مقالات

تفعيل العقل العربي في قراءة الحراك الشعبي في الوطن العربي بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق-

بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق-

تفعيل العقل العربي في قراءة الحراك الشعبي في الوطن العربي
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق-
“إننا نقتُل أنفسنا عندما نُضَيق خياراتنا”
نيلسون مانديلا
تستهدي هذه القراءة بما تمخض عن الحراك الشعبي في أكثر من قطر عربي بما قاله رفاعة الطهطاوي في شذراته التي انتقاها من الفكر الليبرالي الفرنسي,وترجمها إلى العربية حول الشروط المطلوبة لقراءة هذه الشذرات قراءة صحيحة,وفحواها أن قراءة ظاهرة الحراك الشعبي الذي تم في أكثر من بلد عربي قراءة منهجية لابد من توفر شروطها اللازمة حتى نتمكن من وضع المعاني الصحيحة على هذه الظاهرة,فالغاية من القراءة دائما حسن تشخيص الظاهرة وإطلاق الأسئلة حولها تمهيداً لتحليلها, ومن ثم تفسيرها,وتسميتها بأسمائها الحقيقية التي يستعملها الناس في حياتهم اليومية. نبدأ ذلك من خلال يقيننا بأن ماتمخض عن الحراك الشعبي في بعض الأقطار العربية يطرح مباشرة,ووجها لوجه الإشكالية التي أفرزها الحوار. والمعروف للمشتغلين بالعلوم الاجتماعية أن الإشكالية تنطوي على تناقض,وهذا معناه أنها تطرح سؤالها أين يكمن التناقض في عالم الحراك الشعبي,وماهي عناصره, ومفرداته,ومكوناته؟ سؤال الإشكالية يريد أن يعرف من خلال التبصر في خارطة القوى الاجتماعية التي شاركت في الحراك,وتلك التي ناهضته  السقف الوطني لهذه القوى,إذا جاز هذا التعبير, وولااءاتها ،والنهاية التي تنهي فيه صراعاتها, ماهي وجهته,والكيفية التي يدار بها التناقض.؟ وبداية لابد من الاعتراف أن هذا الحراك استوعبنا,وأخذنا بشحناته العاطفية,بعد انتظارطويل دام عقود عدة لم نشعر خلالها أننا نعيش في أوطان تجتمع كل قواه ومكوناته الاجتماعية حول مائدة المساواة,والعدل الاجتماعي,والحرية بكل معانيها ومضامينها,وإنما كنا نعيش في أوطان تحولت إلى مزارع للحاكم وأجهزته,وأهل عصبيته,على حد قول ابن خلدون. نقول أخذ الحراك في نفوسنا المكان والمكانةالتي لم تكن بالحسبان,ومشاهده لم تكن حاضرة في وعينا واستشراف من كان يرصد العوامل المسببة له.ولاشك أن الأخذ التي قامت به شحنات الحراك العاطفية,حيدت العقل وفعله والتزامه بدوره في قراءة الحراك, ومعرفة ردود الفعل التي ستساكنه,وماتمليه من تدخل خارجي إقليمي ودولي وما سيتأتى عن ذلك من أحداث وظواهر ستتعين تدريجيا داخل البناء الاجتماعي المحلي والوطني والقومي,وخاصة الأقطار التي شهدت هذا الحراك,والكيفية التي ستفرض ملامحها ومعالمها على الشخصية الاجتماعية لهذا القطر وذاك غداة,ربيع تونس, أصبحت في صفوف هؤلاء الذين أٌخذوا بشحنات العاطفة المرسلة والآتية إلينا من كل جهات الحراك الشعبي, الذي تم في الشارع العربي,ومايطرحه وينادي به من مطالب مشروعة,وآمال لابد أن تتحقق,الأمر الذي غيب استعمال العقل في سؤاله عن سقف هذا الحراك, وردود فعل الأنظمة العربية عليه,ثم ما العمل؟ غير أني انصرفت إلى استشراف دور الشباب العربي في هذا الحراك,وماهو مكانه ومكانته فيه وكتبت الدراسة تلو الدراسة عما يمكن أن يلعبه الشباب في الحراك الشعبي المدني,ونبهت آنذاك إلى عملية خلط الأوراق التي تقوم بها جهات عدة لها مصلحة في صرف الحراك عن مهامه,وسوقه إلى مواقعها ,بحيث تسميه بالأسماء التي تريدها, وتضعف دوره المستقبلي,وظفره بمطالبه المشروعة في الحرية والكرامة.ونشرت هذه الدراسات في أكثر من موقع.
والملاحظ أن الحراك الشعبي يفتقر إلى القيادة القادرة على التقدم به خطوة إلى الأمام,وخطوة إلى الوراء,وإلى القوى الشعبية المنظمة,والمستندة إلى دليل عمل. ودهشت في لحظة الصدام التي جرت في ليبيا من عنفه وعواقبه,ونظرت فورا إلى خارطة المجتمع الليبية الاجتماعية لأتابع فيها الولاءات,والكيفية التي ستسوق فيها الانتماءات وفق عصبياتها الانقسامية,ومردودها على بنية الجيش الليبي,وما ستؤدي إليه من نزاعات وحروب فصائلية جهوية مرة,وقبلية عشائرية,ودينية مرة أخرى. وفي نقاشي أينما كنت أنبه إلى مخاطر عسكرة الحراك الشعبي,سواء من قبل الأنظمة, أومن قبل الفصائل المنشقة عن الجيش,لأنه مع الزمن سيطيح بالحراك الشعبي ,وسيفقده نقاط استناده الشعبية,وشرعيتها المدنية. وكان المطلوب منا,أقصد القطاع الجدي من أبناء الأمة العربية,أن نتجاوز صدى الشحنات العاطفية,وأن نستعيد عقلنا ونفعله في قراءة مستقبلية للأحداث الحبلى بوقائع خطرة على الأمن الوطني والقومي,وحتى على وجودنا,وأن نصفي حسابنا مع الذهنية التي سيطرت على كثرة من الفئات الشعبية إثر ردود فعل الأنظمة العسكرية على الحراك الشعبي ومطالبه يوم أقدمت على استخدام السلاح مدفوعة بالخوف على مصالحها,وعلى ماجنته من أموال لأنها كانت تحكم بعقلية مالك المزرعة,وليس بعقلية الحاكم ابن الشعب الذي لايساوم على أمن وطنه.
أن قراءة متأنيةلوقائع الأحداث,يوم أنزلت الأنظمة الجيش ليكون أداتها في القضاء على الإرادة الشعبية بقوة السلاح, لنتلمس الظاهر والباطن في هذا الاستعمال غير المسبوق في وحشيته وإجراءاته القمعية,ولنعرف أيضا الكيفية التي ستمضي بها القوى الشعبية التي انقسمت قواها وتجزأت في الرد على هذا الاستعمال. ولعمري فقد كان لزاما علينا أن نتوقع النتائج في مجتمع أشهرت بعض قواه أجندتها الدينية,والأخرى أشهرت جهويتها وقبليتها ومذهبيتها,وبعضها رفع رايات الدولة الإسلامية,فأدى هذا الإشهار إلى تفكك عصبية المجتمع,وإلى تفكك اللحمة الوطنية,حتى صار المطلوب من قبل هذه المجموعة وذلك الفصيل أن تستدعي الدول الاقليمية والدولية ضاربة بعرض الحائط أمن الوطن وسلامته,وناسية مافعلته بعض الدول الاقليمية في العراق يوم ناصرت الامبريالية الأمريكية في عدوانها على العراق,وساعدت من أحضرته الدبابات الأمريكية على ظهرها من عملاء, وما فعلوا في العراق تخريبا وتفكيكا ومذهبية وفساداما عجزت عنه الصهيونية العالمية.
ولاشك أن تصاعد الصدام بين النظام السياسي العربي في أقطار بعينها,وبين القوى الشعبية,وما خالطهامن قوى الردة, والشعوبية,والإرهابية ومردوده على الأمن الوطني والقومي يملي علينا استعادة المقدمات التي تمكننا من تحرير عقلنا بأعلى مستويات الوطنية,والنظر إلى الواقعات السياسية والعسكرية بعين مستقبلية,مسكونة بهموم الوطن وأمنه وسلامته الوطنية,والبحث عن مخارج لهذا الصراع في إطار الوحدة الوطنية,وإرادة التغيير التي تلبي مطالب الشعب في الحرية,والعدل الاجتماعي القائم على أساس مبدأ المواطنة بكل محدداته الثقافية,وأولها المساواة بين أبنا ءالوطن ,والرأي والرأي الآخر ..إلخ.
إذا؛وفي هذا السياق من المقدمات لابد من مراجعة مسؤولة للشعارات والمطالب على ضوء المخاطر التي تهدد الأمن الوطني والقومي,وأن تترافق المراجعة مع أطروحة تقول إن الخطوة إلى الوراء في سياق حوار مسؤول يساكن الوحدة الوطنية,ويعرض عن الدعوات التقسيمية هي خطوة إلى الأمام,ولنا في تاريخنا العربي والعالمي الدروس المستفادة آخرها المصالحة التي تمت في كولومبيا بعد حرب دامت عقود عدة بين الحكومة والثوار,ومن قبل بين ماوتسي تونغ وصان بات صن,وبين ثوار فيتنام والامبريالية الأمريكية التي دمرت القاعدة التحتية الفيتنامية بكاملها وعلى بساطتها, وقتلت الآلاف المؤلفة من الشعب الفيتنامي. إن أكثر من قطر عربي صار أمام مضرب النار بحكم حقائق الصراع,بين الأنظمة من جهة,والمنظمات الإرهابية,والفصائل الانقسامية عجمية التكوين والأهداف,الذي يؤذن مع الزمن بتأسيس شرعيات جهوية وعشائرية ومذهبيةوفصائلية. والخلاصة ليس كل خطوة إلى الوراء تصب في مصلحة القوى المعادية للسلم الوطني والاجتماعي,وإنما هي في حقائقها خطوة إلى الأمام.
وحسبي القول إن متابعة النضال من أجل الحرية ,وأن يأخذ الشعب العربي دوره في بناء أمته أصبح من المهام النضالية غير المؤجلة في تصحيح مسارات الحراك المجتمعي ووضعه على طريق بناء المستقبل العربي الوحدوي . نقول أصبح هذا النضال مهمة وطنية وقومية لا تقبل التأجيل,وهل من يدلنا على تلاق ووحدة بين القوى القومية الوحدية في طول الوطن العربي وعرضه,فهي الجدار القومي التي تتكسر عليه قوى الردة والتزوير,والمنظمات الإرهابية صنيعة الامبريالية العالمية,ومن في حكمها؟
لايجوز أن نحرق أوطاننا ونحن نغادرها. ونتركها للمغتصب.قال لي صديقي مابال هؤلاء يزايدون على من اعتقل وعاش سوءات اللجوء ,ولازال يعاني من دفع الغرم وهم يقفزون من منصب إلى آخر ويتغنون بنعم السلطان.فالمخاطر التي تهدد الأوطان لم تقبل المزايدة,بل تعتبرها تصب في عدوانية الغرب على الأمة العربية.
د-عزالدين حسن الدياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب