تجاذبات دولية تعيد شبح الحرب: سوريا… الحكم المركزي مستعصٍ

تجاذبات دولية تعيد شبح الحرب: سوريا… الحكم المركزي مستعصٍ
تصطدم مشاريع الحكم اللامركزي المدعومة غربياً وإسرائيلياً بمحاولات تركية لفرض حكم مركزي، وسط تجاذب دولي من شأنه أن يحدّد ملامح المستقبل السوري، تبعاً لمخرجات اللقاءات المكثّفة الجارية، والتي قد يؤدي وصولها إلى طريق مسدود إلى إعادة إشعال الميدان السوري.
كما كان متوقّعاً، وضع «الكونفرانس» الذي عُقد في شمال شرق سوريا، وشاركت فيه قوى درزية من السويداء وعلوية من الساحل، إدارة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، أمام تحدٍّ غير مسبوق، على وقع تصاعد مستمر في التجاذب السياسي بين قوى إقليمية ودولية متعدّدة. وتبعت المؤتمر الذي شارك فيه الزعيم الروحي لطائفة الموحّدين الدروز، حكمت الهجري، سلسلة مواقف من وجهاء وزعماء روحيين في السويداء، شدّدت على وحدة الصف الدرزي، الذي سعت الإدارة الجديدة لإظهار انقسامه، وهو ما سيصبّ في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل، إذ ساهمت المواقف الأخيرة التي أطلقها الشيخان يوسف جربوع وحمود الحناوي، والتي تبنّت موقف الهجري، وندّدت بالجرائم التي ارتكبتها الفصائل التابعة أو الموالية للإدارة الجديدة، في بلورة اصطفاف درزي بدا قوياً، الأمر الذي من شأنه أن يعزّز الأوضاع التي وصلت إليها السويداء، والتي باتت فعلياً تعيش تحت حكم ذاتي، بعد أن تدخّلت إسرائيل تحت عباءة «حماية الدروز» وفرضت واقعاً جديداً في الجنوب.
كذلك، جاءت مشاركة الشيخ العلوي غزال غزال، لتضفي بعداً جديداً على المشروع الذي ينادي به المؤتمر، والذي يدعو إلى إقامة نظام حكم لا مركزي، في وقت تصرّ فيه إدارة الشرع على فرض حكم مركزي بالقوة.
على أن المؤتمر، الذي برز ظهور القيادي في «وحدات حماية الشعب» الكردية (YPJ)، سيبان حمو، فيه، ما أعطاه بعداً سياسياً وعسكرياً تبعاً للدور الكبير الذي لعبه حمو – على الرغم من بقائه بعيداً عن الأضواء خلال السنوات الماضية -، استبقته تركيا بزياة عاجلة أجراها وزير الخارجية، حاقان فيدان، إلى دمشق، حيث التقى نظيره الشيباني، والشرع. أمّا الأخير، فسارع إلى رفض مخرجات «الكونفرانس»، وتعليق المشاركة في اجتماع كان مقرّراً عقده في العاصمة الفرنسية باريس، في إطار المفاوضات الجارية مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وهو ما بدا بمثابة تجسيد مباشر لصراع واضح بين تركيا وفرنسا، يضاف إلى الصراع التركي الإسرائيلي على النفوذ في سوريا.
وفي محاولة للملمة بعض أوراق الملف السوري التي بدأت تتبعثر، على وقع استحالة فرض نظام مركزي بالقوة، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي، إلى جانب المجازر العديدة التي ارتكبتها الفصائل التابعة أو المرتبطة بالإدارة الجديدة، أعلن الأردن استضافة لقاء، هو الثاني من نوعه، يشارك فيه الشيباني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك، وممثّلون عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث. ويهدف اللقاء الذي يُعقد غداً، إلى استكمال مخرجات لقاء عمّان الذي عُقد بتاريخ 19 تموز 2025 لبحث تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء في جنوب سوريا، وحلّ الأزمة فيها.
يمكن اعتبار الفترة الحالية الأكثر حراجة في الملف السوري
بموازاة ذلك، أُعلن في العاصمة البلجيكية بروكسل عن بدء لقاءات لجنة تنسيق المكوّنات السورية، والتي تشكّلت في الثامن من آذار الماضي، من عدد من المبادرات المدنية والسياسية العاملة على إيجاد آليات تنسيقية بين تلك المكوّنات. ويبحث اللقاء «الفيدرالية والديمقراطية في سوريا»، على أن يتم العمل على تحديد موعد لعقد نسخة ثانية منه في الداخل (في القامشلي)، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في تعزيز مخرجات «كونفرانس» شمال شرق سوريا.
وأمس، أصدر مجلس الأمن بياناً رئاسياً، بطلب من الدنمارك، شدّد على ضرورة الالتزام بالقرار 2254، حول الانتقال السياسي في سوريا. وركّز البيان الذي سبقه جدل واسع نتيجة بعض الاعتراضات عليه – بما في ذلك رفض أميركا إدانة الاعتداء الإسرائيلي، والذي جرى تفاديه عبر إدانة التدخّل الخارجي، بالإضافة إلى طلب الصين تضمينه بند التصدي للجماعات المتشدّدة -، بشكل أساسي، على أعمال العنف التي شهدتها السويداء، وضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة دون عوائق. ومن شأن ذلك أن يمهّد، في مراحل متقدّمة، لإدخال المساعدات عبر الحدود (الأردن)، في حال استمرار الحصار الذي تفرضه الفصائل الموالية أو التابعة للإدارة الجديدة على المحافظة الواقعة جنوبي البلاد.
ويتبلور، في ضوء التعقيدات المتزايدة في الملف السوري، موقفان متناقضان: الأول يدعو إلى حكم لا مركزي يضمن أشكالاً مختلفة من الحكم الذاتي، تبدو مدعومة من قوى دولية بينها فرنسا وإسرائيل وتحظى بدعم أميركي غير معلن، في ظل العلاقات القوية التي تربط واشنطن بـ«قسد»؛ والثاني يحاول فرض نظام حكم مركزي عبر شتى الوسائل، بما فيها القوة، بدعم تركي معلن. ومن شأن هذا التناقض أن يخلق ساحة صراع متعدد الأطراف، ينذر بتفجّر جديد لأعمال العنف، وهو ما لا يرغب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حدوثه، في ظلّ محاولته إظهار ملامح تطور إيجابي في الملف السوري بعد احتضانه إدارة الشرع، والتي وصلت إلى حدّ رعاية مؤتمرات استثمار شاركت فيها مؤسسات وهمية، وتمّ خلالها توقيع تفاهمات بمليارات الدولارات، من دون وجود أساس قانوني أو استثماري واضح.
وعلى الرغم من احتدام الصراعات الإقليمية والدولية في سوريا، منذ صعود «هيئة تحرير الشام» إلى سدّة الحكم، فإن الفترة الحالية قد تكون الأكثر حراجة في هذا الملف، أو على أقل تقدير، علامة فارقة من شأنها أن تحدّد ملامح المستقبل السوري القريب والبعيد، تبعاً لمخرجات اللقاءات المكثّفة التي تجري بين عواصم الدول الفاعلة، والتي قد يؤدي وصولها إلى طريق مسدود إلى إعادة إشعال الميدان السوري. وكانت روسيا قد أطلّت برأسها من هذا الميدان، مرة جديدة، بعد زيارة الشيباني موسكو ولقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واللذين اندرجا ضمن مناورة مدفوعة من أنقرة لتحجيم الدور الفرنسي، وتوسيع قنوات التواصل مع إسرائيل، الأمر الذي زاد بدوره من تعقيد المشهد.




