الافتتاحيهرئيسي

بين الانفجار وضبط النفس… وكل الخيارات ما زالت قائمة

بين الانفجار وضبط النفس… وكل الخيارات ما زالت قائمة

بقلم: رئيس التحرير

تقف منطقة الشرق الأوسط أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية، في ظل تزامن استحقاقات انتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل مع أزمات وحروب مفتوحة أو قابلة للتوسع، من إيران إلى لبنان وغزة وسوريا، بما يجعل الشهرين المقبلين فترة شديدة الحساسية ومفتوحة على احتمالات متعددة.

فالولايات المتحدة تتجه إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، فيما تستعد إسرائيل لانتخابات الكنيست في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر. وبين الموعدين، تتقاطع حسابات الداخل مع الملفات الأمنية والإقليمية، بحيث يصبح كل تطور ميدانياً قابلاً لأن يتحول إلى ورقة سياسية.

لكن الانتخابات، في حد ذاتها، لا تعني أن الحرب حتمية. فقد تدفع القيادات إلى التصعيد بحثاً عن إنجاز يمكن توظيفه داخلياً، وقد تدفعها في المقابل إلى ضبط النفس خشية أن يتحول أي تصعيد إلى حرب واسعة يصعب التحكم بنتائجها.

نتنياهو: «مهمة» قد تغيّر وجه المنطقة

تزداد أهمية قراءة التصريحات الإسرائيلية في ضوء هذا السياق، ولا سيما تصريح بنيامين نتنياهو:

«هناك مهمة ينبغي إنجازها ونحن عازمون على تحقيقها، وهو أمر سيغيّر وجه الشرق الأوسط وتاريخ شعبنا بصورة نهائية».

هذه العبارة، بصرف النظر عن تفسيرها النهائي، تحمل دلالة سياسية كبيرة؛ لأنها لا تتحدث عن عملية عسكرية محددة أو هدف تكتيكي، وإنما تستخدم مفردات ترتبط بـ«تغيير وجه الشرق الأوسط» و«التاريخ».

غير أن الحذر يبقى ضرورياً. فالتصريحات السياسية ذات السقف المرتفع لا تكشف بالضرورة كامل القرار التنفيذي، وقد تكون جزءاً من سياسة الردع أو الضغط أو الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج.

لكنها في الوقت نفسه تستحق التوقف، خصوصاً عندما تأتي في مرحلة تتقاطع فيها الملفات الإيرانية واللبنانية والفلسطينية.

فلسطين ليست خارج المعادلة

الخطأ الاستراتيجي هو النظر إلى لبنان وإيران باعتبارهما مركز الأزمة، وإبقاء فلسطين في الهامش.

فغزة والضفة الغربية والقدس تبقى جوهر الصراع الإقليمي، وأي إعادة ترتيب للشرق الأوسط ستظل ناقصة ما لم تتحدد طبيعة التسوية الفلسطينية ومستقبل القضية الفلسطينية.

إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق معادلات أمنية وسياسية جديدة، بينما ترى القوى الفلسطينية أن أي ترتيبات إقليمية لا تعالج الاحتلال والاستيطان وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ستبقى قابلة للانفجار.

ومن هنا فإن التطورات في غزة والضفة الغربية ليست مجرد جبهة أخرى، بل جزء من المعادلة التي ستحدد شكل المنطقة بعد انتهاء الحروب الحالية.

فأي تسوية في لبنان، أو تفاهم مع إيران، أو إعادة ترتيب للعلاقات العربية ـ الإسرائيلية، ستظل مرتبطة بصورة أو بأخرى بالسؤال الفلسطيني.

غزة والضفة: خطر إعادة إنتاج الأزمة

المخاوف لا تتعلق فقط باستمرار الحرب في غزة، وإنما أيضاً باحتمال انتقال مركز الثقل إلى الضفة الغربية.

فإذا تزامن التصعيد الإقليمي مع استمرار التوسع الاستيطاني والتوتر الأمني في الضفة، فقد تصبح الساحة الفلسطينية أحد أكثر العوامل قابلية لإشعال موجة جديدة من العنف.

وهنا تظهر أهمية التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن تغيير «وجه الشرق الأوسط». فإذا كان المقصود إعادة ترتيب أمن المنطقة فقط، فإن المسار يمكن أن يبقى ضمن حدود التفاوض. أما إذا ارتبط ذلك بإعادة صياغة الواقع الفلسطيني على الأرض، فإن التداعيات ستكون أوسع بكثير.

ترامب بين الإنجاز الانتخابي وخطر الحرب

ترامب بدوره يواجه معادلة دقيقة.

فهو يريد أن يظهر أمام الناخب الأميركي باعتباره الرئيس القادر على فرض النفوذ الأميركي وتحقيق نتائج في الشرق الأوسط، لكنه يدرك في المقابل أن حرباً طويلة ومكلفة قد تتحول إلى عبء انتخابي.

لذلك تبقى السياسة الأميركية مفتوحة بين الضغط والتفاوض.

رفع سقف العقوبات والتهديدات يمكن أن يكون وسيلة للحصول على تنازلات، بينما يمكن أن يكون التفاوض نفسه وسيلة لتحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي.

ومن هنا يصعب الجزم بأن واشنطن تتجه إلى الحرب أو إلى التسوية؛ فالخياران ما زالا قائمين.

إسرائيل بين الإنجاز العسكري والمأزق السياسي

نتنياهو يواجه معادلة مشابهة ولكن أكثر التصاقاً بالجبهة الداخلية.

فالإنجاز العسكري قد يعزز موقعه، لكنه لا يضمن وحده حسم الانتخابات أو إنهاء الأزمات الأمنية.

كما أن توسيع الحرب إلى لبنان أو إيران قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة على إسرائيل نفسها.

وهنا يصبح السؤال: هل تريد الحكومة الإسرائيلية تحقيق مكاسب محدودة يمكن استخدامها على طاولة المفاوضات، أم أنها تسعى فعلاً إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بها؟

الإجابة قد لا تظهر في التصريحات، وإنما في طبيعة القرارات التي ستتخذ خلال الأسابيع المقبلة.

لبنان: الحلقة الأكثر هشاشة

في جنوب لبنان، تبدو الصورة شديدة التعقيد.

فاستمرار العمليات الإسرائيلية، وما أعلنته إسرائيل بشأن السيطرة العملياتية على مواقع استراتيجية، يضغط على المسار السياسي، فيما يحاول لبنان الحفاظ على مسار تفاوضي يمنع تحول الوضع الميداني إلى واقع دائم.

الإفراج عن خمسة محتجزين لبنانيين يمثل خطوة يمكن البناء عليها إنسانياً وسياسياً، لكنه لا يحسم الملفات الأساسية المتعلقة بالحدود والترتيبات الأمنية ومستقبل الوضع في الجنوب.

ويبقى التحدي هو منع الملفات الإنسانية من التحول إلى أدوات للتصعيد، واستثمارها بدلاً من ذلك في بناء الثقة.

إيران: المتغير القادر على قلب الطاولة

يبقى العامل الإيراني الأكثر حساسية.

فأي ضربة نوعية لإيران، أو استهداف مباشر للمصالح الأميركية، أو توسع في العمليات الإسرائيلية، يمكن أن يعيد ترتيب الحسابات خلال ساعات.

وفي المقابل، تدرك الأطراف جميعها أن الحرب الشاملة ستكون مختلفة عن الجولات السابقة، لأنها قد تشمل أكثر من ساحة في وقت واحد.

لذلك فإن الردع المتبادل سيظل عاملاً مهماً، لكن المشكلة أن الردع يفقد فعاليته إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حدود الطرف الآخر.

الشهران المقبلان: مساحة ضيقة للمناورة

أمام المنطقة الآن فترة قصيرة نسبياً قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، لكنها فترة قد تحمل تطورات كبيرة.

قد يحدث اختراق تفاوضي، وقد يستمر التصعيد المحدود، وقد تقع مواجهة واسعة نتيجة حادث غير محسوب.

والبعد الفلسطيني يضيف إلى هذه المعادلة عاملاً بالغ الحساسية؛ لأن أي تصعيد كبير في غزة أو الضفة الغربية يمكن أن يتفاعل مع الجبهات الأخرى ويصعب احتواؤه.

لهذا فإن كل الخيارات تبقى قائمة، من التهدئة والتفاهمات الجزئية، إلى التصعيد المحسوب، وصولاً إلى الانفجار الإقليمي.

الخلاصة

الشرق الأوسط اليوم لا يتحرك في اتجاه واحد. هناك قوى تدفع نحو التصعيد، وأخرى تحاول منع الانفجار، وهناك قنوات تفاوض تعمل في الوقت نفسه الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية.

وهذا هو جوهر المرحلة.

فإذا نجحت الدبلوماسية في استثمار الضغوط الحالية، فقد تتحول الأشهر المقبلة إلى فرصة لإعادة ترتيب الملفات على أساس تفاهمات مرحلية. أما إذا غلب منطق فرض الوقائع بالقوة، فقد تدخل المنطقة في مسار يصعب التنبؤ بنهاياته.

وفي قلب كل ذلك تبقى فلسطين.

فأي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط يتجاوز القضية الفلسطينية سيظل يواجه الحقيقة الأساسية: لا يمكن بناء استقرار إقليمي مستدام مع بقاء أصل الصراع مفتوحاً.

أما تصريح نتنياهو عن «مهمة» ستغير وجه الشرق الأوسط وتاريخ إسرائيل، فإنه يرفع مستوى القلق، لكنه لا يكفي وحده لمعرفة طبيعة ما هو مقبل.

والاختبار الحقيقي سيكون في الأفعال لا في العبارات.

خلال الشهرين المقبلين، ستتحدد قدرة الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة: إما أن تنجح الحسابات السياسية في احتواء التصعيد، وإما أن تتغلب الحسابات الميدانية على السياسة، وعندها قد يصبح الشرق الأوسط أمام واقع جديد لم يكن أحد يريد الوصول إليه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب