تصريحات بينيت ووهم حسم القضية الفلسطينية

تصريحات بينيت ووهم حسم القضية الفلسطينية
بقلم رئيس التحرير
لم تكن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، التي قال فيها إن “الملف حُسم تقريبًا”، وإن “لا دولة فلسطينية على الطاولة، ولن يكون هذا الأمر مطروحًا لعقدين قادمين”، مجرد موقف شخصي أو خطاب انتخابي عابر، بل تعكس توجهاً متصاعداً داخل الحياة السياسية الإسرائيلية يقوم على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، واعتبار أن الاحتلال والاستيطان قادران على فرض واقع دائم ينهي أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
هذه التصريحات تكشف انتقال الخطاب الإسرائيلي من مرحلة المماطلة السياسية إلى مرحلة إعلان رفض الحل السياسي بصورة صريحة. فحين يتحدث مسؤول إسرائيلي سابق بهذا الوضوح، فإن ذلك يعني أن قطاعات واسعة من النخبة الإسرائيلية باتت ترى أن انشغال العالم بأزماته الدولية، والانقسام الفلسطيني الداخلي، وتراجع مستوى الضغط الدولي، عوامل تمنح إسرائيل فرصة لتكريس مشروعها التوسعي.
الخطورة في هذا الطرح لا تكمن في الكلمات ذاتها، بل في ما يجري على الأرض من تسارع الاستيطان، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، ومحاولات تغيير هوية القدس، بما يجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة مع مرور الوقت. كما أن إبقاء الوضع القائم دون أفق سياسي يهدد بمزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام دورات متكررة من العنف والتصعيد.
أما على الصعيد الدولي، فما زال الاتحاد الأوروبي يتمسك رسميًا بحل الدولتين ويرفض الاستيطان، إلا أن هذا الموقف لم يترجم إلى أدوات ضغط فعالة. كما أن الولايات المتحدة، رغم تبنيها الخطاب التقليدي الداعم للتسوية، لم تُظهر حتى الآن إرادة حقيقية لإلزام إسرائيل بوقف سياسات فرض الأمر الواقع. وفي المقابل، تؤيد قوى دولية أخرى الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، لكن تأثيرها العملي ما زال محدودًا.
عربياً، لا تزال مبادرة السلام العربية تمثل الإطار الأشمل للموقف الرسمي، غير أن تعدد الأزمات الإقليمية وتغير أولويات المنطقة أضعف الحضور العملي للقضية الفلسطينية، وهو ما استغلته إسرائيل لتوسيع هامش حركتها السياسية والميدانية.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال الأهم: هل من نهج فلسطيني جديد؟ والإجابة أن الضرورة الوطنية تفرض مراجعة شاملة. فاستمرار الانقسام الداخلي، وتآكل الثقة بالمؤسسات، والاعتماد على مسارات تفاوضية مجمدة، لم تعد خيارات قابلة للاستمرار.
المطلوب فلسطينياً هو استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات على أسس الشراكة والديمقراطية، وصياغة استراتيجية تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي، والمقاومة الشعبية السلمية، والتحرك القانوني الدولي، وتعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه.
كما أن تجديد الخطاب الفلسطيني أمام العالم بات ضرورة، عبر التركيز على قيم الحرية والعدالة وحق تقرير المصير، بما يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها الأخلاقية والسياسية في الوعي الدولي.
إن تصريحات بينيت لا تحسم شيئاً، لأن الحقوق الوطنية لا تُلغى بالتصريحات، ولا تسقط بمرور الزمن. وما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم ليس الرد الخطابي، بل مشروع وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات، ويوحد الطاقات، ويحول التحديات إلى فرصة لاستعادة المبادرة. فالدولة الفلسطينية ليست بنداً على طاولة إسرائيلية يُرفع أو يُؤجل، بل حق ثابت أقرته الشرعية الدولية وسيبقى عنواناً لنضال شعب يتمسك بأرضه وكرامته.



