فلسطين
حاجز عناب.. حين يصبح الطريق إلى العمل محفوفاً بالموت
حاجز عناب.. حين يصبح الطريق إلى العمل محفوفاً بالموت
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

لم يكن النقيب رأفت خيري أحمد أبو خليل، المعروف بين أهله وأصدقائه بـ«أبو شمس»، يتجه إلى معركة أو مواجهة؛ كان في طريقه إلى عمله في هيئة التدريب العسكري بمدينة أريحا، حين انتهى به الطريق عند حاجز عناب العسكري شرق طولكرم. هناك، وبين إجراءات الاحتجاز والتوتر، تعرض لعارض صحي حاد، قبل أن تتوقف دقات قلبه ويفارق الحياة.
وهكذا عاد حاجز عناب ليضع أمام الرأي العام الفلسطيني والإنساني سؤالاً يتجاوز حادثة فردية: إلى متى يبقى الطريق الذي يسلكه العامل والموظف والمريض والطالب طريقاً محفوفاً بالانتظار والقلق والخطر؟
وبحسب الهلال الأحمر الفلسطيني، فقد تلقت طواقمه بلاغاً عن حالة حرجة لمواطن على الحاجز، وعند وصولها وجدته في حالة إنعاش قلبي رئوي إثر توقف قلبه، قبل أن تعلن وفاته، ونُقل جثمانه إلى مستشفى الشهيد ثابت ثابت الحكومي في طولكرم. وأكدت المصادر أنه يبلغ 45 عاماً ويعمل برتبة نقيب في هيئة التدريب العسكري.

وأفادت مصادر محلية بأن أبو شمس تعرض للاعتداء أثناء احتجازه على الحاجز. ومن المسؤولية الصحفية والقانونية أن تبقى هذه الرواية منسوبة إلى مصادرها إلى حين اكتمال أي تحقيق طبي أو حقوقي مستقل يحدد بدقة ظروف الوفاة والعلاقة بين الأحداث التي سبقتها والعارض الصحي الذي أدى إلى توقف القلب.
أبو شمس.. سيرة رجل قبل أن يكون رقماً في خبر
وفي عتيل، لم يكن رحيل رأفت أبو خليل مجرد خبر عابر. فقد عرفه أبناء بلدته وأصدقاؤه ومحبوه رجلاً صاحب سيرة حسنة، وأخلاق رفيعة، وحضور اجتماعي ترك أثراً طيباً في نفوس من عرفوه.
وتحدث أبناء البلدة وأصدقاؤه عن رجل عُرف بحسن المعاملة والاحترام والالتزام، وعن شخصية جمعت بين الانضباط الذي تفرضه طبيعة عمله في هيئة التدريب العسكري وبين العلاقات الإنسانية التي نسجها مع زملائه وأصدقائه.
وفي هيئة التدريب العسكري، ترك الفقيد، بحسب رفاقه ومحبيه، صورة الموظف المنضبط والإنسان القريب من زملائه، ليبقى اسمه في ذاكرة من عملوا معه مرتبطاً بالأخلاق وحسن السيرة والعلاقات الطيبة.
ولذلك فإن رثاء أبو شمس لا ينبغي أن يختزل في رتبة عسكرية أو رقم في سجل الضحايا؛ فخلف كل اسم عائلة وأصدقاء ورفاق عمل وبلدة كاملة تستعيد ذكريات إنسان عاش بينهم وترك أثراً.
الحواجز وحق الإنسان في الوصول إلى العلاج
تأتي وفاة أبو شمس في وقت تتزايد فيه القيود على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية. فقد وثقت الأمم المتحدة مئات العوائق التي تعرقل حركة الفلسطينيين، بما في ذلك الحواجز والبوابات والإغلاقات، وتؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والخدمات الأساسية والرعاية الصحية. كما أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن القيود على الحركة تلحق أضراراً خطيرة بالمدنيين، وأن سيارات الإسعاف قد تتعرض للتأخير لساعات عند الحواجز والطرق المغلقة.
وهنا تبرز المسألة القانونية بوضوح. فالقانون الدولي الإنساني لا ينظر إلى المدنيين باعتبارهم مجرد أرقام في مناطق النزاع، بل يفرض حماية للأشخاص المحميين، ويلزم القوة القائمة بالاحتلال بمعاملة السكان معاملة إنسانية وحمايتهم من أعمال العنف، مع ضرورة المحافظة على الحياة المدنية وتيسير الوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما أن القواعد المتعلقة بالعمل الإنساني تؤكد ضرورة السماح بوصول المساعدات والعاملين في المجال الإنساني بصورة سريعة ودون عوائق غير مبررة، ولا سيما عندما تكون حياة الإنسان مهددة.
ومن هنا فإن قضية الحواجز ليست قضية تنقل فقط؛ إنها قضية حق في الحياة والصحة والعمل والتعليم والوصول إلى الخدمات الطبية.
المطلوب.. توثيق لا يترك الحقيقة رهينة للروايات
إن وفاة النقيب رأفت أبو شمس تستوجب توثيقاً مهنياً دقيقاً لظروف احتجازه، وما جرى معه، والوقت الذي بدأ فيه تدهور حالته الصحية، والإجراءات التي اتخذت لإنقاذ حياته، وصولاً إلى التقرير الطبي النهائي.
فالعدالة تبدأ من الحقيقة، والحقيقة تحتاج إلى توثيق مستقل لا إلى روايات متضاربة.
ويبقى السؤال الأوسع: كم من فلسطيني اضطر إلى الانتظار على حاجز وهو مريض؟ وكم من سيارة إسعاف تأخرت؟ وكم من عامل وصل متأخراً إلى عمله؟ وكم من طالب أو مريض أو أسرة تحولت رحلتها اليومية إلى معاناة بسبب الإغلاقات والحواجز؟
لقد وثقت الأمم المتحدة في الضفة الغربية 925 عائقاً للحركة حتى نهاية عام 2025، تؤثر في حركة ملايين الفلسطينيين وتعرقل وصولهم إلى أماكن العمل والخدمات.
رحم الله النقيب رأفت أبو شمس، وألهم عائلته وأبناء عتيل وزملاءه في هيئة التدريب العسكري الصبر والسلوان.
لقد شيّعت عتيل أحد أبنائها، لكن سيرته الحسنة ستبقى بين أهله وأصدقائه ورفاقه. أما قضية الحواجز، فهي أوسع من حادثة واحدة؛ إنها ملف إنساني وقانوني يتطلب توثيقاً ومساءلة واحتراماً لكرامة الإنسان وحقه في الوصول إلى العلاج والعمل والحياة بأمان.



