب أن يتحول إلى مشروع عملي للحفاظ على هذا الإرث، من خلال إنشاء أرشيف تاريخي شامل للمدرسة، وتوثيق أسماء المديرين والمعلمين والخريجين، وجمع الصور والوثائق القديمة، وإصدار موسوعة خاصة بتاريخ المدرسة.
كما تبرز الحاجة إلى دعم التعليم في محافظة طولكرم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الطلبة والمؤسسات التعليمية، وتوفير بيئة تساعد على استمرار التفوق والإبداع.
ومن المهم تعزيز دور مؤسسات المجتمع المحلي ورجال الأعمال والخريجين في دعم الطلبة، وإنشاء صناديق للمنح والمساعدات التعليمية، لأن دعم التعليم هو استثمار في مستقبل الوطن.
خاتمة
تبقى المدرسة الفاضلية أكثر من مجرد مدرسة؛ فهي ذاكرة مدينة، وشاهد على قرن من مسيرة التعليم الفلسطيني، ورمز على قدرة العلم والمعرفة على بناء الإنسان رغم كل الظروف.
لقد أثبت تاريخ الفاضلية أن المدرسة الحقيقية لا تُقاس بجدرانها، بل بالأجيال التي تخرجت منها، والقيم التي غرستها، والأثر الذي تركته في المجتمع.
وفي ذكرى تأسيسها، تستحق الفاضلية تحية وفاء لكل معلم حمل الرسالة، ولكل طالب سار في دروبها، ولكل خريج حافظ على اسمها ومكانتها.
فالأوطان لا تبنى فقط بالمشاريع الكبرى، بل تبدأ من مقعد دراسي، ومن معلم مخلص، ومن مدرسة تؤمن بأن العلم هو الطريق إلى المستقبل



