المشترك والمختلف بين مشتركة 2015 و2026

المشترك والمختلف بين مشتركة 2015 و2026
وضعنا هنا في الداخل، وكذلك في غزة والضفة والقدس لا يحتمل التردد، ولا التلعثم ولا اللامبالاة، ولا يمكن للتاريخ أن يغفر لنا هفوات وأخطاء قد يكون ثمنها الكثير من الدم الفلسطيني.
لم أكتب أو أنبس ببنت شفة خلال فترة المفاوضات لتشكيل القائمة المشتركة لحساسية المفاوضات، اللهم ما عدا مقالة اعتبرت فيها هذه الانتخابات فرصة للرد والانتقام من المجرمين القتلة مرتكبي الإبادة، وفرصة كذلك للإلقاء بوزننا نحن المليوني فلسطيني في الداخل لمساندة شعبنا المنكوب بالإبادة والتهجير في غزة ودعمه، وكذلك في الضفة المحتلة، وخاصة الالتفات لمصير أسرانا في سجون بن غفير، الذين يجوَّعون ويعانون الإهمال الطبي حتى الموت.
واعتبرت الانتخابات فرصة كذلك لتحويلها لمواجهة سياسية مع المبنى العنصري الكولونيالي، وليس ولا بأي حال من الأحوال مشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية، حتى لو كانت من خلال استغلال المواطنة في دولة الاحتلال ومنظومتها العنصرية، وبالتأكيد ليس لتشجيع أحد للهرولة لإعادة الشرعية للتعامل مع ما كان يسمى اليسار اليهودي، سواء الصهيوني تماما أو الصهيوني المقنع بالليبرالية الكاذبة.
الآن، وقد جرى الإعلان عن تأسيس القائمة المشتركة الثلاثية واحتمال إقامة المشتركة الرباعية آخذ بالتلاشي، وكمن شارك بشكل فعال في إقامة المشتركة الأولى عام 2015، أرى لزاما علينا أن نستعيد تجربة المشتركة الرباعية الأولى التي تشكلت في شباط/ فبراير 2015، التي كانت سابقة تاريخية في حينها، وسأظهر نجاحها التاريخي في ذلك الوقت، وكذلك فشلها متعدد الجوانب ومن ثم تفككها في انتخابات شهر نيسان/ أبريل 2019.
أما السابقة الأهم والتي لم تنل في حينها ولا حتى الآن الاهتمام الكافي، فقد كانت هبوط نسبة التصويت لدى المجتمع العربي في تلك الانتخابات في ما يمكن اعتباره تصويتا بالأرجل، وعقابا واضحا للأحزاب التي لم تنجح في الحفاظ على وحدتها، وكانت النتيجة هبوط التمثيل العربي من 13 مقعدا الذي تحقق بفضل المشتركة إلى 10، بعد تفكيكها عمدا. وقد تدنت نسبة التصويت إلى 45٪، وإن كنا بحاجة إلى دليل قاطع على الرغبة الجارفة والتأييد العارم لدى عامة الناس لخوض الانتخابات موحدين، فقد جاءت نتائج انتخابات الكنيست الـ23 في آذار/ مارس 2020 بذلك الدليل، إذ وصل التمثيل العربي إلى 15 مقعدا، وارتفعت نسبة التصويت إلى 65٪، وكانت تلك أعلى نتيجة يحققها العرب منذ بدأوا جزئيا في المشاركة في انتخابات الكنيست عام 1949.
ماذا حققت المشتركة الأولى، وهل نجحت في أي شيء سوى زيادة التمثيل وكونها ثالث أكبر كتلة في الكنيست؟
كنت قد كتبت في حينه عن المأمول من المشتركة والتحديات التي تواجهها، وما كان بوسعها تحقيقه لو أنها قامت فعلا كمشروع سياسي وطني وإستراتيجي، يحمل رؤية مشتركة لاحتياجات المجتمع الفلسطيني وحقوقه. الأمر المفاجئ والذي لم يحظ بالتحليل الكافي، لا وقت حدوثه ولا لاحقا، هو سرعة خفض سقف العمل البرلماني، وقبول اللعب إجرائيا وجوهريا بحسب لعبة البرلمان الإسرائيلي، وبدل أن تكون المشتركة بنوابها الـ13 معقلا للروح الجماعية، للكرامة وعزة النفس والقيادة الفخورة بنفسها وبشعبها، تدهورت وبسرعة في منحدر التنافس بين مركباتها ونوابها على أشياء مخجلة، مثل العلاقة مع الوزير الفلاني، ومن يستطيع ترتيب لقاءات مع الوزراء العلّانيين أسرع من غيره لدرجة الإسفاف، ولم يكن ذلك التنافس بين الأحزاب فقط، بل حتى في داخلها.
السؤال الرئيسي هو لماذا لم تتعزز وتتوطد المشتركة كمشروع، وككتلة برلمانية ذات لحمة واحدة وأجندة إستراتيجية واحدة؟ والسؤال الأصعب هو عن سرعة الاندماج وخفض سقف الأهداف والأدوات التي يمكن استخدامها ولو لمنع هدم بيت واحد. يجب الانتباه هنا أن البرنامج السياسي للمشتركة كان قويا جدا، ومتماثلا بالكامل تقريبا مع مشروع التجمع الوطني الديمقراطي، وقد حظي بموافقة كل الأحزاب من دون أي ملاحظة أو تغيير تقريبا، ولم يمنع هذا البرنامج وسقفه العالي ذاك الانزلاق نحو خفض السقف والتماهي مع قوانين وحتى أجواء اللعبة السياسية، خصوصا البرلمانية.
لا أطرح هذه الأسئلة الآن لأجتهد في الإجابة عنها، ولا من أجل التذكير بتلك السلوكيات والمواقف، فقد حدث لاحقا أصعب منها بكثير مع خروج القائمة الموحدة وانشقاقها عن المشتركة فكرا وممارسة. ولكن علينا أن نستشرف أوضاع المشتركة الجديدة الثلاثية، ومنها موضوع الضغط الذي لا يزال يمارس هنا وهناك لإقامة الرباعية. ولكي نقارن بهدف الاستفادة من دروس التجارب السابقة، فإذا كانت المشتركة في عام 2015 أول تجربة في الوحدة، ومن الممكن أن يغفر لها أخطاء الدروس فترة الطفولة المبكرة، ينبغي الآن تجنب أي أخطاء، فوضعنا هنا في الداخل وكذلك في غزة والضفة والقدس لا يحتمل التردد، ولا التلعثم ولا اللامبالاة، ولا يمكن للتاريخ أن يغفر لنا هفوات وأخطاء قد يكون ثمنها الكثير من الدم الفلسطيني.
هناك من يصرح ليل نهار أننا في زمن ما بعد الإبادة (وهي لا تزال عمليا مستمرة)؛ علينا تغيير أفكارنا ونهجنا ومشروعنا، وحتى مصطلحات ومفردات الخطاب يجب أن تتغير، ولكن سرعان ما يعود معظم هؤلاء لاستخدام الأفكار والمصطلحات وفرضيات التحليل القديمة.
المشتركة 2026
أقيمت المشتركة الجديدة وتحمل في طياتها اختلافات جوهرية عن سابقتها الأولى، أولا من حيث أنها ثلاثية وليست رباعية، أي إن قائمتين عربيتين ستخوضان الانتخابات ولكن بظروف مختلفة تماما عن تلك التي نشأت فيها المشتركة الأولى، وتم تفكيكها ومن ثم إعادة بنائها مرتين.
الأهم هو الاختلاف النابع من تغييرات هائلة جرت في فلسطين والمنطقة بعد السابع من أكتوبر وعملية طوفان الأقصى، وسلسلة الحروب التي بادرت إليها إسرائيل في قطاع غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وإيران.
وفي مركز كل هذه الأحداث تقف كارثة الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بيد حكومة إسرائيل في قطاع غزة، وجرائم الحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني منذ ذلك الحين.
تخوض المشتركة هذه الانتخابات بهدف معلن يجب تكراره ليل نهار وفي كل بيت عربي: إسقاط حكومة نتنياهو الفاشية، ومنع اليمين الاستيطاني الديني المتطرف من العودة لسدة الحكم وهذا يعني الحصول على أكبر عدد من المقاعد العربية؛ لهذا لا مجال بعد للتخويف من انخفاض نسبة التصويت، أو من معاقبة الأحزاب بالعزوف عن التصويت والتلويح بذلك، للضغط لتشكيل المشتركة الرباعية.
هذا خطاب لا يتلاءم مع هول وخطورة المرحلة، وشعبنا نفسه الذي أثبت في الماضي قدرة على فرض الوحدة، يدرك بفطرته البريئة، أن الموضوع المركزي هذه المرة، اقتلاع حكومة الإجرام، وعلى رأسها نتنياهو شخصيا، وكنس حلفه الإستراتيجي مع ترامب.
التربة صالحة جدا وتنتظر عمل الأحزاب لتجييش الناس وإخراجها للتصويت لتحقيق هذا الهدف. نحن لا ندعّي أن حكومة سلام ستشكَّل بالضرورة، ولا فروق جوهرية بين اليمين الوسط وبين الليكود، ولكن توجيه ضربة لمجرمي الحرب، وعقابهم هي ضرورة وحاجة ماسة لشعبنا الفلسطيني، وانتصار لقضيته العادلة، وقد قُدّر لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت المواطنة الإسرائيلية والذي يربو عن مليوني فلسطيني، أن يقوم بهذه المهمة التاريخية.
لا حاجة للتمعن طويلا كي ندرك أن الظروف الجديدة الجيوسياسية في المنطقة ككل تنتظر نتائج الانتخابات في إسرائيل، وأن الجميع يدرك أهمية الصوت العربي الذي -ولأول مرة- من الممكن أن تكون له أبعاد عالمية وإقليمية مؤثرة، وهذا ما تدركه المؤسسة اليمينية التي باتت تحت سيطرة كاملة من بن غفير وأمثاله، ولا يستبعد أن تقوم بكل شيء ممكن أن يعيق عملية التصويت، وقد فعلوا ذلك من قبل.
الرسالة المركزية التي يجب أن توجهها المشتركة لأبناء شعبنا فورا، هي رسالة الفخر والاعتزاز بشعبنا في وجه التحريض والكراهية، وليس الخوف وقطف الرأس بسبب الخوف على الوظيفة أو مكان العمل.
هذا هو الدرس الذي وجهه الأطباء العرب عامة في التصدي للمحرضين العنصريين على الأطباء العرب في مستشفى “رمبام”.




