بين الحصار والبطالة: شباب غزة يصنعون فرص عمل خارج الحدود

بين الحصار والبطالة: شباب غزة يصنعون فرص عمل خارج الحدود
إسماعيل عبدالهادي
لم يعد العمل عن بعد مجرد خيار مهني حديث، بل تحول في قطاع غزة إلى ما يشبه طوق نجاة لشريحة واسعة من الشباب، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع معدلات البطالة، والقيود المفروضة على الحركة والعمل، هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل محلية وعالمية.
وفي غزة، يعاني الشباب من محدودية فرص العمل داخل السوق المحلي، حيث تعاني القطاعات الإنتاجية من ضعف الاستثمار وتقييد الموارد، ومن هنا برز العمل عن بعد كبديل واقعي، يتيح للشباب الوصول إلى سوق عالمي من دون الحاجة إلى مغادرة القطاع، العديد من المنصات أصبحت بوابة رئيسية لآلاف الفلسطينيين، الذين يقدمون خدمات في مجالات مثل التصميم الغرافيكي، البرمجة، الترجمة، التسويق الرقمي، وكتابة المحتوى، وميزة العمل عن بعد الأساسية، تكمن في كسر الحواجز الجغرافية، فمثلا شباب من غزة يمكنهم العمل مع شركات في أوروبا أو غيرها من بلدان العالم، ويتقاضون أجورا بعملة أجنبية، ما يعزز قدرتهم مقارنة بالسوق المحلي، كما يمنح هذا النمط من العمل مرونة في الوقت، وفرصة لتطوير المهارات بشكل مستمر لمواكبة متطلبات السوق العالمية.
وبالرغم من فتح هذا المجال بوابة رزق للكثيرين، إلا أن الطريق ليس سهلا بالكامل، فهناك تحديات حقيقية تواجه العاملين عن بعد في غزة، أبرزها ضعف البنية التحتية للإنترنت في بعض المناطق، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، بالإضافة إلى صعوبات في تلقي المدفوعات الدولية بسبب القيود المالية، كذلك المنافسة العالمية على منصات العمل الحر تتطلب مهارات عالية، وإتقان اللغة الإنكليزية، والقدرة على بناء سمعة رقمية قوية.
وفي ظل تزايد أعداد الشبان الذين يعملون عن بعد، باتت تنتشر في غزة مساحات عمل مزودة بالكهرباء والإنترنت، تتيح للشبان من الجنسين إنجاز عملهم بشكل مريح وسريع، نتيجة صعوبة توفر الكهرباء والإنترنت داخل غالبية البيوت، وهو أمر تسبب بمشكلة لدى الكثير من الشبان الذين يكافحون في البحث عن أماكن وجلسات مناسبة للقيام بأعمالهم المختلفة، كما أن العمل عن بعد، لا يساهم فقط في تحسين دخل الأفراد، بل يخلق أثرا اقتصاديا أوسع، من خلال إدخال العملات الأجنبية إلى الاقتصاد المحلي، وتقليل نسب البطالة، وتعزيز ثقافة الابتكار والاعتماد على الذات. ورغم هذه التحديات، ظهرت مبادرات محلية ومؤسسات تدريبية تساعد الشباب على دخول هذا المجال، من خلال تقديم دورات في المهارات الرقمية وريادة الأعمال، كما بدأت بعض الشركات الناشئة في غزة بالاعتماد على نموذج العمل عن بعد، لتوظيف كوادر محلية وتقديم خدماتها للخارج.
في أحاديث منفصلة لمراسل «القدس العربي» تحدث عدد من الشبان ممن يعملون في مجالات عدة داخل إحدى مساحات العمل المخصصة للعمل عن بعد، عن بالغ سرورهم بعد أن التحقوا في مهن توفر مصدر دخل يعينهم على مصاعب الحياة، ويقول إبراهيم مهدي «أعمل مدخل بيانات لدى شركة برمجيات في السعودية، وأتلقى راتبا يعينني على توفير لقمة العيش، في حين توفر مساحات العمل المزودة بالكهرباء والإنترنت فرصة إيجابية لشريحة واسعة ممن يعملون عن بعد، بسبب صعوبة وصول الكهرباء والإنترنت بشكل متواصل إلى المنازل».
وأشار إلى أن الشباب في غزة ومنذ ما يزيد عن عقد، يعانون من فقدان حقهم في الحصول على وظائف، بسبب الإنقسام والحروب، فمنهم من اتجه للهجرة للبحث عن حياة كريمة وآمنة، والبعض تمكن من إيجاد فرصة للعمل عن بعد، وآخرون عالقون بلا عمل ولا مصدر رزق.
أما زهير محمود فهو يعمل محرر أخبار في إحدى الوكالات الدولية، فيوضح أنه فقد فرصة الالتحاق بسوق العمل داخل غزة بعد أن تخرج من الجامعة، لكن فرصته بالعمل تحققت خارج غزة وهو سعيد.
وبين أن هناك تحديات تواجه سوق العمل عن بعد، أبرزها ضعف البنية التحتية من كهرباء وإنترنت، وصعوبة تحويل الدخل في كثير من الأحيان من الخارج، بسبب القيود المالية.
ونصح كل الشباب العاطلين عن العمل، بالبحث عن فرص عمل خارج قطاع غزة، وعدم اليأس من الواقع الصعب الذي تمر به غزة، فهناك العديد من فرص العمل في الخارج يمكن للشباب الالتحاق بها، وتوفير مصدر دخل يمكنهم من العيش بكرامة وعدم انتظار المستقبل المجهول.
بدوره يقول الخبير الاقتصادي ماهر الطباع «يمكن القول إن العمل عن بعد في غزة ليس حلا سحرياً لكل الأزمات، لكنه بالتأكيد أحد أهم الأدوات التي يمتلكها الشباب اليوم لمواجهة الواقع الصعب، وبناء مستقبل مهني أكثر استقرارا وانفتاحا على العالم، واليوم يعتبر هذا المجال بوابة أمل لعدد كبير من الشباب في غزة».
ويقول لـ«القدس العربي» إن غزة تواجه أزمة بطالة خانقة، خاصة بين فئة الشباب وخريجي الجامعات، ويعود ذلك إلى عدة عوامل أبرزها، ضعف القطاع الخاص وقلة الاستثمارات والقيود على الحركة والتجارة، إلى جانب التكرار المستمر للأزمات والحروب، وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، هذا الواقع يدفع آلاف الشباب سنويا للبحث عن بدائل غير تقليدية، وعلى رأسها العمل عبر الإنترنت.
ولفت إلى أن شباب غزة يلجأون للعمل عن بعد لتوفير لقمة عيشهم، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع القيود السياسية، ويجد آلاف الشباب أنفسهم أمام واقع صعب، يتمثل في ندرة فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، في هذا المشهد المعقد، لم يعد انتظار الوظيفة التقليدية خيارا ممكنا، فكان التوجه نحو العمل عن بعد بمثابة طوق نجاة، يسعى من خلاله الشباب لتأمين دخل ثابت وتوفير لقمة العيش.
ويوضح أن سوق العمل المحلي في غزة محدود جدا، ولا يستوعب الأعداد الكبيرة من الخريجين، كما أن العمل عن بعد يفتح بابا مباشرا للدخول إلى الاقتصاد العالمي من دون الحاجة إلى السفر أو التنقل، كما أن الدخل القادم من الخارج عبر العمل الحر، يساهم في تحريك الاقتصاد المحلي وزيادة القدرة الشرائية.



