مقالات

تحية للمتضامنين الأجانب في الضفة الغربية

تحية للمتضامنين الأجانب في الضفة الغربية

محمد كريشان

بوب سوبيري إسرائيلي أمريكي قرر يوما ما أن يعبر الخط الأخضر ويرى ما يحدث في الضفة الغربية. عاين هذا الستيني من الظلم والقهر ما لا يستطيع أي إنسان ذي ضمير أن يتحمّله فقرر أن ينضم إلى كوكبة المتضامنين الدوليين الذين يعملون هناك على رصد انتهاكات الاحتلال والسعي إلى الدفاع عن الأهالي الفلسطينيين العزّل ما يعرّضهم بدورهم إلى الضرب والاعتقال والترحيل أحيانا.
يقول سوبيري إنه تعرّض للهجوم عدة مرات، أولها عام 2021، من قبل مستوطنين ملثّمين، كان وقتها يرافق راعيا من قرية طوبا وهي تتعرّض لهجمات المستوطنين الذين أحرقوا خمسة منازل فيها وأصابوا عددا من الفلسطينيين.
في التقرير القصير الذي بثته عنه مؤخرا «أي جاي بلاس» التابعة لشبكة الجزيرة جاء أن هذا الرجل نشأ صهيونيا وظل لسنوات جزءا من المجتمع الإسرائيلي بكل قيمه السائدة قبل أن تدفع قراءاته وزيارته الأولى إلى مسافر يطا عام 2019 إلى إعادة النظر في كثير مما كان يؤمن به. يقول «أصبحت قريبا من العائلات الفلسطينية هناك وعلمت من خلالهم ما كان يجري لهم وأصبحت قرية «خربة أم الخير» الصغيرة بالنسبة إليّ نموذجا مصغرا لما يحدث حولنا ولما تقوم به الحكومة الإسرائيلية لتطويق وخنق المجتمع الفلسطيني حتى يدفعهم إلى المغادرة».
ورغم الإعفاء من التأشيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لكن ذلك لم يحل دون التهديد بمنع الدخول إذا ما شارك أي من مزدوجي الجنسية في أية أنشطة معادية للاحتلال في الضفة الغربية. ولا شك أن ذلك ينطبق على كل هذه الفئة التي تنزعج منها الحكومة اليمينية أيما انزعاج لما يمثله تضامنهم مع الفلسطينيين وكشف ممارسات جيش الاحتلال وعربدة المستوطنين من فضائح في الأوساط الغربية تعمّق أكثر وأكثر انحدار صورة إسرائيل في الغرب.

أصبحت قرية «خربة أم الخير» الصغيرة نموذجا مصغرا لما يحدث حولنا ولما تقوم به الحكومة الإسرائيلية لتطويق وخنق المجتمع الفلسطيني

وجود أمثال هؤلاء المتضامنين الأجانب حاليا في الضفة الغربية بات اليوم ملحا أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد مضي الحكومة الفاشية قدما في الضم التدريجي والمفضوح للضفة الغربية مع نقل شؤونها من الحكم العسكري إلى الشؤون المدنية، وارتفاع وتيرة الاعتداءات بالتوازي مع حمى اقتراب موعد الانتخابات وما تفرضه من مزايدات شتى.
وتزداد أهمية وجود هؤلاء المتضامنين الأجانب، من غربيين ونشطاء سلام إسرائيليين، بالنظر إلى التقاعس والفراغ الذي تركه الغياب الغربي الرسمي عن رصد ما يجري من انتهاكات في الضفة الغربية المحتلة. طبعا، لا أحد بإمكانه الآن الدخول إلى قطاع غزة لمعاينة الوضع الكارثي هناك، فقد منع حتى الأمين العام للأمم المتحدة من ذلك، لكن الوضع كان مختلفا في الضفة إلى حد ما. كنا نتابع بين فترة وأخرى زيارات لسفراء وقناصل أوروبيين بالدرجة الأولى، سواء المقيمين في رام الله أو تل أبيب، للحديث مع الأهالي أو زيارة بعض القرى والبيوت التي تتعرض إلى هجمات جيش الاحتلال والمستوطنين لكن شيئا من ذلك لم يعد يحدث (قام بعضهم أمس بتدارك ذلك في النهاية).
ومع اقتحام عشرات الجنود الإسرائيليين بلدة قُصرة جنوب مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، وإجبار سكان منازل فلسطينية محاصرة من قبل المستوطنين على إخلائها، واستمرار محاصرة ثلاث عائلات فلسطينية في منازلها وحرمانها لأيام من إمدادات الماء والكهرباء، ومنع الصحافيين من الاقتراب لتغطية ما يجري، يصبح وجود المتضامنين الأجانب الضامن الوحيد تقريبا لتوثيق هذه الجرائم رغم ما يتعرّضون له من ضرب وتنكيل واعتقال.
ليس من السهل نسيان راشيل كوري، تلك الناشطة الأمريكية التي قتلتها جرّافة إسرائيلية سحقا بمدينة رفح جنوب قطاع غزة في 16 من مارس/ آذار 2003، وهي بالكاد أتمت عامها الرابع والعشرين، عندما كانت تحاول بجسدها منع هدم منزل فلسطيني، وكانت ترتدي سترة برتقالية لتمييز نفسها ضمن «حركة التضامن العالمية». لقد تحوّلت تلك الشابة إلى رمز وأيقونة عالمية ضد الاحتلال وساهمت وقتها بقدر لا يستهان به في كشف الوحشية الإسرائيلية للرأي العام الغربي.
ليس مطلوبا بالطبع سقوط أي متضامن أجنبي جديد على تراب الضفة ليدرك العالم وحشية هذا الاحتلال فقد رآها مباشرة على شاشات التلفزيون لأكثر من عامين في حرب الإبادة في غزة، ومع ذلك فما زال المطلوب استغلال الزخم الحالي لمزيد تعريته وصولا إلى نبذه دوليا بالكامل.
لقد باتت هذه التحركات الشعبية الغربية هي البديل الماثل أمامنا في الوقت الحالي لتقاعس الحكومات الغربية (فما بالك بالعربية، خاصة تلك التي طبّعت علاقاتها مع دولة الاحتلال) عن اتخاذ الإجراءات اللازمة من مقاطعة اقتصادية شاملة وفرض عقوبات، تماما كما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
عندما تتراكم هذه الروافد الشعبية الدولية، من حركة تضامن ميدانية في الأراضي المحتلة، ومظاهرات في عواصم كبرى، وصرخات استهجان لهذا الوزير أو النائب أو المسؤول المحلي الغربي المؤيد لإسرائيل، ومساعي مقاطعة هذا المطرب أو ذاك او هذه الشركة أو تلك بسبب علاقتها الحميمة مع القتلة، عندها ستصب كل هذه في نهر هادر سيطيح بآخر وأحقر احتلال في القرن المعاصر، وقد بدأت النتائج تظهر شيئا فشيئا.. في الولايات المتحدة وغيرها.

٭ كاتب وإعلامي تونسي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب