فلسطين

بعد 3 سنوات على حرب الإبادة… المصالحة معلّقة والخلاف يعمّق أزمات القضية الفلسطينية

بعد 3 سنوات على حرب الإبادة… المصالحة معلّقة والخلاف يعمّق أزمات القضية الفلسطينية

أشرف الهور

غزة – «القدس العربي»: تدخل حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة عامها الرابع، ولا تزال صواريخها وآثارها تضاعف يومياً أعداد الضحايا، فيما طالت شظاياها الكبيرة الضفة الغربية، ومزقت أوصالها بالاستيطان، ضمن سياسات أقرتها حكومة يمينية متشددة ومتطرفة في إسرائيل.
كل هذا في وقت لم ينجح الفلسطينيون، رغم هذه المأساة الكبيرة التي لم يشهدوا مثيلاً لها منذ بدء الصراع، في إعادة توحيد صفوفهم والاتفاق على طي صفحة الانقسام، على أساس أن ما يتعرضون له من مقتلة أكبر من أي خلاف كان قائماً حتى تاريخ السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023.
ففي غزة، التي لم تهدأ فيها يوماً أصوات الغارات والصواريخ والرصاص، حتى خلال فترتي التهدئة الهشتين، السابقة في شباط / فبراير 2025، والتي لم تدم طويلاً، والحالية التي بدأت منذ 10 تشرين الأول / أكتوبر من العام الماضي أيضاً، تتضاعف يومياً أشكال المأساة.
ولم تعد تقتصر على القتل والتدمير المتواصل، بل تفاقمت بشكل خطير، حين جُمع السكان، وعددهم أكثر من مليوني مواطن، وأُجبروا على السكن في مساحة ضيقة لا تتعدى 30 في المئة من مساحة القطاع الإجمالية، وتفتقر إلى كل الخدمات الإنسانية الأساسية، ما جعلها أرضاً خصبة لانتشار الأمراض القاتلة، وسط نقص الأدوية واتساع رقعة المجاعة.
وهي أرقام لا تغفلها التقارير الدولية الدورية، التي تحذر من مخاطر جمة، لا يمكن إنقاذ السكان منها إلا بانتهاء كامل للحرب، وضخ كميات كبيرة من المساعدات، والبدء بعمليات إعادة الإعمار، بعد أن طال الدمار أكثر من ثلثي القطاع.

الضفة تحت الاستيطان والحصار

وفي الضفة الغربية، لا يختلف الحال كثيراً، فالاستيطان ينهش جسد المدن والقرى والمخيمات، ويشهد توسعاً يومياً، فيما يتمثل الخطر الأكبر في هجمات المستوطنين التي راح ضحيتها عشرات المواطنين، علاوة على الهجمات التي يشنها الجيش، والتي قتلت مئات الفلسطينيين على الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال الضفة، وفي المدن والقرى التي تُستباح بشكل خطير، وسط حصار مالي وسياسي يهدد مستقبل السلطة الفلسطينية هناك.
وفي كلا المنطقتين، تعيش الجهات الحاكمة أزمات خطيرة سببها الاحتلال ومخططاته العنصرية، إذ لا تزال حركة المقاومة الإسلامية «حماس» تتحكم في قطاع غزة، فيما لا تزال حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» تقود السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

عام رابع من الحرب والانقسام الفلسطيني مستمر

ففي غزة، أدت الحرب إلى إنشاء ما يُعرف بـ»مجلس السلام»، الذي أسس بدوره لجنة مختصة بإدارة غزة، تستعد لتولي هذا الدور من حركة «حماس».
وفي الضفة، يضعف الحصار المالي والسياسي الذي تفرضه إسرائيل قدرة «فتح» على تنفيذ برامج الحكم هناك، بما جعل الأمور على الأرض تتشابه، ويفرض على الجميع التوافق على برنامج وطني سريع يتصدى لهذه الممارسات، ويعيد الاهتمام العالمي بالملف الفلسطيني، الذي عملت إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية على تهميشه وإضعافه، من أجل تحقيق خططهما السياسية، وفي مقدمتها عدم إقامة كيان فلسطيني مستقل، وإضعاف الجهات الدولية التي تهتم بهذا الملف، وفي مقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».

«إعلان بكين» بلا تنفيذ

لكن رغم ذلك، لم تنجح المحاولات العديدة بين «فتح» و»حماس» في إنهاء حقبة الخلاف التي بدأت بينهما عام 2007.
ورغم عقد لقاءات عدة بين الحركتين منذ بدء حرب الإبادة، أشهرها كان في الصين، التي استضافت حواراً وطنياً شاملاً، انفضّ على اتفاق وطني جديد، على غرار الاتفاقات التي وُقعت من قبل في القاهرة والدوحة وغزة، فإن بنود الاتفاق لم تجد سبيلاً إلى التنفيذ على الأرض.

الكاتب‭ ‬محمد‭ ‬العجلة‭: ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بالملف‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خلاف‭ ‬سياسي‭ ‬

وفي ذلك الاتفاق، الذي سُمي «إعلان بكين»، ووقعه 14 فصيلاً فلسطينياً في 23 تموز / يوليو 2024، من أجل إنهاء الانقسام الداخلي وتعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة تداعيات الحرب في غزة، جرى الاتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني بقرار رئاسي لإدارة المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، والإشراف على إعادة الإعمار، وعلى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وضرورة انضمام جميع الفصائل إلى إطارها.
كما دعا إلى إجراء الانتخابات وقيام لجنة الانتخابات المركزية بمهامها، وأكد حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وإحباط محاولات التهجير.
غير أن هذا الاتفاق، الذي حظي وقتها باهتمام كبير، غابت عنه الجداول الزمنية الملزمة للتنفيذ وآليات التنفيذ العملية على الأرض، لتظل بنوده حبيسة أدراج الفصائل، ولينتهي بصورة معتادة يظهر فيها قادة الفصائل وهم يلتقطون الصور في نهاية اللقاء ويوقعون على البنود التي لم تجد سبيلاً إلى التنفيذ.
وقد ضاعفت التطورات صعوبة تنفيذ هذا الاتفاق، وحتى الاتفاقيات التي سبقته، وتحديداً اتفاق القاهرة الشامل الذي وُقع عام 2011، واتفاق التطبيق الذي وُقع أيضاً في القاهرة عام 2017، واشتمل على بنود تفصيلية تنهي الخصام السياسي، خاصة أن الخلاف بين وجهتي نظر «فتح» و»حماس» حول برنامج سياسي موحد لم يعد السبب الوحيد، بعد أن دخلت على الخط جهات خارجية وضعت لها موطئ قدم في غزة.
فقد شُكّل «مجلس السلام»، الذي أسس لجنة لإدارة غزة، بما يمنع حكومة الوحدة أو التوافق الوطني، في حال شُكّلت، من إدارة القطاع كما تدير الضفة الغربية، بسبب تبعية القطاع في هذا الوقت لإدارة المجلس، الذي شكّل أيضاً قوة استقرار دولية تشرف على وقف إطلاق النار الهش. وتجري كذلك تحركات لتشكيل قوة شرطية تتبع إدارة غزة، بعد سحب السلاح من فصائل المقاومة.

خلافات تتعمق بين «فتح» و»حماس»

وعلى الأرض، انعكست هذه الأزمات وتفاقم الخلاف السياسي بين «فتح» و»حماس»، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت، أكثر من غيرها، هذا التباين، مع تحميل كل طرف المسؤولية عما آلت إليه الظروف.
فالأولى ترى أن خطوة «حماس» في السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 لم تكن صائبة، بعد حجم الدمار والخراب والموت الذي لحق بغزة، فيما تحمّل الثانية «فتح» مسؤولية عدم التوافق الوطني، وتتمسك برأيها أن الاندفاع صوب المسار السياسي والتفاوض مع إسرائيل كان سبباً في ما حصل ويحصل للشعب الفلسطيني.

مجلس‭ ‬السلام‭ ‬أسس‭ ‬لجنة‭ ‬لإدارة‭ ‬غزة،‭ ‬وتجري‭ ‬تحركات‭ ‬لتشكيل‭ ‬قوة‭ ‬شرطية‭ ‬تتبع‭ ‬إدارة‭ ‬القطاع

ويقول الكاتب الصحافي محمد العجلة إن الخلاف بين الحركتين، بعد مرور هذه الأعوام الثلاثة على الحرب، لم يتغير، وإن استمراره يفاقم الأزمة الفلسطينية.
وخلال حديثه لـ»القدس العربي»، أكد أهمية الذهاب الفوري نحو «مصالحة حقيقية» تقطع الطريق على مخططات الإدارة الأمريكية وإسرائيل، ويشير العجلة إلى أن هذه الأزمات الخطيرة التي تعصف بالملف الفلسطيني «أكبر من أي خلاف سياسي حول برنامج هناك أو هناك».
ويؤكد أن الاستمرار في حالة الخلاف يعني استفحال المرض أكثر في جسد القضية الفلسطينية.
ويتحدث عن التراجع الكبير للملف الفلسطيني في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية الحاصلة، فيرى أن عودة الاهتمام الدولي بالملف الفلسطيني تستدعي أولاً الاتفاق على برنامج وطني، يتخلله تشكيل حكومة مهنية بغطاء وطني تدير الضفة وغزة، وتقطع الطريق على محاولات الإدارة الأمريكية وإسرائيل الرامية إلى الفصل بين شقي الوطن.
ويرى أيضا أن الحوار الوطني المرتقب في مصر يمثل فرصة حقيقية سانحة لتجاوز عثرات الماضي، والاتفاق على برنامج سياسي فلسطيني مرحلي يواجه التحديات القائمة، ويعيد الاهتمام العالمي بصورة أكبر بالملف الفلسطيني.
ويتمنى ألا يكون مصير الحوار كسابقاته، التي تنتهي باتفاقيات لا تجد تنفيذاً على الأرض، لأن ذلك سينعكس بشكل خطير على مستقبل القضية الفلسطينية.

حوار القاهرة والانتخابات

ولم يُحدد بعد موعد للحوار الوطني الذي ستستضيفه مصر، إذ تجري التحضيرات حالياً لإنجاحه، رغم استمرار التباين بين حركتي «فتح» و»حماس».
وقد ظهر ذلك في تصريحات أدلى بها الناطقان باسم الحركتين مؤخراً، فالناطق باسم «فتح» منذر الحايك انتقد نظيره في «حماس» حازم قاسم، بعدما شكك في خطط «فتح» للانتخابات، وقال إنها تتلاعب في ملف الانتخابات.
ويمثل ملف الانتخابات واحداً من أهم التحديات التي تواجه الحوار الوطني المرتقب، رغم أن تأجيل الانتخابات بات أمراً مؤكداً، إذ ينص المرسوم الرئاسي على عقدها يوم 28 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل، وذلك بسبب عدم استكمال الاستعدادات اللازمة لها. وهي انتخابات ستكشف أيضاً عن خريطة التحالفات والبرامج السياسية المختلفة.
وعن الموقف الفصائلي، قال خليل الحية، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، في خضم التحضيرات للقاء الوطني، إن الفترة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تشهد تحديات كثيرة، أولها وأكبرها وقف العدوان، الذي وصل إلى حد الإبادة للشعب الفلسطيني في غزة، مشيراً إلى ما يقوم به الاحتلال في الضفة الغربية من استيطان وحرق البيوت والمنازل والمطاردة، وصولاً إلى استهداف المسجد الأقصى المبارك وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وقال إن التحدي الأكبر هو أن القضية الفلسطينية تمر في «حالة كمون وسكون وتراجع، بل في حالة نسيان».

إعلان‭ ‬بكين‭ ‬وقّعه‭ ‬14‭ ‬فصيلاً‭ ‬فلسطينياً‭ ‬في‭ ‬تموز‭ / ‬يوليو‭ ‬2024،‭ ‬لكن‭ ‬بنوده‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬سبيلاً‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ

وأعلن أنهم جاهزون للجلوس مع الرئيس عباس لوضع أسس لبرنامج وطني ووحدة حقيقية، وأكد أنه في حال تأجيل الانتخابات، سيبقى التحالف مع الفصائل الفلسطينية قائماً ومفتوحاً للجميع لتشكيل حالة وطنية.
وفي المقابل، قررت حركة «فتح»، التي أشادت بدعوة الرئيس عباس إلى استضافة مصر حواراً وطنياً شاملاً، الشروع الفوري في هذا الحوار، وقالت إنها تتطلع إلى أن تكون مخرجاته سياجاً للمشروع الوطني وحماية لمنجزات الشعب الفلسطيني على مدار العقود الستة من النضال المتواصل في مواجهة هذا الاحتلال، الذي يشكل بممارساته واستمرار سياساته العدوانية الاحتلالية مصدراً للتوتر في المنطقة برمتها وتهديداً للاستقرار الإقليمي والسلم العالمي.
وأكدت كذلك أهمية إنجاز الاستحقاق الديمقراطي، وإجراء الانتخابات العامة والمجلس الوطني بوصفها حقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني، ومدخلاً لتجديد الشرعيات وتعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
وشددت على ضرورة تهيئة الظروف لإجرائها في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها بحرية، وإزالة العقبات التي يفرضها الاحتلال أمام مشاركة الشعب الفلسطيني فيها.
كما عبرت عن تطلعها إلى الروح الإيجابية من جميع الأطراف الفلسطينية والإقليمية لإنجاح هذا الحوار الوطني، والعمل على بناء الشراكة الوطنية من خلال صندوق الاقتراع بوصفه خياراً استراتيجياً وطنياً.

تحالفات تزيد تعقيد المشهد

وفي خضم الحديث عن ملف الانتخابات، يبرز الحديث عن التحالفات المتوقعة، خاصة عن إمكانية عقد حركة «حماس» تحالفاً انتخابياً مع «تيار الإصلاح الديمقراطي» الذي يترأسه محمد دحلان، القيادي المفصول من حركة «فتح»، بصورة لا تشمل أسماء مصبوغة تنظيمياً من «حماس»، وهو أمر يُتوقع أن تحدده الأيام المقبلة.
وحسب المراقبين، فإن أي تقارب بين «حماس» ودحلان، الذي دخل على خط اتصالات التهدئة والوساطة، ويشارك في مباحثات وقف إطلاق النار، سيباعد، في الوقت ذاته، بين «فتح» و»حماس».
وفي دليل على ذلك، طلبت حركة «حماس» حضور «تيار الإصلاح الديمقراطي» جلسات الحوار الوطني في القاهرة، وهو أمر ترفضه حركة «فتح»، على أساس أن التيار ليس جسماً تنظيمياً رسمياً معترفاً به في الساحة الفلسطينية، وهو ما يعيق عقد اللقاء.
ولذلك، فإن الواضح حتى اللحظة لا يبشر باقتراب أي توافق حقيقي بين «فتح» و»حماس»، مع صعوبة المشاورات التمهيدية لحوار القاهرة، وفي ظل تباعد المسافات بين الحركتين، ما قد يدفع إلى استمرار التقارب بين «حماس» و»تيار الإصلاح الديمقراطي»، لاتفاقهما على الخلاف مع حركة «فتح» في الموقف العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب