فلسطين

بين الجوع والتهريب: كيف يُصنع خبز العمّال الفلسطينيين؟

بين الجوع والتهريب: كيف يُصنع خبز العمّال الفلسطينيين؟

تتعامل دولة الاحتلال مع اليد العاملة الفلسطينية كأداة ضغط إضافية على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية، إذ تستخدم «تصاريح العمل» في الداخل المحتل لابتزازهم وزيادة معاناتهم الاجتماعية.

دولة حيدر أحمد

فاقمت الحرب بين إسرائيل وإيران من هشاشة سوق العمل في الضفة، لا بوصفها حدثاً خارجياً عابراً، بل كعامل ضغط يومي على آلاف العمّال. فمع كل جولة تصعيد، قريبة كانت أو بعيدة، تُشدَّد القيود، وتُقلَّص التصاريح، وتتصاعد المداهمات للورش الصناعية على امتداد الجدار، وفق شهادات عمّال يعيشون حالة استنفار دائم تترجم مباشرة في خسارة العمل وتصاعد الاعتقالات.

ولا تقف تداعيات الحرب على العمال وحدهم، وإن كان لهم النصيب الأكبر، بل تمتد إلى عمق الاقتصاد المحلي في الضفة إذ تطال شرائح واسعة من التجار والموظفين، ما يضاعف بدوره أزمات العمال، فمع تراجع الرواتب، شح فرص العمل، واشتداد أزمة السيولة، تتهشم البنية الاقتصادية للضفة أكثر فأكثر.

وسط هذا، يكون مصير العمال سيان بتوقف الحرب العسكرية أو استمرارها، فالحرب عليهم لم تتوقف منذ السابع من أكتوبر عام 2023، ومع انعدام البدائل، يلجأ بعضهم إلى أعمال بالغة الخطورة، كجمع بقايا الصواريخ وقصّها وبيعها رغم ما تحمله من مواد متفجرة وسامة، فيما يواصل آخرون المخاطرة بحياتهم عبر عمليات التهريب إلى الداخل المحتل، التي كانت آخر مآسيها المشهد صادم لعمّال فلسطينيين خرجوا من داخل شاحنة قمامة بعد اختبائهم لعبور الحواجز، في استعادة قاسية لصرخة غسان كنفاني في رجال في الشمس: «لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟» غير أن السؤال اليوم يتبدّل: فالعمّال يدقّون فعلاً، لكن أصواتهم تضيع في ضجيج صراعات إقليمية أكبر منهم.

كيف يتمّ التهريب؟ العبور من الضفة إلى الداخل المحتل

لم يتراجع الطلب على العمل في الداخل المحتل على الرغم من تشديد نظام التصاريح على عمال الضفة، بل تشعب لمسارات غير رسمية باتت تشكل منظومة اقتصادية موازية غير نظامية، ومحفوفة بالمخاطر والإذلال، إذ تقوم على شبكات مترابطة ذات أدوار دقيقة، تتدرج من الوسيط المحلي وصولاً إلى منظّمي العبور على الأرض.

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة يظهر ما يُعرف محلياً بـ«الدلّال» أو «السمسار»، وهو نقطة الاتصال المباشرة مع العمّال. ينشط غالباً داخل القرى والمخيمات، وقد يكون عربياً أو إسرائيلياً، مستنداً إلى شبكة علاقات اجتماعية، ويعرض «تأمين الدخول» مقابل مبالغ مالية تختلف بحسب المنطقة ومستوى المخاطر، وهو الخطوة الوحيدة المعلومة من قبل العامل الذي لا يدرك ماهية الخطوات التالية في رحلته للعبور، ومع ذلك لا يبالي.

  • متوسط أجور العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل (الأخبار)
    متوسط أجور العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل (تصميم محمد المعلم)

فوق هذه الشبكات تأتي مجموعات ميدانية ذات خبرة واسعة تتولى إدارة الحركة على الأرض، وتحديد نقاط العبور والتوقيتات المناسبة، اعتماداً على متابعة دقيقة للوضع الأمني والتغيرات على الحواجز والجدار، وتتميز بمرونة كبيرة تمكنها من التعامل مع المخاطر والمفاجآت في معظم الأحيان، فيما تشكل مرحلة النقل المرحلة النهائية في عملية التهريب عبر وسائل نقل خاصة تُستخدم لنقل العمّال إلى مناطق قريبة من نقاط العبور يلجأ الوسطاء في معظمها إلى أساليب شديدة الخطورة، مثل إخفاء العمّال داخل شاحنات أو حاويات مغلقة.

في المحصلة، تعمل شبكات التهريب هذه وفق منطق سوق سوداء للإتجار بمصير العمال. فكلما اشتدت القيود، ارتفعت كلفة العبور، في غياب كامل لأي رقابة أو حماية، ما يجعل العامل الطرف الأضعف الذي يدفع الثمن كاملاً دون ضمانات، ومن جهة أخرى، تتفاقم ظاهرة الاستغلال المالي المرتبطة بتصاريح الدخول نفسها، حيث يُطلب من بعض العمّال مبالغ تصل إلى نحو 8200 دولار أميركي للحصول على تصريح عمل في الداخل. وفي المقابل، يدفع آخرون بين 1200 و1500 شيكل لسماسرة التهريب، دون أي ضمانات بالوصول أو العمل، مع احتمال الاعتقال أو الإعادة من الحواجز.

على صعيد جغرافيا الضفة، تتمركز عمليات التهريب الكبرى في الخليل ومن ثم جنين ونابلس، في حين تتشكل في تل أبيب الكتلة الأكبر من العمال الفلسطينيين نظراً لارتفاع الأجور وازدياد فرص العمل فيها.

مصائد العمّال: التصاريح كفخّ والعقوبات كأداة ضبط

لا تقتصر القيود المفروضة على العمّال بالتصاريح، بل تطورت إلى منظومة أكثر تعقيداً يمكن وصفها بـ«مصائد العمل»، حيث يُسمح للعامل بالعبور دون منح حقّ العمل نفسه. فقبل اندلاع الحرب، كانت سلطات الاحتلال عبر ما يُعرف بـ«الإدارة المدنية» تصدر أنواعاً متعددة من التصاريح، مثل تصاريح «تاجر» أو «احتياجات خاصة» أو «كنيسة»، تتيح لحاملها المرور عبر الحواجز، لكنها لا تخوّله العمل بشكل قانوني، التناقض الذي يشكل فخاً قانونياً محكماً: يدخل العامل بشكل «نظامي»، لكنه يصبح عرضة للاعتقال فور وجوده في مكان العمل أو حتى بملابس العمل، بحجة عدم امتلاكه تصريح عمل، ما يجعل من التصريح وسيلة ضبط وملاحقة واعتقال، كما يستفيد سماسرة التصاريح وبعض المقاولين الذين يحصلون على تصاريح تفوق حاجتهم الفعلية من هذه المصائد عبر بيع التصاريح الفائضة للعمال، وتركهم لمواجهة مصيرهم.

  • عدد العمال الفلسطينيين العاملين في الداخل المحتل (تصميم محمد المعلم)
    عدد العمال الفلسطينيين العاملين في الداخل المحتل (تصميم محمد المعلم)

توضح الإحصاءات مشهد تعمد استهداف العمال الفلسطينيين، إذ أدت الملاحقة وعمليات الاعتقال اليومية لاستشهاد 44 عاملاً منذ عام 2023، فضلاً عن اعتقال أكثر من 32 ألف عامل آخرين، سواء أثناء توجههم إلى أماكن عملهم أو من داخل الورش التي يعملون فيها، وسط اتساع مهول في استخدام أدوات العقاب المالي والقضائي ضد العمال، تطور تدريجياً ليصبح عقاباً جماعياً يطال البلدات والقرى في أعقاب عمليات المقاومة، إذ تفرض إجراءات لا تستهدف أفراداً بعينهم، بل تمتد إلى مجتمعات كاملة، كما حصل في بلدات وقرى شمال غربي القدس، إذ سحبت سلطات الاحتلال نحو 750 تصريح عمل بعد تنفيذ عملية مقاومة منفذوها الشهداء مثنى ناجي عمرو (20 عاماً) من قرية القبيبة، ومحمد بسام طه (21 عاماً) من قرية قطنة، وكلاهما تقعان شمال غرب القدس في الضفة، وأسفرت العلمية عن مقتل 6 إسرائيليين.

إلى جانب ذلك، تنصب قوات الاحتلال الحواجز والمكعبات الإسمنتية، وإغلاق الطرق، ونشر القناصة لملاحقة العمّال على امتداد الجدار، في مشهد يقترب من عمليات «اصطياد» منظمة. وفي بعض المناطق، كما في مسافر يطا، انتهت هذه الملاحقات إلى استشهاد العامل يسري ماجد أبو قبيطة (31 عاماً) من بلدة يطا جنوب الخليل، بعد مطاردة من قوات الاحتلال والمستوطنين، في واقعة تختصر الثمن البشري للبحث عن العمل. وعليه تتخذ العقوبات بحق العمال التي هي دون القتل السجن لمدة 45 يوماً، وغرامات تقارب 3000 شيكل، إضافة إلى الحرمان من تصاريح العمل لسنوات طويلة.

لا بديل للعمال في الأفق

تدفع الضغوط الاقتصادية المتراكمة في الضفة آلاف العمّال إلى خيارات لا تشبه العمل بقدر ما تشبه المقامرة بالحياة، فمنذ أواخر عام 2023 وحتى مطلع 2026، فقد سوق العمل الفلسطيني أكثر من 300 ألف وظيفة بشكل مباشر، فيما تجاوزت معدلات البطالة 28% في الضفة، ولا تتوقف الأزمة عند حدود فقدان العمل، بل تمتد إلى القدرة على البقاء. فقد ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ، في وقت بات فيه أكثر من 40% من العمّال غير قادرين على تغطية نفقات أساسية مثل المياه والكهرباء والغذاء.

في مواجهة هذا الانهيار، أُطلقت سلسلة من المبادرات الرسمية والمجتمعية لتخفيف الضغط عن العمّال، ولكنها لم تكن كافية أو مجدية، أبرزها المرحلة الثانية من برنامج «بادر» الذي أطلقته سلطة النقد الفلسطينية بالتعاون مع وزارة العمل، بتمويل يصل إلى 40 مليون شيكل، موجه إلى العمّال الذين فقدوا وظائفهم داخل الخط الأخضر.

  • عدد العمال الفلسطينيين العاطلين عن العمل (تصميم محمد المعلم)
    عدد العمال الفلسطينيين العاطلين عن العمل (تصميم محمد المعلم)

وفي السياق ذاته، أطلقت وزارة العمل برامج تشغيل مؤقت، إلى جانب إعفاءات جزئية مثل تأجيل الشيكات، وتقديم تأمين صحي لفئات من العمّال، في محاولة لتخفيف الأعباء اليومية.

كما ظهرت مبادرات أهلية مثل «رد الجميل»، التي تدعو إلى مسامحة «العمّال المتعثرين» من الديون، وتحفيز رجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة. وامتدت هذه الجهود إلى نداءات مجتمعية لتأمين احتياجات العمال الأساسية، خصوصاً في ظل تزايد حالات العجز عن تأمين الغذاء.

كما دعا مجلس إدارة منظمة العمل العربية إلى إطلاق تحرك عربي ودولي لدعم العمال الفلسطينيين، وتوسيع برامج التدريب والتشغيل، وإنشاء شبكات حماية اقتصادية، مع التأكيد على دعم الصندوق الفلسطيني للتشغيل، وتعزيز حضور فلسطين في منظمة العمل الدولية.

معركة العمال مستمرة!

في المحصلة، لن يعود واقع العمّال في الضفة إلى ما كان عليه قبل ثلاثة أعوام، ليس فقط بفعل الحرب، بل نتيجة تحولات أعمق أعادت رسم سوق العمل بالكامل، وسعت فيها سلطات الاحتلال دائرة المنع لتشمل فئات أوسع من العمّال، إلى جانب استبدالهم بآلاف العمّال الأجانب، في حين يعمل نحو خمسين ألف عامل فلسطيني في الداخل المحتل عبر التهريب.

في هذا المشهد، لا يبدو العامل الفلسطيني مجرد ضحية، بل عنصراً عالقاً في معادلة متناقضة: يُمنع رسمياً، ويُطلب ضمنياً، وعلى امتداد الجدار الفاصل، ستتكرر محاولات العبور يومياً، رغم المخاطر، فيما تستمر الأزمة بوصفها حالة بنيوية مرتبطة بواقع الاحتلال نفسه، كما تصفها حتى بعض التقديرات الإسرائيلية التي ترى في «تهريب العمّال» ظاهرة يستحيل إنهاؤها في ظل استمرار هذا الواقع.

ومع ذلك، لن تتوقف المحاولات بالبحث عن العمل كونها ضرورة تفرض نفسها مهما كانت الكلفة. ولهذا، لن يكفّ العمّال عن طرق الجدران، أو البحث عن منفذ جديد، أو وسيلة عبور مختلفة.

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب