بداية نهاية عصر الغلبة العسكرية الغربية؟

بداية نهاية عصر الغلبة العسكرية الغربية؟
مالك التريكي
كاتب من تونس
لقرون طويلة، كانت الحروب سجالا. يوم لك ويوم عليك. فقد كانت القبائل والأمم والإمبراطوريات المتعاصرة في مختلف أطوار التاريخ قوى متقاربة، بل وفي معظم الحالات متكافئة، في مجال التقنية العسكرية والصناعة الحربية. لهذا نالت قرطاج من روما مرارا قبل أن يؤول النصر للرومان. وما كان دخول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مراهنة (قبل تحريم الرهان) مع بعض المشركين من قريش عقب نزول فواتح سورة الروم، أي قبل بضع سنين من اندلاع الحرب الثانية بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية، إلا لأن احتمالات النصر والهزيمة كانت، من حيث المبدأ، متساوية بين الجانبين. أما رهانه على أهل الكتاب البيزنطيين (وليس على الفرس الوثنيين) فذلك ليقينه بصدق ما بشّر به القرآن الكريم: «الم، غُلبت الرومُ في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبِهم سيَغلِبون في بضع سنين. لله الأمرُ من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم».
كما أن اجتياح المغول للشرق كالطوفان لم يمنع المماليك من النصر عليهم ثم النصر على الصليبيين الذين امتد احتلالهم في بعض مناطق المشرق العربي نحوا من قرنين. ثم دالت دولة المماليك وكان النصر لبني عثمان. ورغم أن الإسبان احتلوا سواحل تونس والجزائر قرابة نصف قرن فقد انتصر العثمانيون عليهم ونجا مسلمو البلدين من مصير مشابه لمصير شعوب القارة الأمريكية التي كان الإسبان آنذاك ممعنين في إخضاعها لمصير التذبيح أو التنصير. وما هذه إلا مجرد أمثلة تظهر كيف أن الحروب ظلت طوال آلاف السنين سجالا بين الأمم، حيث لم يكن في مجال التكنولوجيا العسكرية ما يضمن لأي أمة أو إمبراطورية دوام الغلبة.
الحروب ظلت طوال آلاف السنين سجالا بين الأمم، حيث لم يكن في مجال التكنولوجيا العسكرية ما يضمن لأي أمة أو إمبراطورية دوام الغلبة
إلا أن البشرية قد دخلت منذ حلول العصر الحديث في مرحلة غير مسبوقة من اختلال الميزان العسكري بين الأمم. فقد أتاح التفوق الأوروبي في مجال التكنولوجيا العسكرية، مع اختراع البارود والمدفع أول الأمر، للإسبان والبرتغاليين، ثم للبريطانيين، إبادة ملايين من أهالي القارة الأمريكية عن بكرة أبيهم. ولم يكن لكثير من أمم الشرق والجنوب علم بهذا الانقلاب التاريخي الناجم عن التفوق العسكري الأوروبي إلا عندما حدثت صدمة المواجهات العسكرية الأولى (حملة نابليون على مصر؛ معركة إيسلي عام 1844 بين المغاربة والجيش الفرنسي، الخ). وقد امتدت هذه الغلبة العسكرية الأوروبية زمنا طويلا إلى حد أغرى المؤرخ الأمريكي فيكتور ديفيد هانسون بالزعم الواهم، في كتابيْه «الطريقة الغربية في القتال» و»الفَتْكُ والثقافة»، بأن الغرب يمتاز منذ زمن الإغريق بخصائص ثقافية ضمنت له دوام النصر على الأعداء. ولكن الزمن المعاصر أثبت أن التأخر الحضاري عموما لا يمنع القدرة على الصمود أو النصر في الحروب. بل يكفي أن تحصل أي أمة أو حركة تحرر على السلاح العصري لكي تكبد الجيوش الغربية هزائم منكرة، مثلما فعلت الهند الصينية (فيتنام) بالفرنسيين في الخمسينيات ثم بالأمريكيين في الستينيات، ومثلما فعل المصريون بالإسرائيليين عام 1973، ومثلما يفعل الإيرانيون اليوم بالأمريكيين. وقد أثبتت دولة متحجرة سياسيا ومتأخرة اقتصاديا مثل كوريا الشمالية (التي يعاني كثير من سكانها سوء التغذية منذ عقود) أن امتلاك التكنولوجيا العسكرية والقدرة على التصنيع الحربي كافيان لمواجهة أقوى الدول وأكثرها تقدما.
أما إيران وأوكرانيا فإنهما تقدمان اليوم أقوى دليل على أن الاعتماد على الذات في مجال تطوير التكنولوجيا العسكرية وتصنيع الأسلحة الزهيدة التكاليف، كالمسيّرات مثلا، يتيح لأي أمة القدرة على خوض حروب لا-تناظرية ضد أقوى الجيوش. وقد تقدمت أوكرانيا إلى حد يرشحها لأن تصير أقدر الأمم، على ما يبدو، على تحويل الخيال العلمي إلى حقيقة: أي اختراع الروبوتات القادرة على القتال باستقلال تام. وتتمثل مهمة وزير الدفاع الأوكراني الجديد، خبير التكنولوجيا الرقمية الأوكراني الشاب ميخائيل فيدوروف، في زيادة عدد القتلى والجرحى الروس من 35 ألفا شهريا إلى 50 ألفا لحرمان روسيا من القدرة على تجنيد ما يكفي من الرجال للاستمرار في القتال. ولتحقيق هذه الغاية يعمل فيدوروف، بالتعاون مع مدير شركة بالانتير الأمريكية ألكس كارب، على مزيد دمج الذكاء الاصطناعي في المؤسسة العسكرية الأوكرانية وعلى إنتاج مسيرات ذاتية التوجيه، أي قادرة على اتخاذ قرار الهجوم بكل استقلال عن العنصر البشري. وهو على اقتناع بأن البلدان التي تستطيع امتلاك أسلحة التوجيه الذاتي سوف تضمن حصانتها الدفاعية لأنها ستكون مالكة لما يسميه بـ»السلاح النووي الجديد».
٭ كاتب تونسي




