ترامب وإيران… عندما تفشل القوة، هل تُنقذ المفاوضات ما تبقّى من الحرب؟.

ترامب وإيران… عندما تفشل القوة، هل تُنقذ
المفاوضات ما تبقّى من الحرب؟.
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
منذ بداية المواجهة الأمريكية – الإيرانية، اختارت واشنطن
سياسة تقوم على الضغط المتدرج: قوة عسكرية، ثم ضغط
اقتصادي، ثم عقوبات، وصولاً إلى الجمع بين الخنق
الاقتصادي والهجمات العسكرية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل حققت هذه
الاستراتيجية الأهداف التي أرادتها الولايات المتحدة؟.
لقد جُرّبت القوة العسكرية، ولم تُؤدِّ، على ما يبدو، إلى
النتيجة السياسية التي كانت واشنطن تتطلع إليها. كما أن
مذكرة التفاهم لم تصل إلى نهايتها المنشودة، فعادت
الهجمات والهجمات المضادة إلى الواجهة، وازداد التصعيد
بين الطرفين.
ثم انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة مع أزمة
مضيق هرمز.
فإغلاق المضيق جعل حرية الملاحة هدفاً مركزياً بالنسبة
إلى الولايات المتحدة، بينما لجأت واشنطن إلى الضغط على
الموانئ الإيرانية وتشديد الحصار الاقتصادي.
وهكذا أصبحت الحرب أمام معادلة جديدة:
إيران تريد فرض كلفة على استمرار الحرب، والولايات
المتحدة تريد إجبار إيران على فتح الطريق أمام الملاحة
وإجبارها على تقديم تنازلات.
لكن المشكلة أن كل طرف يمتلك أوراقاً يستطيع استخدامها
ضد الطرف الآخر.
– من الحرب إلى الخنق الاقتصادي..
عندما لم تحقق الضغوط العسكرية أهدافها كاملة، لجأت
واشنطن مرة أخرى إلى سلاح العقوبات.
العقوبات الاقتصادية ليست جديدة على إيران. فقد
استخدمتها الولايات المتحدة لسنوات طويلة، أملاً في
إضعاف الاقتصاد الإيراني ودفع الشعب إلى الضغط على
النظام.
لكن هذه السياسة لم تؤدِّ إلى النتيجة التي كانت واشنطن
تنتظرها.
فالاقتصاد الإيراني تعرض لضغوط قاسية، لكن النظام لم
يسقط، والقيادة الإيرانية لم تستسلم.
واليوم يبدو أن واشنطن تحاول الجمع بين الخيارين: الخنق
الاقتصادي والضغط العسكري.
غير أن السؤال يبقى مطروحاً:
إذا لم تنجح العقوبات وحدها، وإذا لم تحقق القوة العسكرية
الحسم المطلوب، فهل سيؤدي الجمع بينهما إلى نتيجة
مختلفة؟.
ترامب أمام معضلة النصر.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الرئيس دونالد
ترامب.
ترامب لا يريد أن يدخل التاريخ باعتباره الرئيس الذي
خاض حرباً طويلة ومكلفة دون أن يستطيع تقديم نتيجة
واضحة للأمريكيين.
إنه يحتاج إلى "نصر" يستطيع عرضه أمام المواطن
الأمريكي.
لكن ما هو هذا النصر؟
هل يكون بتدمير منشآت إيرانية؟
هل يكون بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية؟
هل يكون بفتح مضيق هرمز؟
هل يكون بإجبار إيران على العودة إلى المفاوضات؟
أم يكون بالتوصل إلى اتفاق جديد تستطيع واشنطن تقديمه
باعتباره ثمرة للضغط الأمريكي؟
كل خيار من هذه الخيارات يحمل تعقيداته.
فالقصف يستطيع تدمير منشأة، لكنه لا يستطيع بالضرورة
أن يفرض على دولة تغيير سياستها.
والعقوبات تستطيع إنهاك الاقتصاد، لكنها لا تضمن إسقاط
نظام سياسي.
أما محاولة تغيير النظام بالقوة، فهي مغامرة أكبر بكثير،
وقد تفتح أبواباً لا تستطيع واشنطن التحكم في نتائجها.
– مضيق هرمز… عقدة الحرب..
لقد تحول مضيق هرمز إلى إحدى أهم عقد هذه المواجهة.
فالمضيق ليس مجرد ممر مائي؛ إنه شريان أساسي للطاقة
والتجارة العالمية. ولذلك فإن استمرار إغلاقه أو تهديد
حركة الملاحة فيه لا يضع إيران والولايات المتحدة وحدهما
أمام الخطر، بل ينعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق
الطاقة.
وهنا تظهر مفارقة الحرب.
فقد بدأت المواجهة بأهداف سياسية وعسكرية محددة،
لكنها أصبحت اليوم أمام هدف أكثر إلحاحاً: كيف يتم فتح
المضيق دون توسيع الحرب؟
وهذا السؤال قد يكون أكثر صعوبة من السؤال العسكري
نفسه.
لأن فتح المضيق بالقوة قد يحتاج إلى عمليات عسكرية
واسعة، وقد يؤدي بدوره إلى رد إيراني أكبر، فتدخل
المنطقة في دائرة جديدة من التصعيد.
وبذلك يمكن أن تتحول محاولة إنهاء أزمة إلى سبب لإطالة
الحرب.
هل استنفدت أمريكا خياراتها؟
ربما لا تزال واشنطن تملك خيارات عسكرية كثيرة، لكن
المشكلة ليست في عدد الخيارات العسكرية.
المشكلة هي أن القدرة على توجيه ضربة لا تعني القدرة
على تحقيق الهدف السياسي من الحرب.
وهذا هو الفارق بين الانتصار العسكري والانتصار
السياسي.
يمكن للولايات المتحدة أن تحقق مكاسب تكتيكية، لكن
المكسب التكتيكي لا يعني بالضرورة حسم المعركة.
وكل ضربة جديدة قد تحقق هدفاً عسكرياً محدوداً، لكنها في
الوقت نفسه قد تدفع إيران إلى رد جديد، لتعود دائرة
الهجمات والهجمات المضادة.
ومع استمرار هذه الدائرة، ترتفع تكلفة الحرب على الجميع.
– المفاوضات… الحل الذي لا تريد واشنطن أن يبدو
استسلاماً..
إذا كانت واشنطن قد جربت القوة والعقوبات والضغط
الاقتصادي، فقد يكون الخيار الأكثر واقعية هو العودة إلى
السياسة.
لكن العودة إلى المفاوضات لا تعني بالضرورة أن ترامب
خسر.
بل يمكنه أن يحول المفاوضات نفسها إلى "انتصار
سياسي".
– كيف؟.
من خلال اتفاق يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز،
ويضع ترتيبات بشأن البرنامج النووي الإيراني، ويقدم
ضمانات أمنية للطرفين، ويقابل ذلك بتخفيف تدريجي
للعقوبات.
مثل هذا الاتفاق قد يسمح لكل طرف بالقول إنه حقق شيئاً.
ترامب يستطيع أن يقول للأمريكيين إنه أجبر إيران على
تقديم تنازلات.
وإيران تستطيع أن تقول لشعبها إنها صمدت أمام القوة
الأمريكية ولم تستسلم.
وهذا النوع من التسويات قد يكون، في نهاية المطاف، أكثر
واقعية من البحث عن انتصار عسكري كامل.
ترامب لا يحتاج إلى حرب بلا نهاية،
الرئيس الأمريكي أمام خيارين واضحين.
إما الاستمرار في التصعيد بحثاً عن انتصار عسكري حاسم،
مع ما يحمله ذلك من مخاطر، وإما البحث عن مخرج
سياسي يستطيع من خلاله إنهاء الحرب دون أن يظهر أمام
الرأي العام الأمريكي بمظهر الطرف المهزوم.
وقد يكون الخيار الثاني أكثر عقلانية.
فترامب لا يحتاج بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني كي
يعلن نجاحه.
ولا يحتاج إلى احتلال إيران.
ولا يحتاج حتى إلى تحقيق كل أهدافه دفعة واحدة.
يكفيه أن يتمكن من الوصول إلى اتفاق يضمن الملاحة،
ويحد من المخاطر التي تهدد المصالح الأمريكية، ويعيد
الملف الإيراني إلى طاولة التفاوض.
عندها يستطيع أن يقدم الاتفاق للأمريكيين باعتباره نتيجة
للضغط الذي مارسته الولايات المتحدة.
– النصر الذي قد يأتي من طاولة المفاوضات..
ربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في الحرب الأمريكية ـ
الإيرانية:
قد يكون الطريق إلى النصر الذي يبحث عنه ترامب هو
الطريق الذي يبدأ بإنهاء الحرب، لا بمواصلة الحرب.
فالقوة العسكرية قد تفرض الألم، والعقوبات قد تزيد
الضغط، لكن السياسة وحدها تستطيع في كثير من الأحيان
تحويل الصراع إلى تسوية.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح في واشنطن ليس:
هل تستطيع أمريكا توجيه ضربة جديدة إلى إيران؟
فهذا أمر مختلف عن السؤال الأهم:
هل تستطيع أمريكا تحقيق أهدافها السياسية من خلال القوة
التي لم تحقق الحسم؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة، فإن البحث عن تسوية يصبح
أكثر إلحاحاً.
ترامب يريد أن يخرج من هذه المواجهة ولو ببصيص من
النصر يقنع به المواطن الأمريكي، وربما تكون أفضل
فرصة أمامه هي أن يحول نهاية الحرب إلى إنجاز سياسي.
ففي الحروب التي يستحيل فيها تحقيق نصر كامل، قد
يصبح إنهاء الحرب بشروط مقبولة أفضل من مواصلة
الحرب بحثاً عن انتصار قد لا يأتي.
وربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن أن تقدمه هذه
المواجهة هو أن الحروب قد تبدأ بالقوة، لكنها لا تنتهي
دائماً بالقوة.
وفي النهاية، قد يجد ترامب أن الاتفاق الذي يُوقَّع حول
طاولة المفاوضات هو نفسه "النصر" الذي عجزت القنابل
والعقوبات عن تحقيقه.



