كتب

تداعيات إقصاء المترشحين للانتخابات البرلمانية في الجزائر: رقعة الغضب في دائرة الموالاة تتسع.. والمعارضة تتحدث عن “جزاء سنمار”

تداعيات إقصاء المترشحين للانتخابات البرلمانية في الجزائر: رقعة الغضب في دائرة الموالاة تتسع.. والمعارضة تتحدث عن “جزاء سنمار”

: خرج قياديون في أكثر الأحزاب موالاة للسلطة في الجزائر عن صمتهم إزاء ما بات يُعرف بـ”مقصلة المادة 200″ من قانون الانتخابات، التي أُقصي بموجبها مئات المترشحين للانتخابات البرلمانية المقررة في يوليو 2026. وقد قوبلت هذه الانتقادات من قِبل ناشطين في المعارضة بالاستغراب، كون هذه الأحزاب ذاتها هي من صوّتت على قانون الانتخابات الجديد قبل أشهر قليلة، ومررته دون اعتراض يُذكر.

وكان آخر من رفع صوته من داخل دائرة الموالاة امحمد الطويل، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي “الأرندي”، الذي نشر مقالا مطوّلا وصف فيه ما يجري بأنه “ظاهرة تستوجب التوقف عندها وبإمعان”. وتساءل الطويل عن تفسير رفض أكثر من 3000 ملف ترشح من أصل ما يزيد على 7000، أي ما يتجاوز ثلث المترشحين، مستنكرا أن يُقصى هذا العدد الكبير قبل أن يمنح الناخب كلمته الفصل.

وقدّم في هذا السياق معلومة عن قبول 5 ملفات ترشح لنساء برلمانيات من بين 32 نائبة في المجلس الشعبي الوطني الحالي، متسائلا إن كانت هذه التجربة ستشكّل حافزا للعنصر النسوي على المشاركة مستقبلاً، أم ستكون سبباً إضافيا للعزوف والتردد. وكانت مصادر إعلامية في الجزائر، قد تحدثت عن إقصاء نحو 200 نائبا حاليا من الترشح من جديد في انتخابات الثاني من تموز/ يوليو المقبل.

ولم يتوقف الطويل عند حدود الأرقام، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين تساءل عن الرسالة التي تصل إلى الشباب الذي يرى أعداداً كبيرة من المترشحين تُقصى قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع، مستفسرا إن كان ذلك سيشجعهم على الانخراط في العمل السياسي أم سيدفعهم إلى الاعتقاد بأن الطريق أصبح أكثر تعقيدا مما كانوا يتصورون.

غير أن هذا الخطاب المفاجئ من رئيس المجموعة البرلمانية للأرندي لم يمر دون أن يقابل بردود بعضها استعمل لغة ساخرة. فقد علّق الكاتب الصحافي محمد علواش على المقال قائلا إنه “معجب بهذا التحليل اللطيف والوديع وغير المسبوق”، وأنه في الوقت ذاته أنه “مصدوم” من كلام الطويل في “الوقت الضائع”، في إشارة إلى أن الكتلة البرلمانية للأرندي صوّتت على قانون الانتخابات المتضمن للمادة 200 بالإجماع وبكل حماس، دون أن يُسمع لها صوت يطرح هذه الأسئلة حين كان القرار يُصنع.

وقبل الطويل، كان فاتح بوطبيق، رئيس جبهة المستقبل، وعبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني، وهما من أبرز قادة الموالاة، قد كسرا أيضاً الصمت. وأكد بوطبيق أن غياب الشفافية في تبرير قرارات الرفض قد يخلق حالة من الارتياب والإحباط داخل الحياة السياسية، مطالباً بضبط التطبيق بمعايير أوضح. أما بن قرينة فقد أبدى تأثره بما وصف مترشحيه المقصيين بأنهم لا يُعرف عنهم إلا الخير، مشيراً إلى أن الإشكال لا يرتبط بقرار الرفض وحده، بل بطبيعة التوصيفات والمعايير المعتمدة في تبريره.

وهذا التناقض بين مواقف الأمس ومواقف اليوم هو ما يصفه بعض المعارضين بـ”جزاء سنمار”. فأحزاب الموالاة التي وفّرت الأغلبية اللازمة لتمرير القانون تجد نفسها اليوم في مواجهة تداعياته التي طالت مترشحيها هي الأخرى.

في المقابل، سارعت أحزاب محسوبة على المعارضة البرلمانية إلى تبرئة ذمتها من المسؤولية. فقد أكد النائب عبد الوهاب يعقوبي عن حركة مجتمع السلم، أنه تقدّم شخصياً بثمانية تعديلات جوهرية على القانون العضوي للانتخابات بهدف تعزيز الحريات وضمان حقوق المترشحين، وأنه أعدّ قبل ذلك ما يزيد على 800 تعديل، غير أنها استُبعدت بـ”فيتو” وصفه بغير القانوني من مكتب المجلس، قبل أن تُعرض على الهيئات المختصة. وأضاف أن كل التعديلات الأخرى التي رفعها على قانون الإجراءات الجزائية أُسقطت برفع أيدي نواب الأغلبية البرلمانية خلال التصويت.

عدد المترشحين المقبولين بلغ 6994 مترشحاً بما يمثل 70 بالمئة من مجموع الملفات المودعة، في حين بلغ عدد المرفوضين 3174 مترشحاً، أي ما يعادل 30 بالمئة

وكانت الأرقام الأولية التي أعلنتها السلطة الوطنية للانتخابات قد كشفت أن عدد المترشحين المقبولين بلغ 6994 مترشحاً بما يمثل 70 بالمئة من مجموع الملفات المودعة، في حين بلغ عدد المرفوضين 3174 مترشحاً، أي ما يعادل 30 بالمئة. ودفع ذلك أحزابا في المعارضة كحزب العمال وجبهة القوى الاشتراكية وحركة مجتمع السلم وحزب جيل جديد إلى المطالبة بمراجعة قرارات الرفض وتجميد العمل بالمادة 200، معتبرة أن نطاق تطبيقها توسّع إلى درجة طالت مترشحين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية نهائية.

وفي تدخله الأخير، حاول رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات كريم خلفان التقليل فكرة وجود توسع في تطبيق المادة 200، مؤكدا أنها ليست وحدها المرجع المعتمد في دراسة الملفات، وأن عملية الترشح تشمل التحقق من شروط السن والجنسية والوضعية تجاه الخدمة الوطنية وصحيفة السوابق والوضعية الجبائية، فضلاً عن أن كثيرا من حالات الرفض عادت إلى عدم استكمال استمارات التوقيعات أو وجود تكرار فيها. بيد أن هذه التوضيحات لم تُفضِ إلى تهدئة الجدل، بل جاءت في خضم عاصفة لم تهدأ بعد.

وتنص المادة 200 التي تحولت إلى بؤرة هذا الجدل، على ألا يكون المترشح “معروفاً لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين”. وقد رأى منتقدوها أن صياغتها الفضفاضة جعلتها أداة قابلة للتوظيف بعيدا عن غايتها الأصلية.

وكان القضاء الإداري في الساعات الأخيرة قد أعاد عددا من المترشحين إلى القوائم الانتخابية، بعد قرارات أولية بالإقصاء صدرت في إطار دراسة ملفات الترشح، وذلك عقب طعون تقدم بها المعنيون أمام الجهات القضائية المختصة. ويأتي هذا التطور في وقت يُنتظر فيه أن تعلن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن الحصيلة النهائية لعملية دراسة ملفات الترشح، وسط ترقب سياسي للنتائج النهائية وما قد تحمله من تعديلات على القوائم المعتمدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب