انتخابات الكنيست الإسرائيلي.. هل يقترب نتنياهو من الرحيل أم يعيد إنتاج اليمين؟

انتخابات الكنيست الإسرائيلي.. هل يقترب نتنياهو من الرحيل أم يعيد إنتاج اليمين؟
آيزنكوت ينافس على ورقة الأمن وملف العمال الفلسطينيين يدخل الحسابات الانتخابية ومستقبل الليكود أمام اختبار تاريخي
المحامي علي أبوحبلة
تدخل إسرائيل انتخابات الكنيست المقبلة في تشرين الأول وسط مشهد سياسي شديد السيولة، تتراجع فيه هيمنة بنيامين نتنياهو من دون أن تسقط، وتتقدم فيه قوى معارضة تبحث عن أغلبية قادرة على الحكم لا مجرد التفوق في استطلاعات الرأي. وبين صعود غادي آيزنكوت، وتشكيل أطر حزبية جديدة، وأزمة الليكود والائتلاف اليميني، تبدو الانتخابات أقرب إلى معركة على مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي منها إلى منافسة انتخابية تقليدية.
تتجه إسرائيل إلى انتخابات قد تكون من الأكثر حساسية في تاريخها الحديث، ليس فقط لأنها ستحدد هوية رئيس الحكومة، وإنما لأنها ستحدد أيضاً مستقبل اليمين الإسرائيلي، ومصير الليكود، وشكل العلاقة بين المؤسسة الأمنية والقيادة السياسية، وطريقة إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى منافسة متقاربة بين الليكود بقيادة نتنياهو وحزب غادي آيزنكوت، مع تقدم نسبي للمعارضة في مجموع المقاعد، لكن من دون امتلاكها حتى الآن أغلبية برلمانية مضمونة من شأنها تشكيل حكومة بديلة.
آيزنكوت.. محاولة انتزاع ورقة الأمن من نتنياهو
يدخل آيزنكوت السباق من بوابة الأمن التي طالما احتكرها نتنياهو سياسياً. فكونه رئيساً سابقاً لأركان الجيش يمنحه القدرة على مخاطبة الناخب الإسرائيلي من داخل المؤسسة الأمنية، لا من خارجها، ويتيح له تقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على إعادة بناء الثقة بالمؤسسات وإدارة الدولة بعد إخفاقات السابع من أكتوبر وتداعيات الحرب.
وهنا تكمن خطورة آيزنكوت على نتنياهو؛ فالمنافسة لم تعد بين اليمين واليسار، وإنما بين قيادتين تتنافسان على سؤال «من هو الأقدر على حماية إسرائيل؟».
العمال الفلسطينيون.. ملف اقتصادي بأبعاد أمنية وانتخابية
ويكتسب طرح آيزنكوت بشأن إعادة العمال الفلسطينيين إلى العمل في إسرائيل أهمية خاصة، باعتباره محاولة للربط بين الاقتصاد والأمن. فعودة عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين تعني تخفيف الضغط عن الاقتصاد الفلسطيني، وتوفير احتياجات قطاعات إسرائيلية تعاني نقصاً في العمالة، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بالهواجس الأمنية التي تعاظمت بعد السابع من أكتوبر.
وهنا يتبلور خلاف جوهري بين مقاربتين: مقاربة ترى في العمل الفلسطيني داخل إسرائيل أداة للاستقرار الاقتصادي والأمني، ومقاربة يمينية تفضل تقليص الاعتماد على العمال الفلسطينيين واستبدالهم بعمال أجانب.
وبالتالي فإن ملف العمال قد يتحول من قضية اقتصادية إلى ورقة انتخابية تكشف اختلافاً أوسع في تعريف الأمن الإسرائيلي.
أزمة الليكود.. هل بدأت مرحلة ما بعد نتنياهو؟
المشكلة التي تواجه نتنياهو لا تأتي من المعارضة وحدها، بل من داخل معسكره أيضاً. فقد أدت الخلافات داخل اليمين، وخروج شخصيات وازنة من الليكود وتشكيل أطر سياسية جديدة، إلى فتح سؤال مستقبل الحزب بعد نتنياهو.
فالليكود ما زال قوة انتخابية مركزية، لكن استمرار ارتباط الحزب بشخصية نتنياهو يجعل أي هزيمة انتخابية محتملة بداية لمعركة داخلية حول القيادة والهوية السياسية. وقد تتحول هذه المعركة إلى إعادة تشكيل واسعة لليمين الإسرائيلي، خصوصاً إذا تمكنت الأحزاب الجديدة من اقتطاع مقاعد مؤثرة من قاعدة الليكود.
هل تستطيع المعارضة إسقاط نتنياهو؟
المعارضة تملك فرصة حقيقية، لكنها تواجه عقدة الـ61 مقعداً. فالتفوق في عدد المقاعد لا يعني تلقائياً القدرة على تشكيل الحكومة، لأن النظام الإسرائيلي يقوم على ائتلافات متعددة، فيما تضم المعارضة قوى وسطية ويمينية وأمنية تختلف في عدد من الملفات الأساسية.
وقد يصبح مصير الحكومة معلقاً على الأحزاب الصغيرة، وعلى نسبة الحسم، وعلى قدرة آيزنكوت أو غيره على جذب شخصيات من معسكر نتنياهو بعد الانتخابات.
أما الأحزاب العربية فقد تصبح رقماً حاسماً في حال بقيت الخريطة متقاربة، لكن مشاركة هذه الأحزاب في ائتلاف حكومي ما زالت تواجه رفضاً واسعاً داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي.
نتنياهو.. ما زال قادراً على قلب المعادلة
رغم تراجع صورته السياسية، لا ينبغي إعلان نهاية نتنياهو قبل ظهور النتائج. فهو يمتلك قاعدة انتخابية صلبة، وخبرة طويلة في إدارة الحملات، وقدرة على تحويل الأمن والتهديدات الإقليمية إلى عناصر تعبئة لصالحه.
لكن عودته، إذا حدثت، لن تعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ فقد تكون بداية معركة خلافته داخل الليكود، خصوصاً إذا تواصل نزيف الأصوات نحو أحزاب يمينية جديدة.
الخلاصة
الانتخابات المقبلة قد تفتح الباب أمام إسرائيل للخروج من عصر نتنياهو، لكنها قد تفتح أيضاً الباب أمام إعادة إنتاجه بائتلاف أكثر هشاشة.
والسؤال الحقيقي ليس فقط: هل يسقط نتنياهو؟ بل: هل تستطيع المعارضة إنتاج بديل سياسي متماسك؟
أما فلسطينياً، فلا ينبغي قراءة الانتخابات باعتبارها صراعاً بين «حمائم وصقور». فحتى التغيير الحكومي المحتمل لا يعني تلقائياً تحولاً في جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
المتغير الأهم هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستنتقل من سياسة إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه، ومن توظيف الاقتصاد الفلسطيني كورقة ضغط إلى بناء علاقة اقتصادية أكثر توازناً، ومن التعامل مع ملف العمال الفلسطينيين باعتباره قضية أمنية فقط إلى إدراك ارتباطه بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وعليه، فإن انتخابات الكنيست المقبلة قد تكون بداية نهاية عهد نتنياهو، لكنها لن تكون بالضرورة نهاية نهج نتنياهو؛ فذلك يتوقف على شكل الحكومة التي ستولد من صناديق الاقتراع، وعلى قدرة الإسرائيليين على إنتاج بديل يتجاوز شخص نتنياهو إلى مراجعة السياسات التي صنعت أزمته وأزمة إسرائيل مع الفلسطينيين.

