مقالات

جنوب لبنان تحت النار: هل أسقطت إسرائيل اتفاق الإطار؟..

جنوب لبنان تحت النار: هل أسقطت إسرائيل اتفاق
الإطار؟..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

لم يعد ما يجري في جنوب لبنان مجرد خرق عابر لوقف
إطلاق النار أو عملية عسكرية محدودة ضد مواقع لحزب
الله، بل بات يطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمصير الاتفاقات التي
ترعاها الولايات المتحدة، وبمدى قدرة المجتمع الدولي على
إلزام إسرائيل باحترام ما يتم التوصل إليه من تفاهمات.
ففي الأيام الأخيرة، كثّفت القوات الإسرائيلية عملياتها
العسكرية في جنوب لبنان، ولا سيما في منطقة علي
الطاهر، حيث أعلنت أنها دمّرت بنى تحتية تحت الأرض
وأنفاقاً تقول إنها تابعة لحزب الله، قبل أن تعلن استكمال
سيطرتها على ما تسميه «المنطقة الأمنية» في الجنوب.
كما أكدت القيادة الإسرائيلية أن قواتها ستبقى في مواقعها
لمراقبة تحركات حزب الله، وهو ما يثير علامات استفهام
جدية حول مستقبل أي اتفاق يفترض أن يقود إلى انسحاب
القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
والأخطر من ذلك أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تأتي في
ظل اتفاق إطار رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل،
يقوم، وفق ما أعلن عنه، على خطوات متبادلة تمهّد
لانسحاب إسرائيلي تدريجي، مقابل تولي الجيش اللبناني
مسؤولية المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية
وضمان خلوها من السلاح والبنية العسكرية لحزب الله. وقد

طُرحت بالفعل فكرة البدء بمناطق «تجريبية» أو «رائدة»
تمهيداً لتوسيع الانسحاب.
لكن ما يحدث على الأرض يبدو في الاتجاه المعاكس.
فبدلاً من الانسحاب، تعلن إسرائيل تثبيت وجودها العسكري
وتوسيع نطاق سيطرتها، وتربط إنهاء احتلالها للمنطقة
بنزع سلاح حزب الله بالكامل. وبذلك يتحول الاتفاق، من
وجهة النظر اللبنانية، إلى مسار مشروط من طرف واحد:
على لبنان أن ينفذ التزاماته، بينما تحتفظ إسرائيل بحقها
في تحديد متى تنسحب ومتى تواصل عملياتها العسكرية.
وفي المقابل، يبدو أن حزب الله يتعامل مع وقف إطلاق النار
بحذر شديد، مفضلاً عدم إعطاء إسرائيل ذريعة لتحميله
مسؤولية انهيار المسار التفاوضي. فالحزب، حتى في ظل
قناعته بأن إسرائيل قد لا تلتزم بما يتم الاتفاق عليه، يدرك
أن أي مواجهة واسعة في هذه المرحلة قد تستخدم لتبرير
المزيد من العمليات الإسرائيلية ضد لبنان.
أما الحكومة اللبنانية، فقد اختارت الرهان على الوساطة
الأميركية، أملاً في أن تستخدم واشنطن نفوذها للضغط على
إسرائيل من أجل احترام الاتفاق والبدء بانسحاب قواتها من
الأراضي اللبنانية، ولا سيما عبر المناطق التجريبية التي
يفترض أن تشكل الخطوة الأولى في تنفيذ التفاهمات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما قيمة الاتفاقات
إذا كانت لا تُنفذ إلا من طرف واحد؟
إن استمرار القصف وتدمير المنشآت والأنفاق، وتثبيت
الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، يضع
المسار التفاوضي برمته أمام اختبار حقيقي. فليس منطقياً
أن يُطلب من لبنان الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض،
بينما تتغير الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية كل يوم.
والأكثر إثارة للقلق أن الأمر لا يتعلق فقط بالبنية العسكرية
لحزب الله، بل بتداعيات هذه العمليات على السكان المدنيين
وعلى سيادة الدولة اللبنانية. فقد شهد الجنوب خلال الأيام
الماضية ضربات إسرائيلية أوقعت قتلى وجرحى، بينهم
مدنيون وأطفال، في ظل استمرار التوتر رغم اتفاق وقف
إطلاق النار.
وهنا يعود السؤال القديم الجديد: متى يصبح القانون الدولي
ملزماً للجميع؟..
لا يمكن أن تكون سيادة الدول مبدأً قابلاً للتطبيق على دول
وتعليقه عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. ولا يمكن أن تصبح
الأراضي اللبنانية مباحة أمام القصف والتدمير والاحتلال،
ثم يُطلب من لبنان وحده أن يثبت حسن نيته وأن يلتزم
بالاتفاقات.

إن استمرار إسرائيل في فرض الأمر الواقع بالقوة يهدد
ليس فقط لبنان، وإنما فكرة التسوية نفسها. فإذا كانت
الدولة الأقوى عسكرياً تستطيع أن تغيّر شروط الاتفاق بعد
توقيعه، وأن تستولي على أراضٍ جديدة ثم تجعل الانسحاب
منها رهناً بشروط إضافية، فما الذي يبقى من معنى
الوساطة والاتفاقات والضمانات الدولية؟
لقد راهنت الحكومة اللبنانية على الولايات المتحدة
باعتبارها الراعي والقادر على ممارسة الضغط على
إسرائيل. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو واشنطن
أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة: فإما أن يكون
اتفاق الإطار خطوة حقيقية نحو وقف الحرب وانسحاب
القوات الإسرائيلية، وإما أن يتحول إلى مجرد غطاء
دبلوماسي لاستمرار فرض الوقائع العسكرية على الأرض.
أما لبنان، الذي أنهكته الحروب والأزمات، فلا يحتاج إلى
حرب جديدة، ولا إلى احتلال جديد، ولا إلى اتفاق يبقى حبراً
على ورق.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة من المجتمع الدولي، ومن
الولايات المتحدة خصوصاً:
إلى متى ستبقى إسرائيل قادرة على تدمير الأراضي اللبنانية
وتهجير سكانها والاستيلاء على أجزاء منها وقتل المدنيين،

من دون أن تواجه إلزاماً حقيقياً باحترام القانون الدولي
والاتفاقات التي وافقت عليها؟..
فإذا كان العالم يريد فعلاً حماية السلام في المنطقة، فإن
البداية يجب أن تكون واضحة: لا سلام حقيقياً مع استمرار
الاحتلال، ولا اتفاق قابلاً للحياة إذا لم يكن ملزماً لجميع
أطرافه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب