تفجير كنيسة مار إلياس: قصور الأجهزة الأمنية

تفجير كنيسة مار إلياس: قصور الأجهزة الأمنية
منهل باريش
كشف تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، مساء الأحد الماضي، عن هشاشة البنية الأمنية للإدارة السورية الجديدة، وعن ارتباك واضح في التعاطي مع الأزمة. فقد سارعت السلطات إلى نسب العملية إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” من دون تقديم أدلة كافية في البداية، ما أثار تساؤلات حول مصداقية الرواية الرسمية.
وأظهرت إدارة مسرح الجريمة ضعفاً في الخبرة الجنائية، إذ سُمح لعشرات الصحافيين وأفراد الدفاع المدني والأهالي بدخول الكنيسة، في خرق واضح لإجراءات حفظ الأدلة. كما تحول الموقع إلى منصة لقاءات رمزية لرجال دين ومسؤولين سوريين توافدوا للمعاينة والتضامن، في مشهد بدا أقرب إلى العرض السياسي منه إلى التحقيق المهني.
الأكثر إثارة للقلق كان قرار تنظيف الكنيسة وإزالة الحطام بعد ساعات قليلة من التفجير، وهو ما يعكس إهمالاً في التعامل مع الأدلة المادية الحاسمة. هذا الإخفاق ليس مجرد عثرة إجرائية، بل هو مؤشر على تحديات أعمق تواجه الجهاز الأمني السوري، من نقص الكوادر المؤهلة وغياب التنظيم المؤسسي.
في سياق منفصل، أصدرت وزارة الخارجية السورية بيان تعزية وتضامن حول التفجير عوضاً عن رئاسة الجمهورية التي تأخرت في إصدار بيانها إلى ظهر اليوم التالي، وكحال أغلب البيانات الرسمية، تجنبت الترحم على قتلى التفجير الأليم أو وصفهم بالشهداء. وهو ما فتح سجالاً جديداً بين الموالين للإدارة وداعميها وبين منتقديها. إلا أن السلطات السورية فشلت في أن تجد مخرجاً لقضية القتلى المصلين في الكنيسة الدمشقية.
الرواية الرسمية
الثلاثاء الماضي، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي، إن قوات الأمن السورية التابعة لوزارة الداخلية، وبمشاركة جهاز الاستخبارات، نفذت عملية أمنية في عدة مناطق بريف دمشق، استهدفت من خلالها مواقع الخلية الإرهابية التي نفذت عملية تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق العاصمة، مساء الأحد الماضي.
وأوضح المتحدث أن أحد أعضاء الخلية، ممن أُلقي القبض عليهم، أدلى خلال التحقيقات بمعلومات عن باقي أعضاء الخلية وأماكن تواجدهم وأوكارهم، ما أسهم في تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية اللاحقة التي مكّنت قوات الأمن من إلقاء القبض على جميع المتورطين، ومصادرة أسلحتهم والمتفجرات التي بحوزتهم.
وأشار البابا إلى أن الخلية المتهمة بالتفجير تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي، ولا تمت بصلة إلى أي جهة دعوية إسلامية، لافتاً إلى أن أعضاء الخلية قدموا من مخيم الهول. وأكد أن وزارة الداخلية تعمل على مسارات أمنية واجتماعية متوازية، لمواجهة محاولات خلايا “داعش” لزعزعة الأمن والاستقرار المحلي، وضرب السلم الأهلي في سوريا.
وحول زعيم الخلية، قال البابا إن محمد عبد الإله الجميلي، الملقب بـ”أبو عماد الجميلي”، من منطقة الحجر الأسود بريف دمشق، ويعرف بأنه “والي الصحراء” خلال وجود وانتشار تنظيم “داعش”. وأضاف المتحدث أن عملية الكشف عن الخلية تمت في وقت قياسي عبر “تقاطع معلومات المصادر الميدانية مع الأدلة التقنية المتوفرة، ومن خلالها تم تحديد هوية مشتبه به، هو من أوصل الانتحاري الأول إلى الكنيسة، ثم تحديد مكان وجوده، على إثر ذلك، توجهت قوات المهام الخاصة لتوقيفه، وخلال ذلك تبين وجود شخص آخر معه، فحصل اشتباك ناري أدى إلى تحييد سائق الدراجة النارية، وإصابة الشخص الثاني. كما تبين أن السائق هو الذي أوصل الانتحاري الأول إلى الكنيسة، وكان بصدد إيصال انتحاري ثانٍ إلى مقام السيدة زينب”.
وكانت وزارة الصحة في الحكومة السورية قد أعلنت عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة 59 آخرين في تفجير نفذه “إرهابي” داخل كنيسة مار إلياس في الدويلعة مساء الأحد، خلال إقامة أكثر من 200 شخص صلاتهم في الكنيسة. وحسب أحد شهود العيان، فإن شخصاً دخل إلى الكنيسة وبدأ بإطلاق النار بشكل عشوائي، وعند محاولة الحضور إيقافه ومواجهته، فجر حزاماً ناسفاً كان يرتديه، ما تسبب في مقتل أكثر من 15 شخصاً على الفور وإصابة عدد كبير من المصلين في الكنيسة.
بدورها، عقب التفجير، قالت وزارة الداخلية السورية في بيان لها إن “انتحارياً يتبع تنظيم داعش، دخل إلى كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، وبدأ بإطلاق النار، ثم فجر نفسه بواسطة سترة ناسفة”.
وتبع بيان الداخلية بيان آخر على لسان وزير الداخلية، أنس خطاب، قال فيه إن “الأعمال الإرهابية لن تثني جهود الدولة في تحقيق وإرساء السلم الأهلي، ولن تثني السوريين عن خيارهم في وحدة الصف في مواجهة كل من يسعى إلى العبث باستقرارهم وأمنهم”.
“سرايا أنصار السنة” والرواية الموازية
بموازاة ذلك، وعقب بيانات الحكومة السورية المشيرة إلى أن تنظيم “الدولة” يقف خلف التفجير، تبنى تنظيم “سرايا أنصار السنة” التفجير عبر بيان نشره على معرفه في “تلغرام”، وجاء في البيان أن التنظيم استهدف مار إلياس عقب استفزاز مما وصفهم البيان بـ “نصارى دمشق”، في “حق الدعوة وأهل الملة، استفزازاً جاوز التلميح إلى التصريح، وتعدى الهزل إلى الجد، حيث تطاولوا فيه على أصول الدعوة”. وحسب بيان “السرايا”، فإن منفذ التفجير هو محمد زين العابدين أبو عثمان، لكن البيان لم ينشر صورة للمهاجم أو يذكر هويته، إضافة إلى أنه من غير المعروف إذا كان الاسم حقيقياً أم حركياً، كما هي عادة التنظيمات الجهادية التي تستخدم ألقاباً مستعارة.
الجدير بالذكر أن تنظيم “سرايا أنصار السنة” بدأ بالظهور بداية شباط (فبراير) الماضي، من خلال بيانات وإصدارات يبثها على قناة تعرف باسمه على “تلغرام”، حيث بدأ التنظيم بنشر بياناته المتوعدة للطائفة العلوية في مناطقها في سوريا بالقتل والاستهداف، تزامناً مع أحداث الساحل السوري. في آذار (مارس) الماضي، تبنى التنظيم عمليات قتل استهدفت مدنيين سوريين من الطائفة العلوية، كما حملت بياناته تهديداً ووعيداً لطائفة الموحدين الدروز، مع اتهامات لرئيس الفترة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع بالعمالة والخيانة.
وكان “سرايا أنصار السنة” قد تبنى خلال شهر رمضان 25 عملية، منها قتل وحرق وتخريب بحق أشخاص ينتمون إلى الطائفة العلوية في الساحل السوري. وتبنى الثلاثاء، خطف وقتل المهندس محمود غصة، ووصف، على حسابه على “تلغرام”، القتيل بأنه “مرتد” وينتمي إلى “الطائفة المرشدية المستهدفة”، حسب “السرايا”.
اللافت في إعلام “أنصار السنة” أنه لا يتوقف عن السخرية من الرئيس الشرع، الذي ما زال يصفه بلقبه القديم “الجولاني”، وهو بخلاف الخطاب المعتاد للجماعات الجهادية، إضافة إلى مشاركة أخبار من مصادر إخبارية عديمة الموثوقية. وفوق ذلك، فإن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة البيانات والفتاوى واضح.
ويتزعم التنظيم، حسب ما تورده قناته على “تلغرام”، شخص يُدعى “أبو عائشة الشامي”، ويتولى زعامة الجانب الشرعي فيه “أبو الفتح الشامي”، كما تدعو القناة، المنشأة نهاية كانون الثاني (يناير)، الراغبين في الانتساب إلى التنظيم إلى مراسلتهم عبر “تلغرام”.
تحديات أمنية
تواجه المؤسسة الأمنية السورية تحديات كثيرة، تتراوح بين فلول النظام السابق، وخلايا إيران، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، وعناصر متشددين سابقين من هيئة “تحرير الشام” القادرين على تجميع أنفسهم في تنظيمات جهادية صغيرة معادية لتوجهات قيادتهم السابقة (القيادة السورية الجديدة).
ورغم محاولات هيكلة الإدارات الأمنية في وزارة الداخلية والاستخبارات العامة، فإن نقص الكوادر والخبرة والتنظيم يهدد بنية المؤسسة الأمنية وفاعليتها، كما أن الانغلاق على الذات لا يكفي لبناء مؤسسة أمنية ذات كفاءة. هنا، يتعين على الإدارة الأمنية الانفتاح على أصحاب الاختصاص من السوريين والاستعانة بالمنشقين بشكل عاجل، وتوظيف الكوادر التقنية والهندسية والمتخصصين في أمن المعلومات والاتصالات من السوريين. كما ينبغي الاستعانة بالدول العربية الصديقة وتركيا لبناء جهاز أمني وتدريب الكوادر وابتعاثها إلى الأكاديميات الأمنية في دول الجوار، وتفعيل أكاديمية العلوم الأمنية السورية التي أنشأها النظام سابقاً في جوار إدارة المخابرات العامة في كفرسوسة بدمشق، وضم عشرات الضباط المهندسين العسكريين إلى القطاعات حسب الاختصاص.
كما أن التعاون الرسمي والمباشر مع “التحالف الدولي لمحاربة داعش” وتنسيق الجهود معه سيخفف من أخطار تنظيم “الدولة”، الذي هجر البادية وأصبحت المدن مركز نشاطه، كما هو واضح من الخلايا المتحركة في جنوب دمشق. وتشير التفاصيل التي بثها الإعلام الرسمي إلى أن عناصر التنظيم، على قلتهم، قادرون على رسم خطط تفجيرات متتالية ومركبة تستهدف حتى شخص الرئيس نفسه.



