مقالات

بعد زلزال هرمز.. هل حان وقت إعادة هندسة العلاقات العربية مع إيران؟..

بعد زلزال هرمز.. هل حان وقت إعادة هندسة العلاقات العربية مع
إيران؟..

الأستاذ : علي او عمو.
كاتب من المغرب.

لم تعد الحرب الدائرة حول إيران مجرد مواجهة عسكرية بين طهران
وواشنطن وتل أبيب، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ للنظام الإقليمي بأكمله.

فقد أظهرت أزمة مضيق هرمز، وما رافقها من اضطراب في الملاحة
والطاقة والأسواق، أن دول المنطقة ليست بمنأى عن تداعيات
الصراعات الكبرى، مهما بلغت قدراتها الاقتصادية والعسكرية..
ومع تراجع حركة الملاحة في المضيق إلى مستويات شديدة الانخفاض
مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، أصبحت دول الخليج أمام حقيقة
جغرافية لا يمكن تجاهلها: أمن المنطقة مترابط، وأي مواجهة بين إيران
والقوى الكبرى لا تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية..
من هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً من سؤال الحرب نفسها: هل تستطيع
الدول العربية الاستمرار في بناء أمنها على الاعتماد شبه الكامل على
القوى الخارجية، أم أن المرحلة المقبلة تفرض عليها إعادة صياغة
علاقاتها مع إيران وبقية دول المنطقة على أساس المصالح المشتركة؟..
– من استيراد الأمن إلى بناء الأمن..
لقد أنفقت دول عربية، ولا سيما دول الخليج، أموالاً ضخمة على شراء
الأسلحة وبناء القدرات الدفاعية، لكنها وجدت نفسها في لحظات الأزمات
الكبرى أمام معادلة معقدة: امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك
القرار الاستراتيجي المستقل..
ولا يعني ذلك أن التحالفات الدولية لا قيمة لها، أو أن التخلي عن
الشراكات مع الولايات المتحدة هو الحل تلقائياً، وإنما يعني أن التجربة
الحالية تطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود الاعتماد على القوة الخارجية
في حماية المصالح الحيوية لدول المنطقة..
فالأمن الحقيقي لا يقوم على السلاح وحده، وإنما يحتاج أيضاً إلى قدرة
سياسية واقتصادية وتكنولوجية، وإلى علاقات إقليمية تمنع تحول
الخلافات إلى حروب مفتوحة.
– هرمز كشف هشاشة الجغرافيا السياسية..

أثبتت الأزمة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان
اقتصادي عالمي، وأن اضطراب الملاحة فيه ينعكس مباشرة على الدول
المنتجة للطاقة والمستوردة لها وعلى الاقتصاد العالمي بأسره..
وقد دفعت الحرب دول الخليج بالفعل إلى التفكير في بدائل للمضيق، من
خلال تطوير الموانئ وخطوط الأنابيب ومسارات التصدير، في محاولة
لتقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة..
لكن بناء البدائل اللوجستية، مهما بلغت أهميته، لا يحل المشكلة
السياسية الأساسية. فالجغرافيا ستبقى كما هي: إيران تقع على الضفة
الشمالية للخليج، والدول العربية على الضفة الجنوبية، ومصالح
الطرفين ستظل متشابكة بحكم الموقع والطاقة والتجارة والملاحة..
ولهذا فإن تجاهل إيران ليس استراتيجية دائمة، كما أن الارتهان الكامل
لأي قوة خارجية لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء منظومة أمن إقليمية
متوازنة..
– إيران ليست جاراً يمكن تجاهله..
بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الإيراني أو الخلافات العربية
الإيرانية، فإن إيران دولة إقليمية كبرى، ولها حدود بحرية مباشرة مع
الخليج، وقدرات عسكرية وصاروخية كبيرة، ونفوذ ممتد في عدد من
ملفات المنطقة..
وفي المقابل، تمتلك الدول العربية الخليجية ثروات مالية وطاقة وموقعاً
اقتصادياً عالمياً وشبكات تجارية واستثمارية واسعة..
إن الجمع بين هذه المعطيات لا يعني بالضرورة قيام تحالف سياسي أو
عسكري، وإنما يمكن أن يفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد يقوم على
إدارة الخلاف بدلاً من تحويله إلى صراع دائم..
وهنا تكمن أهمية الحوار المباشر.

– من الخصومة إلى التفاوض..
المطلوب ليس أن تتخلى الدول العربية عن علاقاتها الدولية أو تحالفاتها
القائمة، وإنما أن تمتلك هامشاً أكبر من الحركة والقرار..
ويمكن أن يبدأ ذلك بمفاوضات عربية إيرانية تتناول ملفات محددة، وفي
مقدمتها أمن الخليج، حرية الملاحة، أمن الطاقة، عدم استهداف
المنشآت المدنية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها
الداخلية..
وقد ظهرت بالفعل محاولات للحوار بشأن هرمز، بينها جهود عمانية
واتصالات مع دول خليجية، وإن كانت هذه المساعي قد تعرضت للتأجيل
وسط استمرار التوتر العسكري..
وإذا كان من الصعب الوصول إلى اتفاق شامل في الظروف الحالية، فإن
الاتفاقات الجزئية قد تكون أكثر واقعية: ترتيبات للملاحة، آليات لمنع
الاشتباك، قنوات اتصال عسكرية، وتفاهمات لحماية المنشآت النفطية
والموانئ..
– الأمن الإقليمي لا يُبنى بالوكالة..
لقد أظهرت الحرب أيضاً أن تحويل المنطقة إلى ساحة للصراع بين
القوى الكبرى يحمل كلفة باهظة على شعوبها واقتصاداتها..
فالخليج ليس مجرد مسرح للصراع الأمريكي الإيراني، والعرب ليسوا
مجرد متلقين لنتائج أي تفاهم بين واشنطن وطهران..
إن الدول العربية مطالبة بأن تكون طرفاً في صياغة ترتيبات أمن
المنطقة، لا مجرد أطراف تنتظر نتائج المفاوضات بين القوى الكبرى..
وهذا لا يعني القطيعة مع الولايات المتحدة، كما لا يعني الاصطفاف مع
إيران. بل يعني ببساطة أن المصلحة العربية يجب أن تكون حاضرة في
أي ترتيبات تخص الأمن العربي..

– الثروة العربية والقوة الإيرانية: هل يمكن تحويل التنافس إلى
تعاون؟..
تمتلك الدول العربية موارد مالية وطبيعية ضخمة، فيما راكمت إيران
خبرات صناعية وتكنولوجية وعسكرية في ظل عقود من العقوبات
والقيود الخارجية..
لكن تحويل هذه القدرات إلى تعاون لا يمكن أن يتم عبر منطق الصفقات
العسكرية وحده. الأولوية ينبغي أن تكون للتكنولوجيا، والتعليم،
والصناعة، والطاقة، والأمن الغذائي، والنقل، والبحث العلمي..
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى سباق تسلح لا ينتهي بقدر حاجته إلى
سباق في التنمية والمعرفة..
وإذا كانت المنطقة تمتلك النفط والغاز ورؤوس الأموال والموقع
الجغرافي والخبرات البشرية، فإن السؤال الحقيقي هو: لماذا لا تتحول
هذه الإمكانات إلى قاعدة لبناء قوة اقتصادية وعلمية إقليمية مستقلة؟.
– ما بعد هرمز: فرصة لإعادة التفكير..
قد تكون أزمة هرمز واحدة من أكثر الأزمات قسوة في تاريخ المنطقة
الحديث، لكنها في الوقت نفسه كشفت نقاط الضعف التي ظلت سنوات
طويلة مؤجلة..
لقد أثبتت الأحداث أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن إيران، وأن أمن
الطاقة لا ينفصل عن أمن الملاحة، وأن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن
يستمر في بيئة إقليمية تعيش على حافة الحرب..
لذلك فإن المطلوب ليس استبدال مظلة أمريكية بمظلة إيرانية، ولا
الانتقال من تبعية إلى تبعية أخرى، وإنما بناء قرار إقليمي مستقل
ومتوازن..

قرار يقوم على الحوار عندما يكون ممكناً، وعلى الردع عندما يكون
ضرورياً، وعلى التعاون الاقتصادي عندما تتقاطع المصالح، وعلى
احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها..
فقد يكون الدرس الأهم الذي حمله "زلزال هرمز" هو أن المنطقة لم تعد
تملك رفاهية تجاهل بعضها بعضاً..
إما أن تعيد دول الشرق الأوسط هندسة علاقاتها على أساس الجغرافيا
والمصالح المشتركة، وإما أن تظل أزماتها مفتوحة أمام القوى الكبرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب