تحقيقات وتقارير

حرب إيران تتحول إلى عبء اقتصادي وسياسي متصاعد داخل واشنطن وسط انقسام وتشكيك في الكلفة والأهداف

حرب إيران تتحول إلى عبء اقتصادي وسياسي متصاعد داخل واشنطن وسط انقسام وتشكيك في الكلفة والأهداف

رائد صالحة

واشنطن : تؤكد تحليلات أمريكية مدعومة بتقديرات خبراء في الشأن الأمني وتقارير من الكونغرس، أن الحرب الجارية ضد إيران لم تعد مجرد مواجهة خارجية محدودة، بل تحوّلت إلى ملف ضاغط داخليًا على الإدارة الأمريكية، مع تصاعد الكلفة المالية، واتساع الانقسام السياسي، وتزايد الشكوك حول أهداف الحرب وإدارتها.
في الجانب الاقتصادي، تكشف تقديرات حديثة للباحث ستيفن سيمر من مركز السياسة الدولية أن الكلفة المباشرة للحرب بلغت نحو 71.8 مليار دولار خلال 60 يومًا فقط، بمتوسط يقارب 1.2 مليار دولار يوميًا. ويأتي هذا الرقم، بحسب التحليل، أعلى بنحو ثلاثة أضعاف من التقدير الرسمي الذي قدّمته وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» أمام الكونغرس، والبالغ 25 مليار دولار.
ويؤكد سيمر أن الفجوة الكبيرة بين الأرقام تعود إلى ما وصفه بـ«القصور المتعمّد أو البنيوي في احتساب الكلفة الحقيقية»، إذ تستثني التقديرات الرسمية عناصر أساسية مثل: استنزاف الذخائر، والأضرار في المعدات العسكرية، وكلفة الانتشار البحري والجوي، إضافة إلى الدعم العسكري غير المباشر المرتبط بالعمليات، بما في ذلك التمويل العسكري الخارجي المرتبط بالحرب.
وتشير تقارير أخرى إلى أن تقديرات داخلية في الإدارة الأمريكية رفعت الكلفة إلى نحو 50 مليار دولار، مع تسجيل خسائر كبيرة في المعدات، من بينها عشرات الطائرات المسيّرة المتطورة، وهو ما يعكس- بحسب الخبراء- سرعة استنزاف القدرات العسكرية في عمليات ممتدة.
في المقابل، لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى الأسواق الداخلية الأمريكية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة- وخاصة الوقود الذي يقترب من 4.50 دولار للغالون- إلى زيادة الضغوط التضخمية، مع توقعات بارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، ما ينعكس مباشرة على المزاج العام داخل الولايات المتحدة.
سياسيًا، يشير محللون أمريكيون إلى أن الحرب على إيران باتت عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل المزاج الانتخابي الأمريكي، إذ يربط مراقبون بين تصاعد الكلفة الاقتصادية وتراجع شعبية الإدارة، وبين احتمال فقدان السيطرة على الكونغرس في الانتخابات النصفية المقبلة، مع تزايد فرص فوز الديمقراطيين في مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد الخلافات داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية بشأن قانونية العمليات العسكرية واستمراريتها. فقد قدّم النائب الجمهوري توم باريت مشروع قانون «تفويض استخدام القوة العسكرية AUMF» يهدف إلى إعادة ضبط العمليات في إيران، عبر تحديد نطاقها الزمني والعملياتي، وإلزام الإدارة بإنهاء الحرب بحلول نهاية تموز/ايلول المقبل.
ويقترح المشروع السماح باستخدام القوة العسكرية فقط لتحقيق أهداف محددة، أبرزها: «تدمير البرنامج النووي الإيراني أو إضعافه»، والتعامل مع «التهديدات المباشرة»، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مع منع واضح للانخراط في عمليات برية طويلة أو احتلال أراضٍ أو «بناء دولة» داخل إيران.
ورغم أن باريت ينتمي للحزب الجمهوري، إلا أن طرحه يعكس- بحسب مراقبين في واشنطن- تراجعًا في هامش الدعم غير المشروط للحرب داخل الكونغرس، حتى بين بعض حلفاء الرئيس، في ظل تصاعد المخاوف من انزلاق الصراع إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
في المقابل، يذهب بعض الديمقراطيين إلى أبعد من ذلك، داعين إلى وقف العمليات العسكرية بالكامل، معتبرين أن الإدارة دخلت الحرب بدون تفويض واضح من الكونغرس، ومن دون وجود تهديد إيراني وشيك يبرر التصعيد. كما يبرز البعد القانوني كعامل إضافي في الجدل، حيث يشير بعض المشرعين إلى أن صلاحيات الرئيس بموجب قانون سلطات الحرب لعام 1973 قد تكون محدودة زمنيًا، ما يفرض ضرورة العودة إلى الكونغرس للحصول على تفويض جديد إذا استمرت العمليات.
وفي هذا السياق، يربط محللون بين التصعيد العسكري في إيران وبين سلسلة تداعيات أوسع، تشمل اضطراب أسواق الطاقة العالمية، واحتمالات إغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى مخاوف من أزمة غذاء عالمية نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد.
ويحذّر الكاتب روبرت رايش من أن استمرار الحرب من دون أهداف واضحة أو سقف زمني محدد لا يؤدي فقط إلى تعميق الكلفة الاقتصادية، بل يفاقم أيضًا من حالة عدم الاستقرار السياسي داخل الولايات المتحدة، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين البيت الأبيض والكونغرس، وبين الإدارة والرأي العام.
ويخلص رايش إلى أن الحرب على إيران باتت تمثل نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات ضاغطة: كلفة مالية متصاعدة تتجاوز التقديرات الرسمية، وضغط اقتصادي داخلي متزايد، وانقسام سياسي وتشريعي حول شرعية العمليات العسكرية واستمرارها. ومع غياب أفق سياسي واضح، تتحوّل المواجهة- بحسب التقدير- إلى عامل استنزاف طويل الأمد للسياسة الأمريكية داخليًا وخارجيًا.
وبموجب القانون، لا يجوز استمرار نشر القوات الأمريكية في أعمال قتالية خارج البلاد لأكثر من 60 يومًا بدون تفويض من الكونغرس أو إعلان حرب، مع إمكانية تمديد محدود في حال وجود «ضرورة عسكرية لا يمكن تجنبها». وقد التزمت الإدارة بواجب الإبلاغ خلال 48 ساعة من بدء العمليات، رغم الجدل حول مبرراتها.
لكن استمرار عملية «الغضب الأسطوري» أثار اعتراضات داخل الكونغرس، حيث واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث انتقادات حادة بعد قوله إن وقف إطلاق النار «يجمّد عدّاد الـ60 يومًا»، وهو تفسير اعتبره ديمقراطيون التفافًا على القانون وتحديًا لسلطة المشرّعين، بحسب السيناتور تيم كين.
ومع دخول الكونغرس في عطلة مؤقتة، يبقى الغموض قائمًا بشأن الخطوات المقبلة بعد فشل متكرر في التصويت على سحب القوات، رغم دعم جمهوري واسع لموقف الإدارة.
ويتزامن ذلك مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ما يجعل الملف العسكري عاملًا سياسيًا متزايد الأهمية، خصوصًا مع تراجع شعبية الإدارة في استطلاعات الرأي إلى 33 في المئة فقط بشأن تعاملها مع إيران مقابل 66 في المئة معارضة.
وفي الوقت نفسه، تمتد الحرب زمنيًا أبعد من التوقعات الأولية التي تحدثت عن 4 إلى 6 أسابيع، بينما تشير تقديرات البنتاغون إلى أن إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق حتى ستة أشهر، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية طويلة.
ويخلص المشهد إلى أن الحرب باتت تتداخل مع السياسة الداخلية والاقتصاد والانتخابات، في ظل غياب أفق واضح لإنهائها، ما يعيد إلى الواجهة تجربة أمريكية متكررة تؤكد أن الحروب تبدأ خارج الحدود لكنها سرعان ما تتحوّل إلى اختبار سياسي داخلي حاسم.

ـ «القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب