«تعارف»… إنّه زمن الـ «نيو طائفية»!

«تعارف»… إنّه زمن الـ «نيو طائفية»!
يُعيد تطبيق «تعارف» طرح سؤال الهوية في لبنان من بوابة المواعدة الرقمية، كاشفاً كيف تتحول الخوارزميات إلى أدوات فرز طائفي وسياسي.
يُعيد تطبيق «تعارف» طرح سؤال الهوية في لبنان من بوابة المواعدة الرقمية، كاشفاً كيف تتحول الخوارزميات إلى أدوات فرز طائفي وسياسي. في زمن ما بعد الحرب، تُطَبَّع الانقسامات وتُغذّى لدى جيل جديد، ليصبح التعارف نفسه ساحةً لـ«نيو طائفية» تهدد فكرة العيش المشترك، وتُعيد إنتاج الخوف والوصم داخل الفضاء الافتراضي اللبناني
صحيح أنّ «الطائفية بالعدس» وفقاً لما قال مرةً الراحل زياد الرحباني عن المجتمع اللبناني، إلا أنّ اللافت هو تطبيع هذه الآفة لتصبح أمراً طبيعياً بل مطلوباً.
خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، أسهمت وسائل الإعلام في تزكية الانقسام الطائفي والمذهبي، خصوصاً بين الجيل الجديد الذي لم يعايش الحرب الأهلية أصلاً، إلا أنّه بدا منجذباً نحو حرب أهلية من نوع آخر. وعوضاً عن العمل على زرع روح المواطنة ومحاولة إعادة تأهيل الشعب بمسؤولية وحسّ وطني، ها هم تجّار المال يعملون على استغلال هذه الأزمة كما نرى في taaruf.
إنّه تطبيق لبناني للمواعدة، شبيه بتطبيق «تيندر» العالمي، ولكن مع بعض الاختلافات. إذ يجمع التطبيق اللبناني الشباب والشابات بحسب طوائفهم. تعتمد سياسة هذا التطبيق كباقي التطبيقات الأخرى على جمع بياناتك الشخصية أولاً ليتمكّن من معرفة عمّ تبحث. حالما تفتح التطبيق، يبدأ بسؤالك عن اسمك ومكان إقامتك ونبذة عن شخصيتك.
اللافت أنّه يسأل أيضاً عن هويتك الدينية، بل المذهب أو الطائفة التي تنتمي إليها. على سبيل المثال، إن اخترت «مسلماً»، يعطيك المزيد من الخيارات، التي تتضمّن مأكولات أو مشروبات تختصّ بها طائفة دون أخرى مثل «الهريسة» التي تتميز بها الطائفة الشيعية نظراً إلى كثرة تحضيرها في عاشوراء. أما «البقلاوة» فهي للطائفة السنية نظراً إلى شهرتها التاريخية في تحضيرها، و«المتّة» للطائفة الدرزية، رغم وجود الكثير من المحبين لـ«المتّة» من الطوائف الأخرى.
تطبيق تعارف لبناني يطبِّع آفة الطائفية
لا يتوقف التطبيق عند هذا الحد، بل يطالب بتحديد انتمائك السياسي لكل من يريد إنشاء صفحة، ولا يمكنك تجاهل هذا الخيار، بل هو أمر مفروض للدخول إلى التطبيق. كل تلك المعلومات تُجمع لوضعها في الصفحة الشخصية ليتمكن الشاب أو الفتاة من معرفة هذه التفاصيل التي لا يُفترض أن تكون مهمة في الحياة الطبيعية. وحالما تنتهي من تعبئة بياناتك الشخصية وكل ما ذكر سابقاً، تبدأ البيانات بالظهور على صفحتك الشخصية بالشكل الآتي: «علي بنجك، من إخوانا الشيعة…».
يعمل أصحاب هذا التطبيق على الترويج له عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبر الفكرة نفسها وهي على سبيل المثال: «زينب فتاة شيعية مع الحزب، من الجنوب، تبحث عن شاب من الطائفة والانتماء السياسي، نفسيهما إن كنت مهتماً بالبحث عن شريك لك، نزّل التطبيق لمعرفة المزيد».
يرى الاختصاصي في علم السياسة أياد سكرية أنّ هذا النوع من التطبيقات خطير، إذ إنّه كفيل بتكريس الشقاق بين اللبنانيين، وضرب فكرة العيش المشترك. ويضيف «مَن قال إن الهريسة لا يحبها إلا الشيعة، وحلاوة الجبن لا يأكلها إلا السنّة» معتبراً أنّ هذا الأمر هو عملية لخرق خصوصية الشباب من الجيل الجديد، واستدراج نحو الـ«نيو طائفية».
وبعيداً من الأمور العقائدية والأيديولوجية والسياسية، يرى بأنّ طرح هذا النوع من الأسئلة هو إساءة للعيش المشترك، معتبراً أنّه حان الوقت للمجلس النيابي كي يضع قوانين «تحمينا من هذه الأمور، بعدما تحولت بعض جوانب وسائل التواصل الاجتماعي إلى حالة من الفوضى، في الوقت الذي يضع فيه الغرب قوانين تلزم مستخدمي السوشال ميديا، بينما تعم الفوضى المنصات في لبنان، بدايةً بالانحدار الأخلاقي وصولاً إلى التعرض والإساءة للوحدة الوطنية».
بالنظر إلى هذا النوع من البرامج الذي ينشأ أساساً لكسب المال عبر دفع المستخدمين مقابل الوصول للمزيد من الأشخاص، يعتبر سكرية استغلال الطائفية فيه أمراً من اثنين: إما لفضح الهوية الرقمية لعامة الشعب أمام الأطماع الخارجية لاستغلالها، أو من أجل رفع حدة العنصرية والمذهبية بين الناس.




