بريطانيا في قلب الاستقطاب… صعود لليمين المتطرف وأزمة تحاصر حكومة حزب العمال

بريطانيا في قلب الاستقطاب… صعود لليمين المتطرف وأزمة تحاصر حكومة حزب العمال
وائل الحجار
قرع حقوقيون وسياسيون أجراس الإنذار في المملكة المتحدة بعد ظهور نتائج الانتخابات المحلية في 7 أيار/مايو، وما تلاها من استعراض قوة شهدته شوارع العاصمة البريطانية لندن بين يسارٍ ومؤيدي فلسطين، ويمين متطرف لا يخفي عداءه للمسلمين والمهاجرين، ودعمه لإسرائيل.
فقد أظهرت النتائج صعوداً كبيراً لحزب إصلاح المملكة المتحدة اليميني بقيادة نايجل فاراج، وتراجعاً حاداً لحزبي العمال والمحافظين، وتقدماً لأحزاب أقل حجماً مثل حزب الخضر فضلاً عن حزب الديمقراطيين الأحرار، وانقساماً حاداً حول جملة قضايا في مقدمتها الاقتصاد والهجرة والهوية والحريات والنظام الديمقراطي نفسه.
ويتفق سياسيون وحقوقيون وصحافيون ونشطاء تحدثت إليهم «القدس العربي»، على وجود حالة استقطاب يشهدها الشارع البريطاني، مقدمين قراءات متفاوتة بشأن الخطر الذي يشكّله صعود اليمين المتطرف في المملكة المتحدة.
جيمس موران: الانتخابات المحلية كشفت تصدعات عميقة جداً في نظام الحزبين
ولا يمكن حصر ما حصل هذا الشهر بمجرد خسارة انتخابية لحزب أو تقدم عابر لحزب شعبوي.
ويقول السفير البريطاني السابق في الاتحاد الأوروبي جيمس موران، في حديث عبر الهاتف مع «القدس العربي»، إن الانتخابات المحلية كشفت «تصدعات عميقة جداً» في النظام السياسي القائم على حزبين، مشيراً إلى أن نظام وستمنستر الحالي «ليس متكيفاً جيداً» مع التطورات السياسية التي شهدتها المملكة المتحدة خلال العقد الماضي.
ولا تظهر الأرقام أن حزباً خسر وآخر تقدم فحسب، بل تكشف تراجع الثقة في الحزبين اللذين حكما السياسة البريطانية منذ نحو قرن، وتصاعد خطاب اليمين المتطرف، وانقساماً حول قضية فلسطين، وقلقاً متزايد من الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية وخطاب الكراهية، رغم أن حكومة حزب العمال تعتمد الانتقائية في مواجهة هذا الخطاب، كما يؤكد منتقدوها.
وفي حديث مع «القدس العربي» عبر الهاتف، تقول ياسمين أحمد، مديرة مكتب «هيومن رايتس ووتش» في لندن، إن هناك «بالتأكيد قلقاً» من تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين وخطاب اليمين المتطرف، وأن هذا الخطاب «ينزلق أحياناً إلى ما يمكن تصنيفه بخطاب كراهية»، ويعمل على «شيطنة الأقليات وفئات أخرى داخل المملكة المتحدة».
أما الزعيم السابق لحزب العمال النائب جريمي كوربن، فيشكك خلال لقاء مع «القدس العربي» على هامش فعالية في لندن هذا الأسبوع في ذكرى نكبة فلسطين، بادعاءات اليمين المتطرف عن حجم قوته وصعوده.
نتائج قلبت المشهد
ومن دون شكّ، أظهرت نتائج الانتخابات المحلية تحولاً متصاعداً في اتجاهات السياسة البريطانية.
وفي قراءة للنتائج يظهر أن حزب الإصلاح اليميني حصل على 1454 مقعداً بلدياً، بزيادة بلغت 1452 مقعداً مقارنة بالانتخابات السابقة، وسيطر على 14 مجلساً محلياً، في أكبر اختراق انتخابي يحققه الحزب منذ تأسيسه.
وخسر حزب العمال 1498 مقعداً بلدياً وفقد السيطرة على 38 مجلساً، بينما خسر المحافظون 563 مقعداً وفقدوا السيطرة على 6 مجالس.
أما الديمقراطيون الأحرار فحققوا زيادة بـ155 مقعداً وسيطروا على مجلس إضافي، فيما حقق حزب الخضر مكاسب كبيرة أيضاً، بزيادة بلغت 441 مقعداً وسيطرته للمرة الأولى على 5 مجالس محلية.
ياسمين أحمد: الديمقراطية البريطانية مهددة وهشة بطريقة لم نشهدها منذ الحرب العالمية الثانية
وبحسب تقدير الحصة الوطنية المتوقعة، تصدر حزب الإصلاح النتائج بنسبة 26 في المئة، مقابل 18 في المئة لحزب الخضر، و17 في المئة لكل من المحافظين وحزب العمال، و16 في المئة للديمقراطيين الأحرار.
وشرّعت هذه الأرقام الباب أمام انفجار أزمة حزب العمال الداخلية، خصوصاً بعدما طاولت الخسائر مناطق كان الحزب يعدّها جزءاً من قاعدته الاجتماعية والتاريخية، وخصوصاً في لندن، وشمال إنكلترا، وويلز، وكذلك أسكتلندا، مع العلم أن أيرلندا الشمالية لم تشهد انتخابات.
غير أن الأزمة، قد لا تتعلق فقط بالأرقام.
فوراء صعود اليمين، كما تقول ياسمين أحمد، عجز الأحزاب الرئيسية عن طرح بدائل سياسية قائمة على الحقوق.
فالحكومة برأيها باتت «تتبنى سياسات، وتستخدم روايات، تحاكي، في بعض الجوانب، بعض المواقف الإشكالية جداً لدى اليمين المتطرف، وخصوصاً فيما يتعلق بالهجرة».
الهجرة والاقتصاد في الصدارة
وتكشف أرقام استطلاعية عن «يوغوف» رصدت بين 16 و18 أيار/مايو عن مشهد سياسي منقسم بشدة بعد الانتخابات المحلية.
فقد قال 67 في المئة إنهم لا يوافقون على سجل الحكومة حتى الآن، مقابل 15 في المئة قالوا إنهم يوافقون عليه، و18 في المئة أجابوا بأنهم لا يعرفون.
وعند سؤال المشاركين عن أهم القضايا التي تواجه البلاد، تصدّر الاقتصاد بنسبة 56 في المئة، تلته الهجرة واللجوء بنسبة 49 في المئة.
وترتفع أهمية الهجرة واللجوء بوضوح بين ناخبي المحافظين والذين سبق ان صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقارنة بمؤيدي البقاء.
كما تكشف أرقام «يوغوف» أن حزب الإصلاح يستفيد أساساً من تراجع المحافظين وتآكل جزء من قاعدة العمال.
ويربط الصحافي والكاتب البريطاني المؤيد لفلسطين، أسا وينستانلي صعود اليمين المتطرف مباشرة بخطاب الهجرة.
وفي حديث مع «القدس العربي»، يقول إن «المشاعر المعادية للهجرة هي السبب الرئيسي لصعود اليمين المتطرف».
وبرأيه فإن الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة «لا تتحدث عملياً إلا عن معارضة المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء».
ويربط ذلك أيضاً بأعمال الشغب التي شهدتها بريطانيا في صيف 2024، قائلاً إن الحديث حينها كان يدور حول ما يسمى «فنادق المهاجرين».
ويضيف أن من يتعرضون لهذا التحريض هم في كثير من الأحيان «أشخاص خائفون فروا من حروب في الخارج»، معرباً عن اعتقاده بأن كثيراً من هذه الحروب «تسببت بها بريطانيا».
ويقول: «الناس يفرون بحياتهم، ثم يتعرضون للاضطهاد في هذا البلد من قبل قوى اليمين المتطرف».
غياب البرامج
أما ياسمين أحمد فترى أن «إحدى أكبر المشكلات في السياسة البريطانية حالياً هي أن الأحزاب السياسية الرئيسية لم تعد تطرح برامج تُظهر أن مواقفها السياسية متوافقة مع حقوق جميع الناس وتعززها»، بل باتت، بحسب قولها، «تتبنى سياسات تتعلق بالهجرة والاحتجاجات تؤدي عملياً إلى تقييد الحقوق بدلاً من حمايتها».
وتقول إن نتائج الانتخابات المحلية أظهرت أن هذا النهج «يعزز مواقف اليمين المتطرف».
أزمة حزب العمال
كل هذا يترك كبير الأثر على حكومة حزب العمال التي تشهد واحدة من أخطر أزماتها السياسية منذ وصول كير ستارمر إلى السلطة.
ولا ترتبط الأزمة بعدد المقاعد التي خسرها الحزب فحسب، بل بقدرة الحزب على مخاطبة قواعده التقليدية، خصوصاً بعدما قاده التشدد في ملفات الهجرة وحرية الاحتجاجات إلى خسارة اليسار من دون كسب ناخبي اليمين.
وفي الأيام التالية للانتخابات، بدأ الحديث عن أزمة قيادة داخل الحزب، وعن صعود اسم آندي برنهام، عمدة مانشستر الكبرى، كبديل محتمل أو منافس مستقبلي لستارمر، من بين منافسين آخرين.
وأطلق برنهام الجمعة حملته تحت شعار يدعو إلى تغيير حزب العمال، مركزاً على أزمة المعيشة، والإسكان العام، وتقليص الفوارق بين لندن وشمال إنكلترا.
لكن أزمة العمال تبدو أوسع من سؤال القيادة.
فالحزب الذي وصل إلى الحكم على وعد بالاستقرار بعد سنوات المحافظين، يجد نفسه الآن أمام يمين شعبوي يستثمر الغضب من الاقتصاد والخدمات والهجرة، وأمام يسار يتهم الحكومة بالتخلي عن الحقوق والحريات، وخصوصاً في ملفات الاحتجاج وفلسطين والهجرة.
مسيرتان في لندن واستقطاب
في 16 أيار/مايو، شهدت لندن مشهداً كاشفاً لهذا الاستقطاب بين اليمين واليسار.
من جهة، نظم اليمين المتطرف مسيرة مرتبطة بالمدعو تومي روبنسون وأنصاره.
وفي مقابل ذلك، وقبله أساسا تخطيطا وتنظيماً، خرجت مسيرة ضخمة ضمت، حسب منظميها، أكثر من ربع مليون شخص، لإحياء ذكرى النكبة والتضامن مع فلسطين ورفض العنصرية واليمين المتطرف.
ويشكك بعض قادة اليسار في بريطانيا باندفاعة اليمين.
وهو حال جيريمي كوربن الذي يقول في تصريح لـ«القدس العربي» على هامش فعالية النكبة التي نظمها المنتدى الفلسطيني، إن «اليمين المتطرف في المملكة المتحدة يظنّ بأنه في حالة زحف. يوم السبت الماضي، لم تكن مظاهرتهم الكبيرة المزعومة، التي حملت اسم «وحّدوا المملكة»، كبيرة على الإطلاق، ورافقتها على ما يبدو حالات كثيرة من السكر والسلوك غير المنضبط».
جريمي كوربن: إيلون ماسك يمول اليمين المتطرف في بريطانيا
ويرى في المقابل أن «المسيرة ضد العنصرية ودعماً للشعب الفلسطيني، كانت كبيرة جداً، ومنظمة جيداً، ومنضبطة جداً، ولم تحدث فيها أي مشكلات».
ويتابع كوربن: «اليمين المتطرف يدعم إسرائيل لأن الولايات المتحدة تفعل ذلك، ولأن إيلون ماسك، الذي يمول اليمين المتطرف في بريطانيا، يفعل ذلك أيضاً».
ومن جانبها، تقول الدكتورة فداء شاهين، الناشطة في «حملة التضامن مع فلسطين»، والتي ترشحت في الانتخابات المحلية عن حزب الخضر عن بورنموث، في حديث مع «القدس العربي»، إن مسيرة النكبة «لم تكن مجرد فعالية لإحياء ذكرى تاريخية حدثت عام 1948، بل كانت رسالة واضحة بأن النكبة ما زالت مستمرة حتى اليوم، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان».
وتقول إن ما يتعرض له الفلسطينيون اليوم من «قتل وتهجير وتجويع وتدمير ممنهج» هو، بالنسبة لكثيرين، «امتداد مباشر للنكبة الأصلية، ولكن بأدوات وأساليب أكثر تطوراً ووحشية».
وتلاحظ أن اليمين المتطرف اختار تنظيم مسيرة مضادة في اليوم نفسه، وهو أمر تصفه بأنه «استفزازي ومقصود». وتضيف أن «شرطة العاصمة سهلت لهم ذلك، رغم أن فعالية النكبة كانت مخططاً لها وموافقاً عليها منذ فترة طويلة».
وتقول شاهين إن أعداد المشاركين في مسيرة اليمين المتطرف «لم تتجاوز نحو عشرين ألفاً أو أكثر بقليل، مقارنة بمئات الآلاف الذين شاركوا في مسيرة التضامن مع فلسطين في لندن في اليوم ذاته».
لكنها تشدد على أن خطورة المسيرة لا تقاس فقط بعدد المشاركين، بل بطبيعة الخطاب الذي ظهر خلالها. فالمسيرة شهدت «هتافات وتصريحات عنصرية استهدفت المسلمين بشكل مباشر»، كما جرى، بحسب قولها، «السخرية من الإسلام ومن النساء المسلمات المحجبات»، والترويج لفكرة مطالبة الفتيات المسلمات المحجبات بـ«خلع الحجاب».
وتضيف: «هذا النوع من الخطاب لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي أو حرية تعبير، بل هو تحريض مباشر على الكراهية والإقصاء المجتمعي».
فلسطين في قلب الاستقطاب
وهكذا لم تعد فلسطين في المشهد السياسي البريطاني قضية سياسة خارجية معزولة عن الانقسام الداخلي.
هي حاضرة في الشارع، وفي النقاش حول حرية الاحتجاج، وفي خطاب اليمين المتطرف، وفي علاقة الحكومة بالحريات العامة.
وتقول شاهين: «ما نشهده اليوم ليس أمراً عشوائياً، بل يبدو كجزء من محاولة لإرباك المدّ الشعبي المتصاعد المؤيد لفلسطين، من خلال تحويل النقاش نحو قضايا الأمن والهجرة والقومية والانقسام المجتمعي».
وبالنسبة إليها، فإن الخطر لا يقتصر على الفلسطينيين أو النشطاء، بل يهدد المجال الديمقراطي كله والحريات.
دور الإعلام
ويذهب وينستانلي في الاتجاه نفسه مرتكزاً على قضايا الإعلام والتمويل السياسي، ويقول إن اليمين المتطرف في بريطانيا أصبح «مؤيداً جداً لإسرائيل» بشكل متزايد.
ورداً على سؤال بشأن دور الإعلام الرئيسي في تطبيع خطاب اليمين، يقول وينستانلي إن الإعلام يشارك في «المشاعر المعادية للمهاجرين»، رغم وجود بعض الاستثناءات.
فداء شاهين: ما يجري جزء من محاولة لإرباك المدّ الشعبي المتصاعد المؤيد لفلسطين
وكان ممثلو الاتحاد الوطني للصحافيين في بريطانيا، خلال مؤتمر العمال السود التابع لاتحاد النقابات العمالية في بورنموث في نيسان/أبريل الماضي، حذروا من أن بعض الخطاب السياسي والإعلامي جعل العداء للمهاجرين والمسلمين والسود خطاباً مقبولاً وسائداً، مشددين على ضرورة التزام الصحافيين بإرشادات الاتحاد الخاصة بتغطية قضايا العِرق، والتصدي للتضليل والكراهية في الإعلام.
وفي رأي وينستانلي، لا يقف الإعلام عند حدود نقل خطاب اليمين المتطرف، بل يسهم أحياناً في تهيئة الأرضية التي تسمح له بالانتشار، عبر التركيز على الهجرة واللجوء بلغة الخوف والتهديد، وربط هذه الملفات بالأمن والهوية، وإبعاد النقاش عن جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
أجندة اليمين والتمويل
أما ياسمين أحمد، ورداً على سؤال بشأن المخاوف المتعلقة بوجود تمويل خارجي لليمين المتطرف في بريطانيا، فتقول إن «هيومن رايتس ووتش» لم توثق ذلك بنفسها، لكنها وصفت الأمر بأنه «مثير للقلق للغاية»، محذرة من أن العالم يشهد اتجاهاً متزايداً تظهر فيه مؤشرات على أن «أحزاباً سياسية، وخصوصاً أحزاب اليمين المتطرف، تحصل على تمويل خارجي».
وهذا يثير القلق «في ما يتعلق بالتأثير على السياسة الداخلية»، وخصوصاً عندما يأتي التمويل من «جهات خبيثة تعمل على تأجيج الكراهية والانقسام داخل المجتمعات»، وهو ما يشكل «تقويضاً للديمقراطية».
الحكومة وحقوق الإنسان
وتلقي ياسمين أحمد بجانب كبير من المسؤولية على الحكومة والأحزاب الرئيسية.
فالمشكلة، في تقديرها، لا تقف عند اليمين المتطرف وحده، بل تشمل أداء الحكومة والأحزاب الرئيسية.
كما أن «إحدى أكبر المشكلات في السياسة البريطانية حالياً هي أن الأحزاب السياسية الرئيسية لم تعد تطرح برامج تُظهر أن مواقفها السياسية متوافقة مع حقوق جميع الناس وتعززها»، بل باتت، بحسب قولها، «تتبنى سياسات تتعلق بالهجرة والاحتجاجات تؤدي عملياً إلى تقييد الحقوق بدلاً من حمايتها».
آسا وينستانلي: الإعلام يسهم أحياناً في تهيئة الأرضية التي تسمح لليمين المتطرف بالانتشار
وتقول إن نتائج الانتخابات المحلية أظهرت أن هذا النهج «يعزز مواقف اليمين المتطرف»، لكنها تشدد على ضرورة التفريق بين مواجهة خطاب الكراهية من جهة، وحماية الحق في الاحتجاج السلمي من جهة أخرى.
وتضيف أن «هيومن رايتس ووتش» تشعر بقلق من أن الحكومة البريطانية «تقوم بتقييد الاحتجاجات السلمية»، ولا سيما تلك المرتبطة بأفعال إسرائيل، إضافة إلى استهداف مجموعات الاحتجاج المباشر.
كما أن المطلوب من الحكومة هو «ضمان احترام الحقوق»، واتخاذ «خطوات ملموسة ضد من ينتهكون حقوق الآخرين أو ينخرطون في خطاب تمييزي أو خطاب كراهية».
طرفان شعبويان؟
ولا ينفصل صعود حزب الإصلاح عن الإرث السياسي لبريكست، أو عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي.
فالأرقام تظهر أن الحزب يجد قاعدته الأقوى بين مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث ترتفع أهمية الهجرة إلى 75 في المئة، وترتفع قابلية التصويت المؤكدة للحزب إلى 23 في المئة.
ويعيد هذا الانقسام القديم بين مؤيدي البقاء والخروج، الذي يرى بعض المحللين أنه أعيد إنتاجه في شكل جديد: الهجرة، والسيادة، والحدود، والهوية الوطنية.
وبينما يحاول ستارمر تحسين العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من دون إعلان عودة كاملة إلى التكتل، يستثمر اليمين الشعبوي هذا التردد ليقدم نفسه بوصفه الحارس الحقيقي لبريكست.
ويقدم البعض في بريطانيا نفسه بديلاً لهذا الاستقطاب بين اليمين واليسار، من خارج حزب العمال المأزوم.
فزعيم حزب الديمقراطيين الأحرار إد ديفي تحدث بعد الانتخابات المحلية عن حزبه بوصفه القوة غير الشعبوية القادرة على مواجهة الاستقطاب.
ويقول ديفي إن حزبه يمثل بديلاً عن «تطرف» حزبي الإصلاح والخضر.
وفضلاً عن أن الحزب يطرح ضمن أهدافه نهجاً تدريجياً لإعادة بناء العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى عضوية المملكة المتحدة فيه، فإنه يطرح حزمة إصلاحية أحد أبرز عناوينها إصلاح النظام الانتخابي وتعزيز الديمقراطية المحلية.
وفي هذا الإطار يقول غاري مالكوم، زعيم المعارضة عن الديمقراطيين الأحرار في مجلس إيلنغ في العاصمة البريطانية لندن، إن الأولوية الأساسية خلال الانتخابات المحلية كانت «محاولة جعل المجلس أكثر ديمقراطية وأكثر انفتاحاً»، بحيث يشارك عدد أكبر من الناس في القرارات.
وعن تصاعد خطاب الكراهية وصعود اليمين المتطرف، يقول مالكوم: «لدي مشكلات كبيرة مع ما أقرأه وما أراه وما أسمعه أحياناً في المجتمعات، ليس فقط من أشخاص من اليمين المتطرف، بل أيضاً من أشخاص من اليسار المتطرف، يطلقون تعليقات معادية للسامية أو تعليقات سلبية ضد أديان وأعراق مختلفة».
وهو يرى أن هذا الخطاب «ليس مسيئاً فقط، بل يفكك المجتمعات»، لأنه قد يدفع مجموعة إلى مواجهة أخرى.
ويقول: «كلما سمعت أي نوع من العنصرية أو التعليقات المسيئة، أشعر بقدر أكبر من الاشمئزاز، وأعتقد أننا بحاجة إلى تغيير ذلك جذرياً».
ويحاول الديمقراطيون الأحرار الذين حققوا نتائج جيدة جداً في الانتخابات معززين مواقعهم، إيجاد مساحة مختلفة عن خطابي اليمين واليسار. فهم لا يحصرون المشكلة في اليمين المتطرف وحده، بل يربطونها أيضاً بتدهور النقاش العام وتفكك الثقة داخل المجتمعات المحلية.
ويرى مالكوم أن الديمقراطية المحلية المفتوحة قد تكون إحدى وسائل مقاومة هذا التدهور.
ورداً على سؤال «القدس العربي»، يقول مالكوم إن إصلاح النظام الانتخابي في بريطانيا ضروري، لكنه ليس حلاً كاملاً.
فتغييره «لن يحل بالضرورة كل المشكلات، لكنه سيساعد بالتأكيد في حل الكثير منها».
ويوضح أن كثيرين لا يصوتون في الانتخابات المحلية أو العامة لأنهم يشعرون بأن أصواتهم «ليست ذات قيمة»، أو أن النتيجة «معروفة مسبقاً».
ويضيف: «ما أشعر به هو أنه إذا حدث تغيير في نظام التصويت إلى نظام مختلف وأكثر نسبية، فسيسمح ذلك بمزيد من المنافسة في الانتخابات».
لكنه يشدد مرة ثانية على أن إصلاح النظام الانتخابي وحده لا يكفي، قائلاً إن هناك مشكلات خلقها اليمين المتطرف «من خلال محاولة تفكيك المجتمعات»، ولذلك هناك حاجة إلى خطوات إضافية، بينها إشراك عدد أكبر من الناس، والعمل المشترك بين المجتمعات، وتعزيز المشاريع التي تجمع بدلاً من أن تفرق.
نظام الحزبين
وتأتي هذه الدعوة إلى إصلاح النظام الانتخابي في لحظة يبدو فيها نظام الحزبين في بريطانيا أقل استقراراً من أي وقت مضى.
ويرى السفير السابق موران في حديثه مع «القدس العربي» أن البلاد تتجه إلى مرحلة «أكثر تنوعاً» في تركيبتها السياسية، مرجحاً أن ينعكس ذلك في الانتخابات العامة المقبلة المقررة في 2029.
الديمقراطيون الأحرار ينتقدون خطابي اليمين المتطرف، ونشطاء “اليسار المتطرف”
لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الانتخابات العامة تختلف عن المحلية، وأن الحكم النهائي على حزب الإصلاح سيعتمد أيضاً على أدائه في البلديات والمناطق التي فاز فيها.
ويعتقد الدبلوماسي البريطاني السابق والمخضرم أن اليمين المتطرف «يشكل خطراً بطرق كثيرة»، كما هي الحال في دول أوروبية عدة، لكنه يضيف أن حزب الإصلاح لم يُختبر بعد في الحكم، وأن جزءاً كبيراً من التصويت له، في تقديره، هو «تصويت احتجاجي» ضد الآخرين أكثر منه تأييداً إيجابياً لبرنامج سياسي واضح.
أما ياسمين أحمد، فترى أننا «نعيش لحظة خطيرة جداً»، وأن التحدي المطروح حالياً يتمثل في «كيفية تحصين المجتمع ضد القوى الموجودة داخله وخارجه والتي تسعى إلى تقسيمه وتقويض حقوق الفئات الأكثر تهميشاً بهدف زيادة النفوذ والسلطة».
فالديمقراطية البريطانية «تبدو اليوم مهددة وهشة بطريقة لم نشهدها منذ الحرب العالمية الثانية»، مضيفة أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان المجتمع البريطاني «قادراً على تحصين نفسه ضد هذه التهديدات».
ـ «القدس العربي»:



