
بين المطر وبعلبك…نداء قديم
بقلم حسين جمعة
كأن الطريق إلى بعلبك يملك سرًّا لا يكشفه إلا لمن يعود إليه بعد غياب…
سرٌّ يوقظ في القلب ذلك الطفل الذي ترك ركضه في الحقول منذ زمن،
ويُعيد إليه خفّةً كان يظن أنها تبخّرت مع ازدحام الأيام.
كنت أعود من سفري الطويل،
والشتاء مترددٌ هذا العام،
يختبر خطواته الأولى على الطرقات الباردة،
ويذرّف مطره بخجل،
كأنه يخشى أن يوقظ ذكرياتٍ نائمة في حجارة القرى.
لكن شيئًا ما كان يتغير داخلي بمجرد أن تقترب الطريق من ملامح بعلبك…
حتى السيارة نفسها كانت تفرح،
تقفز كأنها تتذكر طفولتها أيضًا،
تهرب من رتابة الإسفلت نحو ألوان الحقول،
وتسبقني إلى تلك المدينة التي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
لم يكن الفرح مفاجئًا كما اعتقدت أول الأمر…
كان أشبه بنسيمٍ قديم،
يعود كلما عاد الشتاء،
يحمل معه صوت الريح بين الأعمدة،
ونكهة الخبز الساخن في الصباح،
ورائحة الطفولة حين كانت الحياة أوسع من اليدين.
على جانبي الطريق تتطاير الأوراق الصفراء،
لا كعلامة على الرحيل…
بل كأنها رقصة احتفال صامتة،
تخبرني أن الأشياء تمضي،
لكن أثرها يبقى فينا مهما حاولنا أن نكتمه.
كنت أبتسم دون سبب محدد،
أراقب الغيم وهو يشرح سماءه،
وأترك قلبي يستعيد تفاصيل نسيها طويلًا،
ثم وجدها فجأة على شكل ومضة،
صوت، صورة، حجرٍ أعرفه…
كأن الذاكرة تنفض غبارها وتنهض.
لم يكن هناك حزن بالمعنى القاسي،
بل شيء من الهدوء العميق،
هدوء يشبه المصالحة مع الطريق،
ومع السنوات التي مضت،
ومع المسافات التي لم تكن يومًا فواصل…
بل كانت الجسر الذي أعادني إلى نفسي.
وعندما هطل المطر أخيرًا،
امتلأت السماء بطمأنينةٍ أعرفها،
وشعرت أنّ الغيث لا ينبت الأرض وحدها،
بل ينبت ما يبقى فينا من الحنين،
ذلك الحنين الذي لا يجرّح…
بل يعلّمنا كيف نمشي بخفة أكبر،
وكيف نعود كل مرة
إلى ما يجعلنا نحن.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان



