عربي دولي

تصميم إيراني على إسناد لبنان: طهران تودّع زمن «الصبر»

تصميم إيراني على إسناد لبنان: طهران تودّع زمن «الصبر»

تتعامل طهران مع تطورات الساحة اللبنانية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من معركتها الوجودية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظلّ قناعة متزايدة بأن مصير إيران و«حزب الله» بات أكثر ترابطاً من أي وقت مضى.

محمد خواجوئي

طهران | رغم أن روابط إيران بالمقاومة في لبنان، ولا سيّما «حزب الله»، تمتدّ إلى أكثر من أربعة عقود، فإن هذه الروابط اكتسبت خلال العامين ونصف العام الماضية معنى أكثر عينيّة وأهمية وأشدّ وضوحاً. ووصل ذلك إلى حدّ أن الطرفين يبدوان اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، في حال «تلازم مصيري»، حيث إن بقاء كلّ منهما يؤثّر في بقاء الآخر. ومنذ عملية السابع من أكتوبر 2023، تشهد المنطقة هجوماً معاكساً يقوده الكيان الإسرائيلي للخروج من مأزقه الاستراتيجي، وإعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي، وتحويل إسرائيل إلى القوة المهيمنة في المنطقة، بدعم مباشر من الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور، اكتسبت المواجهة مع «محور المقاومة» بكل مكوّناته، ومعركة «تصفية الحساب» معه، طابعاً حيوياً ومصيرياً.
هكذا، مضت إسرائيل، مستندةً إلى الدعم الأميركي، نحو هدف لا يقتصر على إضعاف هذا المحور، بل يتجاوزه إلى السعي لتدميره، وذلك بغية إزالة أكبر عقبة تحول دون تكريس هيمنتها على الإقليم. ويعني ما تَقدّم أن جميع حروب الولايات المتحدة وإسرائيل، من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وإيران، مندرجة في سياق واحد، وليست معارك منفصلة. كما يعني أن أطراف المقاومة كافة، من «حزب الله» في لبنان إلى نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، تواجه تهديداً وجودياً مشتركاً، بحيث لا يستطيع أيّ طرف أن ينجو أو يخرج منتصراً من الحرب إذا تعامل بلا مبالاة مع مصير الطرف الآخر. بعبارة أخرى، فإن وحدة مكوّنات معسكر المقاومة في المنطقة وتنسيقها لم يعودا خياراً، بل أصبحا مساراً لا مفرّ منه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تتابع إيران تطوّرات لبنان بحساسية تفوق ما كان عليه الأمر في أيّ وقت مضى؛ وهي أدرجت وقف إطلاق النار في هذه الساحة ضمن ورقة المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. ذلك أنها ترى في أيّ تراجع أو تساهل في لبنان، تمهيداً لحرب جديدة تستهدفها هي أيضاً. وفي هذا السياق، تأتي التحذيرات الأخيرة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين إزاء اتّساع نطاق العمليات العدوانية الإسرائيلية على لبنان، ووصفهم إياه بأنه انتهاك لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن.
وفي أحدث ردود الفعل الصادرة من طهران، عقدت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أمس، اجتماعاً خصّصته لبحث التطورات في لبنان. وقال رئيس اللجنة، إبراهيم رضائي، إن مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، مجيد تخت روانجي، الذي شارك في الاجتماع، أكّد أن «لبنان يجب أن يحظى بموقع واضح في أيّ اتفاق نهائي، وأنه يشكّل جزءاً لا يتجزأ من وقف إطلاق النار». وأضاف رضائي أن «روانجي قدّم إلى اللجنة تقريراً عن التطورات الميدانية في لبنان، فيما عرض مسؤولو وزارة الأمن آخر المعطيات المرتبطة بالوضع الأمني هناك». وأشار إلى «الدعم الحاسم الذي عبّر عنه أعضاء اللجنة للمقاومة في لبنان»، متابعاً أنهم دعوا إلى «التعامل بحزم وشدّة» مع جرائم الكيان الإسرائیلي في لبنان، كما شدّدوا، بحسبه، على ضرورة استخدام «كل الأدوات والإمكانات المتاحة» لدعم المقاومة، وعلى أهمية تكامل الجهود من أجل تعزيزها في الداخل وعلى مستوى جبهة المقاومة.

المقاربة الحذرة للبنان قد تنعكس سلباً على إيران وعلى مجمل «محور المقاومة»

كذلك، احتلّت تطورات لبنان موقعاً مركزياً على أجندة الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية، حيث تبرز، أكثر من أي شيء آخر، فکرة مفادها أن على إيران أن تقدّم دعماً فاعلاً وعملياً للمقاومة اللبنانية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وأن المقاربة الحذرة قد تنعكس سلباً على إيران وعلى مجمل «محور المقاومة». وفي هذا السياق، أكد الدبلوماسي الإيراني السابق في بيروت، كرم الله مشتاقي، أن «إيران لن تتراجع في لبنان تحت أيّ ظرف»، مشدداً على أن «المسألة لا ينبغي أن تُختزل في وقف الحرب في لبنان، بل إن القضية الأساسية تكمن في انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة في الجنوب».
وقال مشتاقي، في حديث إلى صحيفة «فرهيختکان»، إن «القضية اللبنانية لا تُعدّ اليوم مجرّد مسألة أمنية أو سياسية أو اجتماعية، بل هي بالنسبة إلى إيران قضية عقائدية ومرتبطة بالكرامة والاعتبار. وحتى لو كانت لدينا مئة مشكلة مع الأميركيين، وتمّ حل 99 منها، وهو أمر مستبعد أساساً، وبقيت مسألة لبنان وحدها، فإن إيران لن تقبل الاتفاق مع الأميركيين بسبب هذه المسألة وحدها».
وشدّد على ضرورة أن «تحدّد إيران مهلة نهائية وتاريخاً واضحاً لإسرائيل»، مضيفاً أنه «لا ينبغي الاكتفاء بوقف الحرب فقط. على إيران أن توضح أن مسألة لبنان بالنسبة إلينا لا تختصر بوقف الحرب، بل تتمثّل في انسحاب الكيان الصهيوني من المناطق التي احتلّها، ولا سيّما خلال الحرب الأخيرة».

وفي السياق نفسه، رأى محمد صادق كوشكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، أن «مجرّد التعبير عن القلق من خرق وقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لم يعد كافياً، وأن على إيران أن تُظهر ردّاً عملياً وأكثر جدّية، بما في ذلك على الساحة اللبنانية».
وكتب كوشكي، في مقال نشرته صحيفة «جام جم» التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية، أن «مراجعة مسار التطورات بعد وقف إطلاق النار تُظهر أن ما جرى عملياً خلال هذه المدة هو نوع من وقف إطلاق النار الأحادي الجانب؛ إذ في حين التزمت إيران به، أظهر الكيان الصهيوني، منذ اليوم التالي لإعلانه، أنه لا يعتبر نفسه ملزماً به، وبدأ عمليات مكثّفة تهدف إلى تدمير حزب الله وتحويل لبنان إلى نسخة أخرى من غزة». وأضاف أنه «إذا لم نتجاوز مستوى التعبير عن القلق فحسب، ولم نُقدم على إجراءات ردع واضحة ومحدّدة، فإن البلاد ستواجه في المستقبل القريب تهديدات أكثر خطورة. وفي حال جرى إضعاف حزب الله بشدّة أو تصفيته، فإن مهاجمة إيران ستصبح أسهل بكثير، كما أن العمليات الانتقامية الإيرانية ضدّ الصهاينة ستواجه صعوبات أكبر. والعسكريون المطلعون يدركون جيداً أن عمليات حزب الله خلال الأيام الـ39 الأولى من المعركة شكّلت مكمّلاً حقيقياً وفعلياً للقدرة القتالية للجمهورية الإسلامية، وهو ما يضاعف أهمية الحفاظ على هذا المكوّن الاستراتيجي».

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب