بين مطرقة الاحتلال وسندان الأزمات الداخلية… هل تملك الحكومة الفلسطينية خطة لإنقاذ المواطن وتعزيز صموده؟

بين مطرقة الاحتلال وسندان الأزمات الداخلية… هل تملك الحكومة الفلسطينية خطة لإنقاذ المواطن وتعزيز صموده؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد المواطن الفلسطيني يواجه أزمة معيشية عابرة أو ظرفاً اقتصادياً طارئاً، بل يعيش حالة مركبة من الأزمات المتراكمة، تتقاطع فيها تداعيات الاحتلال الإسرائيلي مع قصور السياسات الحكومية، في لحظة تاريخية تعد من أخطر المراحل التي يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني. ففي الوقت الذي تتسارع فيه مخططات الضم والاستيطان والتهجير القسري، وتتعرض المدن والقرى والمخيمات لاعتداءات يومية، يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي يزداد قسوة يوماً بعد آخر، دون أن يلمس وجود رؤية حكومية متكاملة قادرة على تعزيز صموده أو تخفيف معاناته.
لقد بات واضحاً أن الحكومة والشعب يعيشان في مسارين متوازيين لا يلتقيان؛ فبينما تتحدث الحكومة عن خطط إصلاحية وإجراءات مالية، يعيش المواطن واقعاً مختلفاً عنوانه البطالة، والفقر، وارتفاع الأسعار، وانعدام اليقين، وتراجع القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة.
إن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية القانونية الأولى عن هذا الواقع، باعتباره سلطة احتلال وفق أحكام القانون الدولي الإنساني. فالمادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم سلطة الاحتلال بضمان توفير المواد الغذائية والإمدادات الطبية للسكان المدنيين، كما تؤكد المادة (56) مسؤوليتها عن ضمان الخدمات الصحية، بينما تحظر المادة (53) تدمير الممتلكات الخاصة إلا لضرورات عسكرية قاهرة، وهو ما تنتهكه إسرائيل يومياً عبر هدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وإغلاق المدن والطرق، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، واحتجاز أموال المقاصة، وحرمان عشرات الآلاف من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم.
غير أن مسؤولية الاحتلال لا تعفي الحكومة الفلسطينية من واجباتها الدستورية والقانونية. فالقانون الأساسي الفلسطيني يؤكد أن السلطة الوطنية مسؤولة عن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، وإدارة المال العام وفق مبادئ العدالة والشفافية والكفاءة، وتوفير الخدمات الأساسية، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، ووضع السياسات التي تعزز صمود المواطنين في أرضهم.
اليوم، تتفاقم الأزمة الاقتصادية بصورة غير مسبوقة. فقد ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات خطيرة، خاصة بين الشباب والخريجين، وتوقفت مئات المنشآت الاقتصادية عن العمل، فيما أغلقت أعداد كبيرة من المحال التجارية أبوابها بسبب حالة الركود، وارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين كلفة الإنتاج والتشغيل من جهة، وبين حجم الإيرادات والمداخيل من جهة أخرى. وأصبحت مؤسسات اقتصادية عريقة عاجزة عن الاستمرار، بينما تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام الأمان للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يقتصر الأمر على أصحاب المنشآت الاقتصادية، بل يمتد إلى آلاف الأسر الفلسطينية التي تعتمد على الرواتب أو الأعمال اليومية. فعدم انتظام صرف الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات، وتضخم فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات، جعلت الأسرة الفلسطينية أمام معادلة مستحيلة، حيث أصبحت المداخيل الثابتة أو المتناقصة عاجزة عن مواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة.
ومع اقتراب العام الجامعي الجديد، تتضاعف المخاوف. فآلاف الطلبة يواجهون خطر تأجيل تعليمهم بسبب عجز أسرهم عن دفع الرسوم الجامعية أو توفير مستلزمات الدراسة، في وقت تعجز فيه آلاف العائلات عن تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء والملبس. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لرب الأسرة أن يؤمن أقساط الجامعة، وهو بالكاد يستطيع توفير قوت يومه؟ وكيف يمكن الحديث عن الاستثمار في التعليم، بينما أصبحت الأولوية لدى كثير من الأسر هي البقاء وتدبير الحد الأدنى من مقومات الحياة؟
وفي الوقت ذاته، تتفاقم أزمة الكهرباء، ليس فقط بسبب الانقطاعات أو الأعباء المالية على شركات التوزيع، بل أيضاً بسبب تضخم قيمة الفواتير، وارتفاع تكاليف الطاقة، الأمر الذي ألقى بأعباء إضافية على الأسر والمنشآت الاقتصادية، وأصبح استهلاك الكهرباء يستنزف جزءاً كبيراً من دخل المواطنين، في ظل غياب حلول مستدامة أو برامج دعم حقيقية للفئات الأكثر تضرراً.
إن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الحالية تنذر بمخاطر تتجاوز الجانب المعيشي، إذ إن استمرار تراجع النشاط الاقتصادي، واتساع رقعة البطالة، وإغلاق المنشآت، وتزايد الفقر، وتآكل الثقة بالمؤسسات، قد يقود إلى تداعيات اجتماعية وأمنية خطيرة، ويضعف الجبهة الداخلية في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى أقصى درجات التماسك والوحدة والصمود.
إن تعزيز صمود المواطن لا يكون بالشعارات أو البيانات، وإنما عبر سياسات اقتصادية استثنائية تتناسب مع استثنائية المرحلة. فالمرحلة تستوجب إعلان خطة إنقاذ وطنية شاملة تقوم على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وترشيد النفقات التشغيلية، ومحاربة الهدر والفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، ودعم الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة، وتوفير برامج حماية اجتماعية للفئات الأكثر فقراً، وإطلاق حوار اقتصادي وطني تشارك فيه الحكومة والقطاع الخاص والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني.
كما أن الانفكاك الاقتصادي التدريجي عن الاحتلال لم يعد شعاراً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية وأمنية واقتصادية، تستوجب مراجعة بروتوكول باريس الاقتصادي، وتنويع الشراكات التجارية، وفتح الأسواق العربية والإقليمية أمام المنتج الفلسطيني، بما يحد من الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي الذي يستخدم أدواته الاقتصادية كسلاح سياسي لمعاقبة الشعب الفلسطيني.
إن قوة أي حكومة لا تقاس بعدد البيانات الصادرة عنها، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها، وإدارة الأزمات بكفاءة، واستعادة ثقة الناس بمؤسساتهم. واليوم، لم يعد المواطن الفلسطيني ينتظر تبريرات، بل ينتظر قرارات شجاعة، وسياسات عادلة، ورؤية وطنية واضحة تنقذ الاقتصاد، وتحافظ على كرامة الإنسان، وتعزز صموده في مواجهة الاحتلال.
إن الشعب الفلسطيني يقف اليوم بين مطرقة الاحتلال وسندان الأزمات الداخلية، وإذا كانت آلة الاحتلال تستهدف اقتلاع الإنسان من أرضه، فإن تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يهدد بتآكل مقومات الصمود من الداخل. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون الحكومة شريكاً حقيقياً للمواطن في مواجهة هذه التحديات، لا مجرد مراقب لها.
فصمود المواطن الفلسطيني ليس قضية اجتماعية فحسب، بل هو ركيزة الأمن الوطني، وأساس بقاء المشروع الوطني الفلسطيني. وكل تأخير في معالجة هذه الأزمات يضاعف كلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمنح الاحتلال فرصة إضافية لتحقيق أهدافه في إضعاف المجتمع الفلسطيني وتفكيك قدرته على الثبات على أرضه