تحقيقات وتقارير

ترامب يوجّه سياسة أمريكا تجاه إيران عبر «تروث سوشيال» وسط تشكيك الكونغرس بفعالية الضربات وتصاعد المخاوف من تصعيد جديد

ترامب يوجّه سياسة أمريكا تجاه إيران عبر «تروث سوشيال» وسط تشكيك الكونغرس بفعالية الضربات وتصاعد المخاوف من تصعيد جديد

رائد صالحة

واشنطن – في سابقة غير مألوفة، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يدير ملفًا شديد الحساسية مثل السياسة الأمريكية تجاه إيران عبر منصته الخاصة “تروث سوشيال”، متجاوزًا قنوات التواصل التقليدية، ومثيرًا عاصفة من الجدل داخل الأوساط السياسية والأمنية، وسط انقسامات حادة في الكونغرس وتشكيك متزايد في الرواية الرسمية بشأن “نجاح” الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية.

تصريحات ومعلومات متضاربة

ففي منشوراته على “تروث سوشيال”، أكد ترامب أن الغارات الجوية التي شنتها القوات الأمريكية يوم السبت على ثلاث منشآت نووية إيرانية حققت “نجاحًا ساحقًا”، وزعم أنها “دمرت كامل القدرات النووية الإيرانية وأعادت البرنامج سنوات إلى الوراء”. وقد دعمته في ذلك مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، مؤكدين أن المواقع المستهدفة “دُمرت بالكامل”، وأن إعادة بنائها “ستستغرق سنوات”.
غير أن تقييمات استخباراتية من وزارة الدفاع “البنتاغون” رسمت صورة مغايرة. فحسب تقارير كشفتها شبكة “CNN” فإن الضربات لم تُدمّر البنية التحتية الحيوية أو مخزونات اليورانيوم المخصّب، بل أدت فقط إلى تأخير مؤقت في البرنامج النووي، قد لا يتجاوز بضعة أشهر. وأفادت الشبكة أن إيران كانت قد نقلت بعض المواد الحساسة إلى مواقع بديلة قبيل الضربات، ما قلل من فعاليتها.
ارتباك وغضب في الكونغرس

هذا التباين في الروايات الرسمية أثار حالة من الحيرة والغضب داخل الكونغرس، الذي لم يحصل أعضاؤه بعد على إحاطات رسمية بشأن تفاصيل العملية.
وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، بصراحة: “هل صحيح أن البرنامج النووي الإيراني تم تدميره؟ ثمة أسباب قوية للاعتقاد بأن ترامب يضلل الشعب الأمريكي عمدًا”.
من جانبه، حذر النائب الديمقراطي بيني طومسون من أن الفجوة بين تصريحات ترامب وتقييمات وكالة استخبارات الدفاع “DIA” تهدد بجرّ البلاد إلى “ورطة عسكرية أو دبلوماسية”، وأضاف: “إذا لم نفعّل أدواتنا الدبلوماسية، فكل الاحتمالات تبقى مفتوحة”.
وكان من المفترض أن تُعقد جلسات إحاطة مغلقة لأعضاء الكونغرس يوم الثلاثاء، لكن الإدارة ألغتها فجأة وأعادت جدولتها ليومي الخميس والجمعة، ما زاد من الشكوك بشأن نيتها التواصل بشفافية.
وقال النائب غريغوري ميكس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب: “بصراحة، لا أعلم ما يجري. لا أحد يطلعنا على شيء”.
أما النائب ماكسويل فروست فعبّر عن قلقه من احتمال لجوء ترامب إلى عمل عسكري جديد إن تبيّن فشل الضربة. وقال: “هو من النوع الذي قد يهاجم مجددًا ليثبت أنه كان على صواب، أو ربما يزعم أن محللي البنتاغون مخطئون، ويمضي قدمًا بدون أدنى محاسبة”.
في خضم هذا الغموض، فجّر ترامب مفاجأة جديدة عبر “تروث سوشيال”، حين أعلن عن اتفاق وقف إطلاق نار “شامل وكامل” بين إيران وإسرائيل، بدون أي تأكيد من أي من الطرفين. وكتب قائلًا: “تم الاتفاق الكامل بين إسرائيل وإيران على وقف شامل لإطلاق النار. خلال 12 ساعة ستُعتبر الحرب منتهية”.
ورافق هذا الإعلان نشر مقاطع فيديو لطائرات B-2 الأمريكية وهي تلقي قنابل على مواقع إيرانية، على أنغام أغنية “اقصفوا إيران”، التي تعود لثمانينيات القرن الماضي، وكتب معلقًا: “هذه لحظة تاريخية للولايات المتحدة، وإسرائيل، والعالم”.
وبعض المسؤولين في إدارة ترامب دافعوا عن أسلوبه المباشر، وقال أحدهم، طالبًا عدم الكشف عن اسمه: “الرئيس يرسل رسالة واضحة. وهذا يقلل الغموض ويسرّع النتائج. لا وقت للبيروقراطية”.
لكن مستشار الأمن القومي السابق إليوت أبرامز كان له رأي مغاير، وقال: “الرئيس لا يعرف كل شيء. دور المؤسسات الأمنية والدبلوماسية أن توازن وتدقق. هذا النوع من التصريحات المتسرعة يضعف المصداقية الأمريكية”.
أما داخل الحزب الجمهوري نفسه، فقد برزت انقسامات واضحة. فالنائبة الجمهورية مارغوري تايلور غرين، المعروفة بدعمها الشديد لترامب، وصفت الهجوم بأنه “خيانة لمبدأ أمريكا أولاً”، متهمة الرئيس بإرضاء “المحافظين الجدد وأمراء الحرب”. لكنها عادت بعد يوم فقط لتعبّر عن تأييدها لوقف إطلاق النار، في انعكاس لحالة التذبذب داخل القاعدة الجمهورية.

قمة الناتو: ترامب يهاجم الإعلام والمحللين

خلال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في لاهاي، شنّ ترامب هجومًا عنيفًا على وسائل الإعلام والتقارير الاستخباراتية التي شككت في نتائج الضربات. وقال: “أسوأ الناس هم من يكتبون تقارير سلبية لأقصى حد ممكن”.
وأكد ترامب أن العملية “حققت نجاحًا كاملًا ومبهرًا”، مضيفًا أن الانتقادات مصدرها “تسريبات كاذبة” تهدف لإضعافه قبل الانتخابات.
في المقابل، دعا عدد من النواب إلى فرض قيود قانونية على صلاحيات الرئيس العسكرية، وطرحوا مشروع قرار يقضي بمنع أي عمل عسكري جديد ضد إيران بدون تفويض صريح من الكونغرس.
وقال النائب الديمقراطي هانك جونسون: “ما فعله الرئيس يُعدّ عملًا حربيًا. لا يمكن أن يقرر بمفرده شنّ عمليات بهذا الحجم. يجب أن نعيد سلطات الحرب إلى نصابها الدستوري”.
وفي حين أصرت غابارد على أن المواقع المستهدفة “دُمّرت بالكامل”، ونفت أن تكون إيران قد احتفظت بأي قدرات نووية فعالة، أكدت تقارير شبكة “CNN” أن “البرنامج لا يزال قائمًا”، وأن بعض المواد نُقلت قبيل الغارات.
ووصفت النائبة الديمقراطية ماكسين ووترز رواية ترامب بـ”الكاذبة”، وقالت: “إنه يكذب مجددًا. لا أثق به، ويجب أن نكشف الحقيقة كاملة أمام الشعب الأمريكي”.

سؤال المستقبل: إلى أين تتجه الأزمة؟

مع تصاعد الشكوك بشأن فعالية الضربات، وتضارب الروايات الرسمية، وغياب التنسيق المؤسسي، يجد الكونغرس نفسه في مواجهة رئيس يقرر منفردًا، ويعلن قرارات كبرى عبر منصته الخاصة، من دون المرور بمؤسسات الدولة أو العودة إلى شركائه في السلطة.
وفيما يتصاعد الجدل حول احتمال تنفيذ ضربات جديدة، تزداد المخاوف من انزلاق الولايات المتحدة نحو تصعيد غير محسوب في منطقة الشرق الأوسط، بناءً على تقييمات غير دقيقة وتصريحات فردية، تعيد للأذهان نماذج كارثية من السياسات الخارجية الأمريكية السابقة.
وفي لحظة تشهد اضطرابًا دوليًا واسعًا، وتوترًا متصاعدًا في الشرق الأوسط، يقود ترامب السياسة الخارجية الأمريكية عبر منشورات إلكترونية سريعة، تتجاهل القنوات التقليدية وتثير قلق الداخل والخارج. وبينما يرى البعض في أسلوبه “حزمًا غير مسبوق”، يخشى كثيرون من أن تكون هذه القيادة الانفعالية مقدمة لقرارات عسكرية قد تُدخل البلاد في دوامة جديدة من الحروب والتوترات، بدون استراتيجية واضحة أو تفويض شعبي.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب