بحث نظري نموذج مفاهيمي مقترح من اإلعداد المسبق إلى الرشد

بسم هللا الرحمن الرحيم
بحث نظري
نموذج مفاهيمي مقترح
من اإلعداد المسبق إلى الرشد
نموذج مفاهيمي متكامل لقيادة الذات واتخاذ القرار وتطوير السلوك
محمود الجاف
From Preparation to Maturity
An Integrated Conceptual Model of Self-Leadership, Decision-Making, and
Behavioral Development
اإلصدار األول – أكتوبر 2026
يقدم هذا المقال نموذ ًجا مفاهيميًا مقتر ًحا لقيادة الذات وتنمية الرشد، بهدف إثراء النقاش األكاديمي
والتعليمي حول اإلعداد المسبق والتنظيم الذاتي واتخاذ القرار والتعلم من الخبرة. ويظل تطوير النموذج
والتحقق من فاعليته موضو ًعا مفتو ًحا للبحث والدراسة.
نموذج المجلة العلمية
من اإلعداد المسبق إلى الرشد: نموذج مفاهيمي متكامل لقيادة الذات واتخاذ القرار وتطوير السلوك
إعداد : محمود الجاف
نوع الدراسة : دراسة نظرية مفاهيمية مقترحة في علم النفس والتنظيم الذاتي وتنمية الرشد واتخاذ
القرار.
المجاالت المعرفية :علم النفس، وعلم النفس التربوي، والتنظيم الذاتي، وما وراء المعرفة، والتنظيم
االنفعالي، واتخاذ القرار، والتعلم من الخبرة.
الملخص
يواجه اإلنسان مواقف يومية تتطلب منه التخطيط واالستعداد، وفهم أفكاره ومشاعره، وتنظيم استجاباته،
والمفاضلة بين البدائل، وتحمل مسؤولية قراراته، والتعلم من نتائج أفعاله. ومع ذلك، فإن امتالك المعرفة
ال يضمن بالضرورة توظيفها في السلوك، كما أن معرفة الصواب ال تعني دائ ًما القدرة على اختياره في
المواقف التي تتداخل فيها االنفعاالت والضغوط والقيود الواقعية.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم نموذج مفاهيمي مقترح لقيادة الذات وتنمية الرشد، ينظم مجموعة من
العمليات المعرفية واالنفعالية والسلوكية والعملية في دورة متجددة تتكون من خمس مراحل مترابطة:
اإلعداد المسبق، والوعي والممارسة، والرشد واتخاذ القرار، والتقييم والتقويم، والتطوير واإلعداد
الجديد.
ينطلق النموذج من افتراض مفاده أن جودة السلوك ال تعتمد على االستجابة للموقف وحدها، بل تتأثر
أي ًضا بنوعية االستعداد السابق، وقدرة الفرد على مراقبة عملياته الداخلية أثناء الممارسة، وموازنته بين
البدائل واألهداف والقيم والظروف، ثم توظيفه نتائج التجربة في تحسين أدائه المستقبلي. ويضع النموذج
الرشد في موقع القدرة المو جِّ هة لعملية االختيار، بينما يؤدي التقييم والتقويم والتطوير دو ًرا في تحويل
الخبرة إلى استعداد أفضل للمواقف الالحقة.
تتمثل اإلضافة المفاهيمية المقترحة في تنظيم هذه العمليات ضمن دورة تكاملية واحدة، مع إبراز العالقة
بين االستعداد قبل الفعل، واالختيار الواعي أثناء الموقف، والتعلم بعد الفعل. ويتقاطع النموذج مع األدبيات
المتعلقة بالتنظيم الذاتي، وما وراء المعرفة، والتنظيم االنفعالي، ونوايا التنفيذ، والتعلم المنظم ذاتيًا، من
دون االدعاء بأنه بديل مثبت لهذه األطر أو أنه يحقق نتائج أفضل منها.
اعتمدت الدراسة منه ًجا نظريًا مفاهيميًا وصفيًا تحليليًا في بناء التصور المقترح، وتحديد مكوناته
وتعريفاته األولية وافتراضاته وتطبيقاته الممكنة. وتخلص إلى أن النموذج يمكن أن يوفر أسا ًسا لتطوير
أدوات إرشادية وتربوية وبرامج تدريبية، على أن تظل أصالته المقارنة، ووضوح بنيته، وموثوقية قياس
مكوناته، وفاعليته التطبيقية موضوعات تحتاج إلى مراجعة علمية واختبار تجريبي مستقل.
الكلمات المفتاحية : قيادة الذات، نموذج محمود الجاف، اإلعداد المسبق، الرشد، التنظيم الذاتي، الوعي
بالذات، التنظيم االنفعالي، اتخاذ القرار، التقييم والتقويم، تطوير السلوك.
Abstract
From Preparation to Maturity: An Integrated Conceptual Model of Self-
Leadership, Decision-Making, and Behavioral Development
Author: Dr. Mahmoud Al-Jaff
Human behavior involves more than knowledge of what should be done.
Effective action may also require preparation, awareness of thoughts and
emotions, regulation of responses, deliberate decision-making, evaluation of
outcomes, and learning from experience. This conceptual paper proposes an
integrated model of self-leadership and maturity organized into five
interconnected stages: advance preparation; awareness and practice; maturity
and decision-making; evaluation and correction; and development and renewed
preparation.
The proposed model conceptualizes self-leadership as a recurring process
through which individuals prepare for anticipated situations, monitor their
internal and external responses, select actions in light of goals, values, available
information, and contextual constraints, evaluate outcomes, and use feedback
to improve future preparation. Maturity is conceptualized as a guiding capacity
for informed, context-sensitive, and revisable choice rather than as a fixed
personal attribute.
The model draws conceptually on research concerning self-regulation,
metacognition, emotion regulation, implementation intentions, and self-
regulated learning. Its proposed contribution lies in organizing preparation,
decision-making, and post-action learning within a single iterative framework. A
conceptual and analytical approach is used to define the model’s components,
formulate preliminary propositions, and identify potential educational
applications and directions for empirical testing.
The model is presented as a theoretical proposal rather than an empirically
validated psychological theory or intervention. Future research should examine
its conceptual distinctiveness, measurement properties, practical feasibility, and
incremental value relative to existing self-regulation frameworks.
Keywords: self-leadership, maturity, self-regulation, advance preparation,
metacognition, emotion regulation, decision-making, behavioral development.
1 . المقدمة
يمتلك اإلنسان القدرة على التفكير والتخطيط واكتساب المعرفة والتعلم من الخبرة، إال أن هذه القدرات ال
تتحول دائ ًما إلى سلوك متوافق مع أهدافه وقيمه. فقد يدرك الطالب أهمية الدراسة ثم يؤجلها، وقد يعرف
ًرا متسر ًعا رغم امتالكه
الفرد أن الغضب قد يفسد الحوار ثم يستجيب بانفعال، وقد يتخذ اإلنسان قرا
معلومات كان يمكن أن تساعده على اختيار بديل أفضل.
تشير هذه األمثلة إلى أن المشكلة اإلنسانية ال تكمن دائ ًما في نقص المعرفة، بل قد تظهر في صعوبة
االنتقال من المعرفة إلى الفعل، أو في عدم االستعداد للمواقف المتوقعة، أو في ضعف مراقبة الذات، أو
في عدم مراجعة النتائج واالستفادة منها.
فاإلنسان ال يتصرف في فراغ؛ إذ يتأثر سلوكه بأفكاره السابقة، وقناعاته، وانفعاالته، ودوافعه، وخبراته،
وإمكاناته، والظروف االجتماعية والمادية المحيطة به. وقد يعرف الفرد ما يريد تحقيقه، لكنه ال يمتلك
خطة مناسبة لتنفيذه، أو قد يمتلك الخطة لكنه ال يستطيع تعديلها عندما تتغير الظروف.
وقد تناولت األدبيات النفسية جوانب مختلفة من هذه المشكلة. فبحثت نظريات التنظيم الذاتي كيفية توجيه
الفرد لسلوكه نحو أهدافه، واهتمت دراسات ما وراء المعرفة بمراقبة العمليات المعرفية، كما تناولت
أبحاث التنظيم االنفعالي طرائق التعامل مع المشاعر واالستجابات المرتبطة بها. واهتمت أبحاث التعلم
المنظم ذاتيًا بالعالقة بين التخطيط واألداء والتأمل في النتائج ;1979 ,Flavell; 1991 ,Bandura (.
Gross, 1998; Zimmerman, 2002).
ومع أهمية هذه اإلسهامات، يطرح البحث الحالي سؤاًال مفاهيميًا: كيف يمكن تنظيم االستعداد السابق
للموقف، والوعي أثناء الممارسة، والمفاضلة الرشيدة بين البدائل، والتعلم بعد الفعل، ضمن دورة متكاملة
تساعد الفرد على تطوير سلوكه عبر الزمن؟
ا من هذا السؤال، يقدم الباحث نموذ ًجا مفاهيميًا مقتر ًحا لقيادة الذات وتنمية الرشد، يقوم على
انطالقً
خمس مراحل مترابطة تبدأ باإلعداد المسبق، وتمر بالوعي والممارسة واتخاذ القرار، ثم التقييم والتقويم،
وتنتهي بالتطوير واإلعداد الجديد.
ال يفترض النموذج أن اإلنسان يستطيع التحكم الكامل في أفكاره ومشاعره أو التنبؤ بجميع الظروف، وال
يعد بتحقيق النجاح في كل موقف. بل ينطلق من أن االستعداد الواعي والمراجعة المنظمة والتعلم من
الخبرة قد تزيد فرص اتخاذ قرارات أكثر مالءمة، مع مراعاة القيود الواقعية والفروق الفردية. وتتمثل
غاية البحث في عرض هذا التصور وتأسيسه مفاهيميًا، وتوضيح عالقاته الداخلية، وبيان أوجه اتصاله
باألدبيات السابقة، واقتراح مسارات يمكن من خاللها تطويره واختباره علميًا.
2 . مشكلة البحث
تتمثل مشكلة البحث في الفجوة المحتملة بين معرفة الفرد بما ينبغي فعله وقدرته على تنفيذ ذلك في
المواقف الواقعية.
وقد تظهر هذه الفجوة في صور متعددة، منها:
.1 معرفة الهدف من دون وضع خطة عملية لتحقيقه.
.2 االستعداد غير الكافي لمواجهة المواقف المتوقعة.
.3 صعوبة مالحظة تأثير االنفعاالت والدوافع في السلوك.
.4 التسرع في اتخاذ القرار أو االعتماد على تفسير واحد للموقف.
.5 عدم تقدير الوقت واإلمكانات والنتائج المحتملة بصورة واقعية.
.6 تكرار األخطاء بسبب ضعف مراجعة أسبابها أو عدم تحويل الخبرة إلى خطة جديدة.
وال يعني اجتماع هذه المشكالت أن لها سببًا واح ًدا، أو أنها جميعًا تعود إلى نقص في النضج. فقد تتداخل
فيها عوامل نفسية واجتماعية وتعليمية واقتصادية وصحية. لذلك، ال يسعى النموذج إلى تفسير كل أشكال
السلوك اإلنساني، بل إلى تنظيم مجموعة من العمليات التي يمكن للفرد استخدامها في مواقف تتطلب
االستعداد واالختيار والتعلم. وتتمثل المشكلة النظرية في الحاجة إلى تحديد كيفية ترابط هذه العمليات
ضمن إطار مفاهيمي واضح، يبين دور كل مرحلة، وعالقتها بالمراحل األخرى، والشروط التي قد تساعد
على انتقال الفرد بينها.
2.1 – السؤال الرئيس
كيف يمكن بناء نموذج مفاهيمي متكامل لقيادة الذات، يربط اإلعداد المسبق والوعي أثناء الممارسة
والرشد في اتخاذ القرار والتقييم والتقويم والتطوير المستمر للسلوك؟
2.2 – األسئلة الفرعية
.1 ما المكونات المعرفية واالنفعالية والسلوكية والعملية الالزمة لتصميم النموذج؟
.2 كيف يسهم اإلعداد المسبق في تهيئة الفرد للتعامل مع المواقف المتوقعة؟
.3 ما دور الوعي بالذات ومراقبة األفكار والمشاعر في تنظيم االستجابة؟
.4 كيف يمكن تعريف الرشد بوصفه قدرة مو ِّ جهة لالختيار واتخاذ القرار؟
.5 كيف يسهم التقييم والتقويم في تحويل النتائج إلى تعلم قابل لالستخدام؟
.6 ما العالقات النظرية التي تربط المراحل الخمس؟
.7 كيف يمكن توظيف النموذج في التعليم الجامعي وتنمية المهارات النفسية؟
.8 ما المؤشرات والفرضيات التي يمكن استخدامها الختبار النموذج مستقبًال؟
3 . أهداف البحث
يهدف البحث إلى:
.1 تقديم نموذج مفاهيمي مقترح لقيادة الذات وتنمية الرشد.
.2 تحديد خمس مراحل مترابطة تنظم االستعداد والممارسة واتخاذ القرار والتعلم.
.3 صياغة تعريفات مفاهيمية أولية لمكونات النموذج.
.4 توضيح العالقة بين النموذج واألدبيات النفسية ذات الصلة.
.5 تحديد اإلضافة النظرية التي يسعى النموذج إلى تقديمها، مع تجنب ادعاء األصالة المطلقة قبل
إجراء مقارنة منهجية شاملة.
.6 تقديم أمثلة تطبيقية تساعد على تحويل النموذج إلى ممارسات تربوية قابلة للتنفيذ.
.7 صياغة افتراضات ومقترحات بحثية تمهد الختبار النموذج وتطويره.
4 . أهمية البحث
4.1 – األهمية النظرية
تتمثل األهمية النظرية في محاولة تنظيم مجموعة من العمليات المعروفة في علم النفس ضمن دورة
واحدة تربط االستعداد السابق بالممارسة والقرار والتعلم الالحق.
وال تقوم القيمة النظرية المقترحة على افتراض أن جميع مكونات النموذج جديدة في ذاتها، بل على
احتمال أن يؤدي تنظيمها في بنية تكاملية محددة، مع توضيح العالقات بينها، إلى تقديم إطار مفيد للفهم
والتطبيق والبحث.
4.2 – األهمية التربوية
يمكن أن يستفاد من النموذج في مساعدة الطالب على التخطيط للدراسة، ومراقبة أساليب التعلم، والتعامل
مع القلق والتشتت، ومراجعة نتائج األداء، وتحسين خططهم المستقبلية.
4.3 – األهمية النفسية والسلوكية
ًرا تثقيفيًا لتدريب األفراد على مالحظة استجاباتهم، وتأجيل
يمكن استخدام المراحل المقترحة بوصفها إطا
الردود االندفاعية عند اإلمكان، وفحص البدائل، واالستفادة من األخطاء. وال يمثل النموذج في صورته
الحالية عال ًجا نفسيًا مثبت الفاعلية، وال يغني عن التقييم أو التدخل المتخصص عند الحاجة.
4.4 – األهمية العملية
يتيح النموذج صياغة أسئلة وإجراءات بسيطة يمكن تطبيقها قبل الموقف وأثناءه وبعده، بما يساعد على
ربط األهداف العامة بخطوات عملية ومراجعة منظمة للنتائج.
5 . منهج البحث وإجراءاته
5.1 – طبيعة الدراسة
هذه الدراسة دراسة نظرية مفاهيمية تهدف إلى بناء نموذج مقترح وتوضيح مكوناته وعالقاته
وافتراضاته، وليست دراسة تجريبية أو مس ًحا ميدانيًا. ويقوم مسارها التحليلي على تحديد المشكلة التي
يستهدفها النموذج، وتعريف مفاهيمه األساسية، واالستفادة من األدبيات النظرية ذات الصلة، وتنظيم
المكونات في بنية مترابطة، ثم اشتقاق افتراضات أولية يمكن إخضاعها للبحث المستقبلي.
وتنسجم هذه الوجهة مع ما توضحه أدبيات بناء األبحاث المفاهيمية من ضرورة التصريح بتصميم البحث
النظري، وتبرير استخدام النظريات السابقة، وبيان طبيعة اإلضافة التي يسعى العمل إلى تقديمها
(Jaakkola, 2020).
5.2 – حدود المنهج المستخدم
ال تدعي الدراسة أنها مراجعة منهجية شاملة لألدبيات، إذ يتطلب هذا النوع من المراجعات تحديد قواعد
البيانات والكلمات المفتاحية وفترة البحث ومعايير االشتمال واالستبعاد وإجراءات الفرز والتقييم. كما ال
تدعي أنها أجرت اختبا . ولذلك، فإن التوصيف ًرا تجريبيًا للنموذج أو أثبتت العالقات السببية بين مراحله
األدق للعمل في هذه المرحلة هو أنه بناء مفاهيمي أولي مستند إلى أدبيات نظرية مختارة .ويجب استكمال
البحث الببليوغرافي المنظم قبل تقديم النسخة النهائية إلى مجلة علمية.
5.3 – خطوات بناء النموذج
يتبع البناء المفاهيمي المقترح الخطوات اآلتية:
ٍ .1 قابل للمراجعة
تحديد الظاهرة المستهدفة، وهي صعوبة تحويل المعرفة واألهداف إلى سلوك واع
والتطوير.
.2 تحديد العمليات التي يتناولها النموذج، وتشمل االستعداد والمراقبة واالختيار والتقييم والتطوير.
.3 تعريف كل مرحلة وتحديد وظيفتها األساسية.
.4 صياغة العالقات المفترضة بين المراحل ضمن دورة متجددة.
.5 مقارنة البناء المقترح باألطر النظرية ذات الصلة.
.6 تحديد التطبيقات الممكنة والحدود واالفتراضات التي تحتاج إلى االختبار.
وال تُعد هذه الخطوات بديًال عن التحقق العلمي؛ بل تمثل أسا ًسا أوليًا يمكن تطويره في ضوء مراجعة
األدبيات ومالحظات المح كمين واالختبارات المستقبلية.
6 . اإلطار النظري
6.1 – التنظيم الذاتي
يشير التنظيم الذاتي، في نطاق واسع من األدبيات النفسية، إلى العمليات التي يستخدمها الفرد لتوجيه
أفكاره ودوافعه وانفعاالته وسلوكه نحو أهداف معينة، ومراقبة أدائه وتعديله في ضوء النتائج. وقد تناول
باندورا التنظيم الذاتي ضمن المنظور المعرفي االجتماعي، مبر ًزا دور المعايير الذاتية ومراقبة األداء
والحكم عليه واالستجابة للنتائج.(1991 ,Bandura(
ويتقاطع النموذج المقترح مع هذا التصور من خالل تأكيده أن السلوك يمكن أن يخضع للتخطيط والمراقبة
والتقويم، وأن النتائج السابقة يمكن أن تؤثر في االستعداد الالحق.
غير أن النموذج الحالي يخصص مرحلة مستقلة لإلعداد المسبق، ويعرض الرشد واتخاذ القرار بوصفهما
لدورة تعود منها العملية إلى
محو ًرا واض ًحا للمفاضلة بين البدائل، ثم يجعل التطوير واإلعداد الجديد نهايةً
بدايتها.
وهذا التنظيم يمثل صياغة مقترحة، وال يكفي وحده إلثبات تفوقه على النماذج السابقة.
6.2 – ما وراء المعرفة والوعي بالذات
تناول فالفل مفهوم ما وراء المعرفة، الذي يرتبط بمعرفة الفرد بعملياته المعرفية ومراقبتها ,Flavell(
.(1979 ( وفالفل : هو عالم النفس األمريكي جون هيرلي فالفل (Flavell .H John(، الذي يُع د من أبرز
الباحثين الذين أسهموا في تطوير مفهوم ما وراء المعرفة (Metacognition (في علم النفس المعرفي
وعلم النفس التربوي. وتظهر أهمية هذا المفهوم في قدرة الفرد على مالحظة طريقة تفكيره، وفحص
مدى كفاية المعلومات، واالنتباه إلى االفتراضات التي يعتمد عليها عند تفسير المواقف.
وفي النموذج المقترح، يمثل الوعي بالذات عنص ًرا مه ًما في مرحلة الوعي والممارسة، كما يمكن أن
يسهم في اإلعداد المسبق وفي مراجعة النتائج بعد الفعل.
وال يقتضي الوعي المطلوب مراقبة كل فكرة باستمرار؛ إذ إن المبالغة في التحليل قد تزيد العبء النفسي
بدًال من أن تحسن االختيار. والمقصود هو المراقبة الموجهة إلى فهم الموقف وتحسين االستجابة.
6.3 – التنظيم االنفعالي
ًرا مؤث ًرا لدراسة تنظيم االنفعاالت، تناول فيه عمليات يمكن أن تؤثر في تطور االستجابة
قدم غروس إطا
االنفعالية، مثل تعديل الموقف، وتوجيه االنتباه، وإعادة التفسير المعرفي، وتعديل االستجابة ,Gross(
.(1998 ويستفيد النموذج المقترح من هذا االتجاه في التأكيد على أن االنفعال ليس مجرد حدث ينبغي
إنكاره، بل تجربة يمكن للفرد أن يتعلم فهمها والتعامل معها.
فعندما يشعر اإلنسان بالغضب، قد يكون من المفيد أن يالحظ تصاعد االنفعال، ويؤجل الرد إن كان ذلك
آمنًا ومناسبًا، ويعيد تقييم الموقف، ثم يختار استجابة تراعي أهدافه وحقوق اآلخرين.
وال يعني ذلك أن اإلنسان يستطيع التحكم الكامل في مشاعره أو أن تنظيم االنفعال مسؤولية فردية في
جميع الظروف؛ فقد تؤثر الظروف البيئية واالجتماعية والصحية في قدرته على االستجابة.
6.4 – نوايا التنفيذ واإلعداد المسبق
تناول غولويتزر نوايا التنفيذ بوصفها خط ًط ” إذا واجهت ا تربط موقفًا محدًدا باستجابة مقصودة، مثل:
الموقف المحدد، فسأقوم بالسلوك الذي خططت له .(1999 ,Gollwitzer ” (ويستفيد النموذج من هذا
المبدأ في بناء اإلعداد المسبق، حيث ال يكتفي الفرد بتحديد هدف عام، بل يحدد أي ًضا المواقف المتوقعة
واالستجابات المناسبة لها.
فعلى سبيل المثال، قد يحدد الطالب أنه إذا الحظ نفسه ينتقل إلى استخدام الهاتف أثناء جلسة الدراسة،
فسوف يضع الهاتف بعي ًدا ويعود إلى المهمة بعد استراحة قصيرة محددة.
وال يعني ذلك أن كل خطة مسبقة ستنجح، أو أن ربط الموقف باالستجابة يلغي أثر الصعوبات الواقعية.
وإنما يقدم أسلوبًا محتم ًال لتسهيل االنتقال من النية إلى الفعل.
6.5 – التعلم المنظم ذاتيًا
تناول زيمرمان التعلم المنظم ذاتيًا بوصفه عملية تتضمن التخطيط واألداء والمراقبة والتأمل في النتائج،
مع تأثير هذه العمليات في االستعداد للدورات الالحقة من التعلم.(2002 ,Zimmerman (ويتقاطع هذا
التصور مع النموذج المقترح في الطبيعة الدورية للعملية، وفي أهمية التأمل في النتائج بدًال من اعتبار
انتهاء المهمة نهاية للتعلم.
ومع ذلك، ال يساوي النموذج بين قيادة الذات والتعلم المنظم ذاتيًا؛ فاألخير يركز بصورة أوضح على
التعلم واألداء األكاديمي، بينما يسعى النموذج المقترح إلى تناول االستعداد والممارسة والقرار والتطوير
في نطاق أوسع من المواقف اليومية.
ويظل تحديد مقدار هذا االختالف ومقدار اإلضافة الفعلية بحاجة إلى مراجعة مقارنة تفصيلية.
6.6 – بناء النماذج المفاهيمية
تشير الكتابات المنهجية في بناء النظريات والنماذج إلى أهمية االنتقال من وصف الظواهر إلى صياغة
مبادئ تفسيرية واضحة، ثم تحديد ما يمكن أن يؤيدها أو يحد من صالحيتها. كما تؤكد أدبيات المقاالت
المفاهيمية ضرورة أن يشرح الباحث كيف استخدم األدبيات السابقة لتطوير النموذج، وما اإلضافة التي
يعتقد أنه يقدمها.(2020 ,Jaakkola; 2021 .,al et Borsboom (وبنا ًء على ذلك، فإن النموذج
الحالي ال يكتسب قيمته العلمية بمجرد احتوائه على مراحل مترابطة، بل من وضوح تعريف هذه المراحل،
ومنطق العالقات بينها، وقابليتها للفحص والمراجعة والتطبيق.
7 . المفاهيم األساسية في النموذج المقترح
7.1 – قيادة الذات
يع رف الباحث قيادة الذات إجرائيًا في هذا النموذج بأنها:
عملية دورية مقصودة يستخدم فيها الفرد االستعداد والوعي والمفاضلة والتقييم والتطوير لتوجيه سلوكه
نحو أهداف مناسبة، مع مراعاة قيمه وإمكاناته والظروف المحيطة به، واالستفادة من النتائج في تحسين
قراراته الالحقة. وهذا تعريف مقترح ألغراض النموذج، وليس تعريفًا جامعًا متفقًا عليه في جميع فروع
علم النفس.
7.2 – اإلعداد المسبق
هو عملية تهيئة الفرد معرفيًا وانفعاليًا وسلوكيًا وعمليًا لموقف متوقع، من خالل تحديد الهدف، وتقدير
الصعوبات، وتوفير الموارد، ووضع خطة قابلة للتعديل.
7.3 – الوعي والممارسة
هما عملية مالحظة األفكار والمشاعر والدوافع واالستجابات أثناء التعامل مع الموقف، وفحص مدى
توافق السلوك الجاري مع الهدف والخطة، وإجراء التعديالت المناسبة عند الحاجة.
7.4 – الرشد واتخاذ القرار
يقصد بالرشد في هذا النموذج قدرة الفرد على توظيف المعرفة والوعي بالذات وتنظيم االنفعال وتقدير
الواقع للمفاضلة بين البدائل، واتخاذ قرار مالئم ألهدافه وقيمه وظروفه، مع االستعداد لمراجعته عند
ظهور معلومات جديدة. وال يعني هذا التعريف أن الرشد صفة ثابتة أو أن جميع قرارات الفرد يمكن أن
تكون عقالنية بصورة كاملة؛ فقد تختلف القدرة على االختيار باختالف الموقف والموارد والضغط
والخبرة.
7.5 – التقييم
هو فحص النتائج الفعلية ومقارنتها باألهداف والمعايير المحددة، مع تحديد ما تحقق وما لم يتحقق
والعوامل المحتملة المرتبطة بذلك.
7.6 – التقويم
هو تعديل االستراتيجيات أو السلوكيات أو الخطط التي لم تحقق النتيجة المطلوبة، أو اإلبقاء على ما أثبت
مالءمته، وفق المعلومات المتاحة. وفي هذه الدراسة، يستخدم الباحث مصطلح “التقويم” بمعنى تصحيح
ا مطابقًا للتقييم في جميع التخصصات
المسار وتحسين األداء، ال بوصفه مرادف . ً
7.7 – التطوير واإلعداد الجديد
هو تحويل نتائج التجربة إلى معارف أو مهارات أو قواعد عمل أو خطط محسنة، بحيث تدخل الخبرة
السابقة في االستعداد للمواقف المستقبلية.
8 . عرض نموذج محمود الجاف المقترح لقيادة الذات والرشد
يقترح الباحث تنظيم العمليات السابقة في خمس مراحل مترابطة تمثل دورة متجددة.
المرحلة األولى: اإلعداد المسبق
تمثل هذه المرحلة نقطة البداية في النموذج. وينطلق مبدؤها من أن االستعداد قبل الفعل قد يقلل االرتباك
ويساعد على توجيه السلوك، خصو ًصا عندما يستطيع الفرد توقع بعض متطلبات الموقف أو صعوباته.
ويتكون اإلعداد المسبق من أربعة أبعاد:
أ. اإلعداد المعرفي : يشمل اكتساب المعلومات الضرورية، وتحديد األهداف، وفحص القناعات
واالفتراضات، وتوقع المشكالت المحتملة.
ب. اإلعداد االنفعالي : يشمل التعرف إلى المشاعر التي قد تظهر في الموقف، واالستعداد للتعامل معها
دون افتراض إمكان منعها تما . ًما
ج. اإلعداد السلوكي : يشمل اكتساب المهارات المطلوبة، والتدرب على االستجابات المناسبة، وتحديد
الخطوات العملية الالزمة للتنفيذ.
د. اإلعداد العملي والسياقي : يشمل تقدير الوقت والموارد والبيئة والدعم المتاح، وتحديد ما إذا كان الفرد
يحتاج إلى مساعدة أو تدريب إضافي.
ومن التطبيقات الممكنة لهذه المرحلة استخدام خطة تربط موقفًا متوقعًا باستجابة محددة، مثل: “إذا
شعرت بأن غضبي يتصاعد أثناء النقاش، فسأتوقف قليًال إن كان ذلك مناسبًا، وأؤجل الرد حتى أستطيع
التفكير بصورة أوضح “.
لكن اإلعداد المسبق ال يعني توقع جميع االحتماالت، وال يشترط انتظار الظروف المثالية. إنه استعداد مرن
يتيح للفرد بدء العمل ضمن إمكاناته، مع االستعداد لتعديل الخطة.
المرحلة الثانية: الوعي والممارسة
تنتقل العملية في هذه المرحلة من االستعداد إلى التعامل الفعلي مع الموقف.
ويحتاج الفرد خاللها إلى مالحظة ما يحدث داخله وخارجه، بما في ذلك أفكاره ومشاعره ودوافعه
والسلوك الذي يقوم به، ومقارنة ذلك بهدفه وخطته.
ومن األسئلة التي يمكن أن يستخدمها:
ماذا أفكر اآلن؟
ما الشعور الذي يؤثر في استجابتي؟
هل أتعامل مع حقيقة أم مع افتراض؟
هل ما أفعله ينسجم مع هدفي؟
هل ظهرت معلومات جديدة تستدعي تعديل الخطة؟
هل أحتاج إلى التوقف أو طلب المساعدة؟
ويؤكد النموذج التمييز بين الفكرة والفعل، وبين الشعور واالستجابة. فقد تظهر لدى اإلنسان فكرة غير
مرغوبة أو رغبة في رد انفعالي، لكن ظهورها ال يعني بالضرورة أنه ملزم بتحويلها إلى سلوك. وال
يهدف الوعي إلى محاربة جميع األفكار أو المشاعر، وإنما إلى مالحظتها وفهم تأثيرها، ثم اختيار
االستجابة الممكنة واألكثر مالءمة. كذلك، ال يُطلب من الفرد أن يراقب كل تفصيل من تفاصيل سلوكه
بصورة مستمرة؛ بل يستخدم المراقبة عندما تكون مفيدة لتحقيق الهدف أو تجنب الضرر أو تعديل
المسار.
المرحلة الثالثة: الرشد واتخاذ القرار
تمثل هذه المرحلة محور المفاضلة بين البدائل. ويقترح الباحث النظر إلى الرشد بوصفه قدرة مو جِّ هة
لالختيار، ال مجرد نتيجة للتقدم في العمر أو امتالك المعرفة. فقد يمتلك الفرد معلومات كثيرة لكنه ال
يوازن بين العواقب، وقد يدرك مخاطر سلوك معين لكنه يستمر فيه تحت تأثير ضغط لحظي، وقد يتخذ
قرا . ًرا مناسبًا ثم يحتاج إلى مراجعته عندما تتغير الظروف
وفي هذا النموذج، يتضمن اتخاذ القرار الرشيد الخطوات اآلتية:
.1 تحديد المشكلة الفعلية وفصلها عن التفسيرات المتسرعة.
.2 جمع المعلومات الضرورية وتقدير مدى موثوقيتها.
.3 تحديد البدائل الواقعية، بما فيها تأجيل القرار بصورة مدروسة أو طلب المساعدة.
.4 تقدير النتائج المحتملة لكل بديل على المدى القريب والبعيد.
.5 مراجعة القيم والمسؤوليات والحقوق المرتبطة بالموقف.
.6 تقدير اإلمكانات والوقت والظروف الالزمة للتنفيذ.
.7 اختيار البديل األكثر مالءمة للمعلومات واألهداف والظروف المتاحة.
.8 االستعداد لمراجعة القرار عند ظهور معلومات جديدة أو تغير الظروف.
وال يعني الرشد الوصول دائ ًما إلى القرار المثالي؛ فاإلنسان يعمل في ظروف قد تتسم بنقص المعلومات
وعدم اليقين وتعارض األهداف. ويظهر الرشد هنا في تنظيم االختيار، وتقدير حدوده، وتحمل المسؤولية،
واالستعداد للتصحيح.
ويؤكد النموذج أي ًضا أن جودة القرار قد تتأثر بموعد تنفيذه، وطريقة تنفيذه، ومدى االستعداد له. فقد
يكون تأجيل المواجهة لفترة قصيرة قرا ة الهدوء، بينما قد يصبح التأجيل ًرا حكي ًما إذا كان يتيح استعاد
تسويفًا إذا لم يكن له غرض واضح.
المرحلة الرابعة: التقييم والتقويم
ال يكتمل مسار قيادة الذات عند تنفيذ القرار، ألن النتيجة قد تختلف عن المتوقع، وألن الفرد قد ال يعرف
أسباب نجاحه أو إخفاقه من دون مراجعة.
ولهذا، تميز هذه المرحلة بين التقييم والتقويم.
التقييم يجيب عن أسئلة مثل:
ما الهدف الذي حددته؟
ما الذي تحقق فعليًا؟
ما الفارق بين النتيجة المتوقعة والنتيجة الفعلية؟
ما العوامل التي ربما ساعدت أو أعاقت األداء؟
أما التقويم فيتعلق بالخطوة التالية:
ما الذي ينبغي تغييره؟
هل كانت المشكلة في الخطة أم في التنفيذ أم في تقدير الظروف؟
هل أحتاج إلى معلومات أو مهارات إضافية؟
ما االستراتيجية التي سأجربها في المرة المقبلة؟
ويجب أن يقوم هذا الفحص على معلومات معقولة، ال على لوم الذات أو تفسير كل إخفاق بوصفه دليًال
على العجز الشخصي. فبدًال من أن يقول الطالب: “أنا ال أستطيع النجاح”، يمكنه أن يقول: “لم يكن توزيع
الوقت مناسبًا، وسأختبر خطة أكثر واقعية في المحاولة التالية”.
وال يعني ذلك إعفاء الفرد من المسؤولية أو تبرير الخطأ، بل نقل المراجعة من إصدار األحكام العامة إلى
تحديد العوامل القابلة للتعديل.
المرحلة الخامسة: التطوير واإلعداد الجديد
تمثل هذه المرحلة الجسر بين الخبرة السابقة والمواقف المستقبلية.
فإذا اكتشف الفرد أن خطته لم تكن واقعية، فإنه يعدل تقدير الوقت. وإذا الحظ أن انفعاله يؤثر في قراراته،
فإنه يطور استراتيجية مناسبة للتعامل معه. وإذا تبين له أن نقص المعلومات أدى إلى اختيار ضعيف،
فإنه يضيف خطوة لجمع المعلومات إلى خطته المقبلة.
وقد يشمل التطوير:
اكتساب معرفة جديدة.
تنمية مهارة سلوكية أو انفعالية.
تعديل االعتقاد أو االفتراض غير الدقيق.
تحسين طريقة التخطيط وتقدير الموارد.
االستفادة من التغذية الراجعة.
طلب المساعدة عند الحاجة.
بناء خطة جديدة للمواقف القادمة.
وبذلك ال تكون نهاية الدورة مجرد انتهاء للمهمة، بل بداية الستعداد أكثر مالءمة، مع بقاء احتمال تكرار
األخطاء أو مواجهة ظروف غير متوقعة.
8.1 – المخطط العام للنموذج
اإلعداد المسبق ← الوعي والممارسة ← الرشد واتخاذ القرار ← التقييم والتقويم ← التطوير واإلعداد
الجديد ← اإلعداد المسبق لدورة الحقة.
والعالقة بين المراحل ليست خطية بصورة جامدة. فقد يحتاج الفرد إلى العودة إلى مرحلة سابقة إذا
اكتشف نق ًصا في المعلومات، أو تغيرت الظروف، أو ظهرت مخاطر لم تكن متوقعة.
الدور المو جِّ 8.2 – ه للرشد
ًما عن بقية المراحل، بل قدرة مو جِّ هة تظهر بصورة
يقترح الباحث أن الرشد ليس مرحلة منفصلة تما
مباشرة في المفاضلة بين البدائل، ويمكن أن تؤثر أي ًضا في جودة اإلعداد، والممارسة، والتعامل مع
النتائج. فاإلعداد الرشيد يراعي اإلمكانات الواقعية، والممارسة الرشيدة تسمح بمراجعة االستجابة،
والتقييم الرشيد يميز بين الخطأ القابل للتصحيح والظروف الخارجة عن السيطرة.
وهذه العالقة فرضية مفاهيمية في النموذج، وتحتاج إلى مزيد من التحديد قبل أن تُعامل بوصفها عالقة
علمية مثبتة.
9 . المبادئ األساسية للنموذج
يقوم النموذج المقترح على مجموعة من المبادئ التي توجه تفسير مراحله وتطبيقها:
المبدأ األول: المعرفة وحدها ال تضمن السلوك
قد يعرف اإلنسان ما ينبغي فعله، لكنه يحتاج أي ًضا إلى االستعداد والمهارة والقدرة على التعامل مع
الظروف التي تعوق التنفيذ.
المبدأ الثاني: االستعداد يسبق الفعل متى أمكن
يساعد تحديد الهدف وتوقع الصعوبات ووضع خطة قابلة للتعديل على تقليل االرتباك، من دون افتراض
إمكان توقع كل شيء.
المبدأ الثالث: الوعي يتيح فرصة للمراجعة
تساعد مالحظة األفكار والمشاعر والدوافع على فحص االستجابة قبل تنفيذها أو أثناءها، عندما تتوافر
للفرد فرصة واقعية لذلك.
المبدأ الرابع: المشاعر مؤثرة وليست أوامر حتمية
ال يعني وجود انفعال معين أن االستجابة المرتبطة به هي الخيار الوحيد، وإن كانت شدة االنفعال
والظروف المحيطة قد تؤثر في القدرة على االختيار.
المبدأ الخامس: الرشد يتطلب الموازنة ال مجرد المعرفة
يتضمن االختيار الرشيد تقدير المعلومات والعواقب والقيم والحقوق والوقت واإلمكانات، واالستعداد
لمراجعة القرار.
المبدأ السادس: التقييم يختلف عن لوم الذات
يهدف التقييم إلى فهم النتائج والعوامل المؤثرة فيها، بينما يهدف التقويم إلى تعديل ما يمكن تغييره.
المبدأ السابع: الخبرة تصبح أكثر فائدة عندما تتحول إلى تعديل
ال تكفي تجربة النجاح أو الفشل وحدها لضمان التعلم؛ بل ينبغي أن تُفحص التجربة وتُستخلص منها نتائج
قابلة لالستخدام.
المبدأ الثامن: قيادة الذات مرنة وسياقية
قد تتغير االستجابة المناسبة بحسب الموقف والموارد والوقت والحقوق والمخاطر. لذلك، ال ينبغي تطبيق
المراحل باعتبارها قواعد جامدة تصلح لجميع الظروف.
10 . موقع النموذج من األدبيات السابقة واإلضافة المفاهيمية المقترحة
يتقاطع النموذج المقترح مع عدد من األطر النفسية، لكنه ال يطابق أيًا منها بالضرورة.
فالتنظيم الذاتي يسلط الضوء على توجيه السلوك ومراقبته، وما وراء المعرفة على مراقبة العمليات
المعرفية، والتنظيم االنفعالي على كيفية التعامل مع المشاعر، ونوايا التنفيذ على الربط بين الموقف
واالستجابة، والتعلم المنظم ذاتيًا على دور التخطيط واألداء والتأمل في تحسين التعلم.
أما البناء الذي يقترحه الباحث فينظم هذه الجوانب ضمن دورة واحدة تتضمن خمس مراحل مسماة
ومترابطة، ويبرز ثالثة أمور:
.1 اإلعداد المسبق بوصفه نقطة انطالق صريحة :يشمل االستعداد المعرفي واالنفعالي والسلوكي
والسياقي قبل الدخول في الموقف.
.2 الرشد واتخاذ القرار بوصفهما محو ًرا واض ًحا للمفاضلة :بحيث ال يقتصر النموذج على المراقبة
والتنظيم، بل يحدد موقعًا صري ًحا الختيار البديل المناسب.
.3 العودة من التطوير إلى إعداد جديد :بحيث تتحول الخبرة إلى مدخل للدورة التالية بدًال من االكتفاء
بمراجعة النتائج.
ويمكن أن تكون هذه الجوانب أسا ًسا لإلضافة النظرية المقترحة، لكن ال يصح الجزم بأنها غير موجودة
مجتمعة في أي نموذج سابق قبل إجراء مقارنة منهجية أوسع.
وعليه، فإن الصياغة العلمية الحذرة هي أن الباحث يقترح بنا ًء تكامليًا يسعى إلى تنظيم عمليات االستعداد
ِّ هة للمفاضلة بين البدائل
والممارسة واالختيار والتعلم في دورة واحدة، ويطرح الرشد بوصفه قدرة مو ج .
وإلثبات قيمة هذا البناء، ينبغي أن تجيب مراجعة األدبيات عن أسئلة محددة: هل توجد نماذج سابقة
تتضمن المراحل الخمس نفسها؟ وهل العالقات المقترحة بينها مختلفة من الناحية النظرية؟ وهل يوفر
النموذج طريقة أكثر وضو ًحا للتطبيق أو القياس؟ وهل يضيف قيمة تفسيرية أو عملية تتجاوز ما تقدمه
األطر القائمة؟
وال يمكن حسم هذه األسئلة من خالل التشابه في المصطلحات أو اختالف أسماء المراحل وحده.
11 . االفتراضات والمقترحات النظرية القابلة لالختبار
لتحويل النموذج من وصف عام إلى إطار يمكن فحصه علميًا، يقترح الباحث مجموعة من االفتراضات
األولية:
االفتراض األول :قد يرتبط وضوح اإلعداد المسبق بارتفاع مستوى االستعداد لتنفيذ السلوك المستهدف،
عندما تكون الخطة واقعية وتتوفر الموارد الضرورية.
االفتراض الثاني :قد تسهم القدرة على مالحظة األفكار والمشاعر أثناء الموقف في زيادة فرص تعديل
االستجابة بما يتوافق مع الهدف، خصو ًصا إذا توفرت استراتيجيات عملية مناسبة.
االفتراض الثالث :قد يرتبط تنظيم المفاضلة بين البدائل، بما يشمل تقدير العواقب واإلمكانات والقيم،
بجودة القرارات وفق معايير محددة مسبقًا.
االفتراض الرابع :قد يرتبط التقييم المنظم بعد الفعل بقدرة أكبر على تحديد األخطاء القابلة للتعديل، عندما
يستند إلى معلومات واضحة بدًال من األحكام العامة على الذات.
االفتراض الخامس :قد يساعد تحويل نتائج التجربة إلى خطط جديدة على تحسين االستعداد الالحق، إذا
كانت التعديالت مناسبة للمشكلة وقابلة للتنفيذ.
االفتراض السادس :قد تكون العالقة بين مراحل النموذج تبادلية ومتكررة، بحيث تؤثر نتائج دورة سابقة
في جودة اإلعداد للدورة التالية.
هذه افتراضات بحثية وليست نتائج توصلت إليها الدراسة الحالية. وينبغي تحديد المؤشرات التي تمثل كل
مفهوم، واختيار أدوات قياس مناسبة، ثم اختبار االفتراضات بطرائق مالئمة لطبيعة كل سؤال.
12 . مثال تطبيقي: طالب جامعي يعاني من التسويف والقلق قبل االمتحانات
لنفترض أن طالبًا جامعيًا يريد تحسين مستواه الدراسي، لكنه يؤجل الدراسة ويشعر بالقلق كلما اقترب
موعد االمتحان.
المرحلة األولى: اإلعداد المسبق
يحدد الطالب المواد المطلوبة، ويقدر الوقت المتاح، ويقسم المهمة إلى أجزاء صغيرة، ويحدد المشتتات
المتوقعة. كما يضع خطة بديلة إذا تأخر عن الجدول.
المرحلة الثانية: الوعي والممارسة
يالحظ الطالب متى يبدأ في تجنب الدراسة، وما األفكار التي تظهر لديه، مثل: “المادة صعبة ج ًدا” أو “لن
أستطيع إكمالها”. ويفحص ما إذا كان يحتاج إلى البدء بجزء أصغر أو طلب توضيح من المدرس.
المرحلة الثالثة: الرشد واتخاذ القرار
يقارن الطالب بين استمرار التأجيل والبدء بمهمة قصيرة ومحددة، ويراعي الوقت المتاح ومستوى
االستعداد وأهمية المادة. ثم يختار خطوة واقعية بدًال من انتظار زوال القلق تما . ًما
المرحلة الرابعة: التقييم والتقويم
يراجع الطالب في نهاية األسبوع ما أنجزه مقارنة بخطته، ويحدد ما إذا كان التأخير نات ًجا عن تقدير غير
واقعي للوقت أو عن صعوبة في فهم المادة أو عن مشتتات متكررة.
المرحلة الخامسة: التطوير واإلعداد الجديد
يعدل الطالب جدوله وفق ما تعلمه، ويضيف وقتًا للمراجعة، ويضع خطة للتعامل مع المشتتات، ثم يبدأ
دورة جديدة.
ويظهر المثال كيف يمكن استخدام النموذج لتنظيم التفكير والعمل. لكنه ال يثبت أن اتباع المراحل الخمس
سيقلل التسويف أو القلق؛ فإثبات ذلك يتطلب دراسة تجريبية مناسبة ومقارنة النتائج بأدوات قياس
موثوقة.
13 . التطبيقات التربوية والتدريبية المقترحة
يمكن تحويل النموذج إلى إطار تدريبي أولي يهدف إلى تعليم الطالب واألفراد مهارات التخطيط والمراقبة
واتخاذ القرار والتعلم من الخبرة.
13.1 – تمرين ما قبل الفعل
قبل مهمة أو قرار مهم، يجيب الفرد عن األسئلة اآلتية:
.1 ما الهدف الذي أريد تحقيقه؟
.2 ما المعلومات التي أحتاج إليها؟
.3 ما الصعوبات المحتملة؟
.4 ما المشاعر التي قد تؤثر في استجابتي؟
.5 ما البدائل المتاحة؟
.6 ما الوقت والموارد الالزمة؟
.7 ما خطتي إذا ظهرت عقبة متوقعة؟
.8
13.2 – تمرين أثناء الممارسة
يسأل الفرد نفسه، عند الحاجة:
.1 هل ما أفعله ينسجم مع هدفي؟
.2 هل ظهرت معلومات جديدة؟
.3 هل أتصرف تحت تأثير انفعال شديد؟
.4 هل أحتاج إلى تعديل الخطة؟
.5 هل االستمرار مناسب، أم أن التوقف أو طلب المساعدة أكثر حكمة؟
13.3 – تمرين ما بعد الفعل
بعد إتمام المهمة، يراجع الفرد:
.1 ما النتيجة التي حققتها؟
.2 ما العوامل التي ساعدتني؟
.3 ما الذي أعاقني؟
.4 ما الخطأ الذي يمكن تصحيحه؟
.5 ما المهارة التي أحتاج إلى تطويرها؟
.6 ما التعديل الذي سأجربه في المرة المقبلة؟
.7
13.4 – االستخدام في التعليم الجامعي
يمكن للمدرسين توظيف المراحل الخمس في األنشطة التي تتطلب تخطي ًطا طويل المدى، أو إنجاز
مشروعات جماعية، أو اتخاذ قرارات تتعلق بالتعلم، أو مراجعة األداء بعد االمتحانات. ويمكن أي ًضا
استخدام النموذج في اإلرشاد التربوي والتدريب على المهارات الحياتية، شريطة تقييم مالءمته للفئة
المستهدفة وعدم تقديمه باعتباره تدخًال عالجيًا مثبتًا قبل إجراء الدراسات الالزمة.
14 . كيف يمكن اختبار النموذج علميًا؟
يتطلب االنتقال من النموذج المفاهيمي إلى النموذج المدعوم باألدلة برنام ًجا بحثيًا تدريجيًا.
14.1 – المرحلة األولى: مراجعة األدبيات وتحديد األصالة
تُجرى مراجعة منظمة للدراسات المتعلقة بالتنظيم الذاتي وما وراء المعرفة والتنظيم االنفعالي واتخاذ
القرار والتعلم المنظم ذاتيًا. ويُحدد مسبقًا نطاق المراجعة وقواعد البيانات والكلمات المفتاحية ومعايير
اختيار الدراسات. والهدف هو تحديد أوجه التشابه واالختالف، ومعرفة ما إذا كانت بنية النموذج أو
عالقاته المقترحة تضيف شيئًا محدًدا إلى األدبيات.
14.2 – المرحلة الثانية: التحكيم المفاهيمي
يمكن عرض تعريفات المراحل والعالقات المقترحة على مجموعة من المتخصصين في علم النفس وعلم
النفس التربوي والقياس النفسي، بهدف تقييم وضوح المفاهيم، ومدى تداخلها، واكتمالها، وإمكان
تحويلها إلى مؤشرات قابلة للقياس. وال يغني التحكيم عن االختبار التجريبي، لكنه قد يساعد على تحسين
البناء قبل تطبيقه.
14.3 – المرحلة الثالثة: تطوير أدوات القياس
إذا تقرر قياس النموذج، فينبغي وضع مؤشرات مستقلة وواضحة لكل مرحلة، وتحديد ما إذا كان النموذج
يتكون من أبعاد مترابطة أم من مراحل عملية أم من بناء أعلى يتضمن مكونات فرعية. وال ينبغي افتراض
أن المراحل الخمس تمثل تلقائيًا مقيا ًسا نفسيًا واح ًدا؛ فقد تحتاج بعض المكونات إلى مقاييس مستقلة أو
إلى أدوات سلوكية ومالحظات عملية.
14.4 – المرحلة الرابعة: الدراسة التجريبية األولية
يمكن تصميم برنامج تدريبي مستند إلى النموذج، ثم تقييمه لدى عينة مناسبة من الطالب، مع مجموعة
مقارنة مالئمة حيثما أمكن. وتشمل النتائج المحتملة التخطيط الدراسي، وتنفيذ المهام، ومراقبة األداء،
وجودة القرار في مهام محددة، والقدرة على استخدام التغذية الراجعة. ويجب تحديد النتائج األساسية
مسبقًا، واستخدام أدوات موثوقة، ومراعاة العوامل التي قد تؤثر في النتائج.
14.5 – المرحلة الخامسة: تقييم االستمرار والقيمة اإلضافية
إذا ظهرت نتائج إيجابية أولية، يمكن إجراء متابعة بعد انتهاء التدريب لمعرفة ما إذا كانت التحسينات
تستمر. كما يمكن مقارنة البرنامج ببرامج قائمة أو بممارسات تعليمية معتادة لتحديد ما إذا كان يقدم فائدة
إضافية. وال يكفي تحسن األداء بعد التدريب وحده إلثبات أن المراحل الخمس، بوصفها بنية محددة، هي
السبب في التحسن؛ بل يتطلب ذلك تصمي ًم . ا يسمح بفحص التفسيرات البديلة
15 . حدود النموذج
يتطلب االستخدام العلمي المسؤول للنموذج االعتراف بحدوده الحالية:
.1 الحد النظري :النموذج مقترح مفاهيمي لم يُختبر بعد بوصفه بنا ًء متكام ًال.
.2 حدود األصالة :لم تُستكمل بعد مراجعة شاملة تثبت مدى اختالفه عن جميع النماذج السابقة.
.3 حدود القياس :لم تُط ور بعد أدوات مستقلة للتحقق من مكوناته أو العالقات المفترضة بينها.
.4 حدود التعميم :ال يمكن افتراض أن النموذج سيعمل بالطريقة نفسها لدى جميع األفراد أو في
جميع الثقافات والمواقف.
.5 حدود التحكم الفردي :تتأثر القرارات والسلوكيات بعوامل بيئية واجتماعية وصحية ومادية ال
يستطيع الفرد التحكم فيها كلها.
.6 حدود التطبيق النفسي :ال ينبغي استخدام النموذج بديًال عن التدخل المهني أو العالجي عندما
تستدعي الحالة ذلك.
.7 حدود السببية :ال يمكن استنتاج أن تطبيق النموذج يؤدي بالضرورة إلى النجاح أو النضج أو
انخفاض القلق دون بيانات مناسبة.
وتمثل هذه الحدود أسا ًسا لتطوير البحث، ال سببًا إلهمال الفكرة؛ فالتصور النظري يمكن أن يكون نقطة
بداية لبرنامج بحثي إذا صيغت مفاهيمه بوضوح وأ . ُخضعت افتراضاته للفحص
16 – المناقشة
قدم هذا البحث تصو ًرا مفاهيميًا لقيادة الذات يقوم على ربط االستعداد السابق بالممارسة الواعية واتخاذ
القرار والتقييم والتقويم والتطوير المستمر. ويستند التصور إلى فكرة أن السلوك ال يتحدد بالمعرفة
وحدها، بل يتأثر بقدرة الفرد على تحويل األهداف إلى خطط، ومراقبة استجاباته، وتقدير البدائل
والظروف، والتعلم من النتائج.
وتتمثل النقطة المركزية في النموذج في وضع هذه العمليات ضمن دورة واحدة، مع إبراز الرشد بوصفه
قدرة مو ج لمفاضلة بين البدائل. وال يُقصد بالرشد هنا الكمال أو غياب الخطأ، بل تنظيم االختيار وفق ِّ هة ل
المعلومات واألهداف والقيم والحقوق واإلمكانات، مع االستعداد لتعديل القرار.
ويتقاطع هذا التصور مع نظريات التنظيم الذاتي وما وراء المعرفة والتنظيم االنفعالي والتعلم المنظم ذاتيًا.
غير أن التقاطع النظري ال يكفي إلثبات أن النموذج مستقل أو جديد بصورة مطلقة. ولذلك، ينبغي أن
تتضمن النسخة النهائية من البحث مقارنة منهجية توضح ما إذا كان إسهامه يتمثل في تركيب المكونات،
أو في طريقة تنظيمها، أو في العالقات المقترحة بينها، أو في قابليتها للتطبيق ضمن إطار واحد.
ومن المهم أي ًضا أال يُفهم النموذج على أنه دعوة إلى تحميل الفرد المسؤولية الكاملة عن كل نتيجة.
فاإلعداد الجيد ال يلغي أثر الظروف، والوعي ال يزيل جميع االنفعاالت، والقرار المنظم ال يضمن نتيجة
مثالية. وتظل المرونة وطلب المساعدة وتقدير القيود جز ًءا من التطبيق الرشيد.
ومن منظور تربوي، قد يوفر النموذج لغة مشتركة تساعد الطالب على االنتقال من تحديد الهدف إلى
تخطيط التنفيذ ومراجعة األداء. لكن قيمته التعليمية ينبغي أن تُقاس بنتائج محددة، ال بمجرد جاذبية
المصطلحات أو قبول المشاركين للفكرة.
وعليه، فإن اإلسهام الحالي هو تقديم بناء مفاهيمي قابل للنقاش والتطوير، مع تحديد مسارات واضحة
لفحص أصالته ووضوحه وفاعليته. أما إثبات أنه يحسن اتخاذ القرار أو يطور الرشد بدرجة تفوق
األساليب األخرى، فيبقى سؤاًال تجريبيًا مفتو ًحا.
17 . الخاتمة
انطلقت الدراسة من التساؤل عن كيفية مساعدة اإلنسان على تحويل المعرفة واألهداف إلى سلوك أكثر
وعيًا وتنظي ًم . ا، واالستفادة من الخبرة في تطوير األداء المستقبلي
واستجابة لهذا التساؤل، قدم الباحث نموذ ًجا مفاهيميًا مقتر ًحا لقيادة الذات وتنمية الرشد، يتكون من
خمس مراحل: اإلعداد المسبق، والوعي والممارسة، والرشد واتخاذ القرار، والتقييم والتقويم، والتطوير
واإلعداد الجديد.
ويفترض النموذج أن هذه المراحل يمكن أن تعمل ضمن دورة متجددة؛ إذ يهيئ الفرد نفسه للموقف،
ويراقب استجاباته أثناء الممارسة، ويفاضل بين البدائل، ثم يراجع النتائج ويستخدم ما تعلمه لتحسين
االستعداد الالحق.
وتتمثل القيمة التي يسعى النموذج إلى تقديمها في تنظيم هذه العمليات ضمن إطار مفاهيمي واضح،
وإتاحة إمكان تحويله إلى أسئلة وتمارين ومؤشرات يمكن بحثها وتطويرها.
ومع ذلك، فإن النموذج في صورته الحالية يظل مقتر ًحا نظريًا يحتاج إلى استكمال المراجعة العلمية
المقارنة، وتدقيق تعريفاته، وفحص العالقات المفترضة بين مراحله، ثم اختباره بطرائق مناسبة.
إن اإلنسان الذي يتعلم قيادة ذاته ال يضمن النجاح في كل مرة، لكنه يستطيع أن يزيد فرص االستجابة
الواعية من خالل االستعداد والممارسة واالختيار والمراجعة والتطوير. ويختصر النموذج هذه الفكرة في
دورة متجددة:
استعد بوعي، ومارس بانتباه، واختر برشد، وقي م بإنصاف، وق وم أخطاءك، وط ور نفسك، ثم استعد من
جديد.
المراجع
Bandura, A. (1991). Social cognitive theory of self-regulation. Organizational
Behavior and Human Decision Processes, 50(2), 248–287.
https://doi.org/10.1016/0749-5978(91)90022-L
Borsboom, D., van der Maas, H. L. J., Dalege, J., Kievit, R. A., & Haig, B. D. (2021).
Theory construction methodology: A practical framework for building theories
in psychology. Perspectives on Psychological Science, 16(4), 756–766.
https://doi.org/10.1177/1745691620969647
Flavell, J. H. (1979). Metacognition and cognitive monitoring: A new area of
cognitive–developmental inquiry. American Psychologist, 34(10), 906–911.
https://doi.org/10.1037/0003-066X.34.10.906
Gollwitzer, P. M. (1999). Implementation intentions: Strong effects of simple
plans. American Psychologist, 54(7), 493–503. https://doi.org/10.1037/0003-
066X.54.7.493
Gross, J. J. (1998). The emerging field of emotion regulation: An integrative
review. Review of General Psychology, 2(3), 271–299.
https://doi.org/10.1037/1089-2680.2.3.271
Jaakkola, E. (2020). Designing conceptual articles: Four approaches. AMS
Review, 10, 18–26. https://doi.org/10.1007/s13162-020-00161-0
Zimmerman, B. J. (2002). Becoming a self-regulated learner: An overview.
Theory Into Practice, 41(2), 64–70.
https://doi.org/10.1207/s15430421tip4102_2
عن المؤلف
د. محمود الجاف
يقدم الباحث في هذه الدراسة نموذ ًجا مفاهيميًا مقتر ًحا لقيادة الذات وتنمية الرشد، يهدف إلى تنظيم
العالقة بين اإلعداد المسبق والوعي والممارسة واتخاذ القرار والتقييم والتقويم والتطوير المستمر.
ويسعى العمل إلى اإلسهام في النقاش العلمي والتربوي حول تحويل المعرفة إلى ممارسة واعية، وتطوير
االستعداد للمواقف، والتعلم من الخبرة.
ويظل النموذج مفتو ًحا للمراجعة العلمية والنقد والتطوير واالختبار التجريبي، بما يتيح تقييم مدى أصالته
المفاهيمية وقابليته للتطبيق وفاعليته في السياقات المختلفة.



