تحقيقات وتقارير

حرية الصحافة في المغرب: أزمة مهنة بين هشاشة الواقع وصراع الاستقلالية

حرية الصحافة في المغرب: أزمة مهنة بين هشاشة الواقع وصراع الاستقلالية

ماجدة أيت لكتاوي

الرباط ـ  في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير معه طبيعة صناعة الأخبار وتداول المعلومات، يعود النقاش حول واقع حرية الصحافة في المغرب إلى الواجهة، وسط تصاعد المخاوف من هشاشة القطاع وتراجع شروط الممارسة المهنية، مقابل اتساع الضغوط السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي تواجه الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.

القانون الجنائي وعودة المخاوف

وحذرت «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» من عودة متابعة الصحافيين أمام القضاء باستعمال مقتضيات القانون الجنائي، معتبرةً أن هذا التوجه يشكل تراجعا عن المكتسبات التي تحققت في مجال حرية الصحافة، وفق ما جاء في تقريرها السنوي الذي كان موضوع مؤتمر صحافي شهدته العاصمة الرباط بحر الأسبوع الماضي.
ورغم تسجيل غياب حالات سجن الصحافيين خلال السنة الجارية، فإن النقابة اعتبرت أن استعمال القانون الجنائي في قضايا ترتبط بالصحافة والنشر خلق انطباعا بوجود تصعيد ضد الصحافيين، خاصة مع تكييف بعض الملفات خارج إطار قانون الصحافة والنشر والنظام الأساسي للصحافيين المهنيين.
وأكد التقرير الصادر بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن غياب الحماية القانونية الفعالة للصحافيين، خاصة في مواجهة حملات المضايقة والتشهير، يجعل مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة أكثر هشاشة، ويهدد بتحويل «المجلس الوطني للصحافة» إلى هيئة فاقدة للاستقلالية والقدرة على حماية المهنة والمهنيين.

تنمّر رقمي واستهداف للصحافيات

كما سلط التقرير الضوء على تصاعد ظاهرة التنمر الإلكتروني والتشهير التي تستهدف الصحافيين والصحافيات عبر المنصات الرقمية، معتبرا أن هذه الممارسات تجاوزت المهنيين لتطال أسرهم وحياتهم الخاصة، مخلفة أضرارا نفسية واجتماعية خطيرة.
وأشار التقرير أيضا إلى استمرار بعض الممارسات القائمة على التمييز والتنميط الإعلامي داخل عدد من المؤسسات، خاصة تجاه الصحافيات، داعيا إلى إقرار تشريعات أكثر صرامة لحماية النساء العاملات في القطاع من التحرش والاستغلال، مع تعزيز الدعم القانوني والنفسي للضحايا.
وشددت النقابة الوطنية للصحافة المغربية على أن مستقبل الصحافة في البلاد أصبح رهينا بإطلاق إصلاح شامل وعميق للقطاع، يقوم على دعم المقاولات الإعلامية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية للعاملين، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وترسيخ تنظيم ذاتي مستقل وتعددي يعكس إرادة الجسم الصحافي ويحفظ استقلال قراره.
وأكد عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة، أن «بناء إعلام وطني قوي ومستقل يشكل ركيزة أساسية لترسيخ الديمقراطية وخدمة الصالح العام»، معتبرا أن حماية حرية الصحافة اليوم لم تعد فقط قضية مهنية، بل معركة ترتبط بمستقبل الديمقراطية والحق في الوصول إلى المعلومة داخل المجتمع المغربي.

تحولات متسارعة

وقدم اخشيشن قراءة شاملة لما وصفه بالأزمة المركبة التي يعيشها الإعلام المغربي، مؤكدا أن النقابة «تتابع بقلق بالغ التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الصحافة والإعلام بالمغرب، في سياق دولي ووطني تتزايد فيه التحديات المرتبطة بحرية التعبير واستقلالية الإعلام وضمان الحق في الوصول إلى المعلومة».
واعتبر أن التحولات الرقمية المتسارعة أفرزت واقعا إعلاميا معقدا، تتداخل فيه فرص التطور مع مخاطر التضليل وتراجع المهنية، موضحا أن الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي ساهم في بروز أنماط جديدة لتداول الأخبار، في مقابل تنامي الأخبار الزائفة والمحتويات المضللة، بما أثر سلبا على جودة النقاش العمومي وعلى ثقة المجتمع في وسائل الإعلام.
وعبّرت «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» عن انشغالها المتزايد باستمرار الأوضاع الهشة التي يعيشها عدد من الصحافيين والصحافيات، في ظل تدني الأجور وضعف الحماية الاجتماعية وانتشار أشكال التشغيل غير المستقرة، معتبرة أن هذه الظروف ساهمت في استنزاف الكفاءات المهنية ودفع عدد من العاملين في القطاع إلى مغادرة المهنة أو البحث عن فرص خارج الوطن.
كما انتقدت النقابة إصرار الحكومة على تمرير مشروع إعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة»، معتبرة أن هذا المسار تم في غياب مقاربة تشاركية حقيقية مع الهيئات المهنية والنقابية والحقوقية، بما يشكل، وفق تعبيرها، مساسا بمبدأ التنظيم الذاتي المستقل للمهنة وتراجعا عن الضمانات الدستورية والديمقراطية المنظمة لقطاع الصحافة والإعلام.

مواجهة «فوضى المحتوى»

وأبرز التقرير السنوي للنقابة أن التحول الرقمي لم يعد مجرد تطور تقني يفرض على المؤسسات الإعلامية مواكبة أدوات جديدة، بل تحول إلى معطى يعيد صياغة طبيعة الممارسة الصحافية نفسها، في ظل صعود محتويات غير مهنية قائمة على الإثارة والتضليل وغياب التحقق.
وترى النقابة أن هذا الواقع أضعف الالتزام بقواعد وأخلاقيات المهنة، وفتح المجال أمام انتشار واسع لخطابات الكراهية والمعلومات المضللة، بما انعكس بشكل مباشر على صورة الصحافة المهنية وعلى دورها التأطيري داخل المجتمع. كما سجل التقرير أن هيمنة المنصات الرقمية الكبرى واستحواذها على الموارد الإعلانية ساهمت في إضعاف المقاولات الإعلامية التقليدية التي أصبحت تواجه أزمة اقتصادية خانقة تهدد استمراريتها.
وفي هذا الإطار، أكد عبد الكبير أخشيشن أن الأزمة التي يعيشها القطاع «لا ترتبط فقط بالممارسات المهنية أو بأوضاع المقاولات الإعلامية، بل تعكس كذلك غياب إصلاحات تشريعية ومؤسساتية عميقة تواكب التحولات التي يعرفها المجال الإعلامي وتحمي حرية الصحافة واستقلاليتها».

المجلس الوطني للصحافة في قلب الأزمة

ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الجسم الصحافي، يبرز مشروع إعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة» الذي تعتبره النقابة عنوانا لأزمة الثقة المتفاقمة داخل القطاع. حيث انتقدت النقابة بشدة طريقة إعداد وتمرير المشروع، معتبرة أن الحكومة تعاملت مع هذا الورش بمنطق الإقصاء وتغييب المقاربة التشاركية.
وأكد التقرير أن الحكومة أصرّت على تمرير المشروع رغم التحفظات الواسعة التي أبدتها الهيئات المهنية والنقابية والحقوقية، وهو ما اعتبرته النقابة مساسا مباشرا باستقلالية التنظيم الذاتي للمهنة وتراجعا عن الضمانات الديمقراطية والدستورية المنظّمة للقطاع.
وأوضح رئيس النقابة أن طريقة إعداد المشروع وتمريره «أفرزت أزمة ثقة داخل الوسط الإعلامي»، خاصة في ظل غياب الإنصات للملاحظات والمقترحات التي قدمتها مختلف الفعاليات المهنية والمؤسساتية، معتبرا أن هذا المسار يهدد بإضعاف استقلالية المجلس الوطني للصحافة وتكريس مزيد من الاختلالات داخل القطاع.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك، حين يعتبر أن المشروع الجديد يشكل «رِدّة» عن فلسفة التنظيم الذاتي التي جاء بها دستور 2011، خصوصا مع ما وصفه بمحاولات إعادة مركزية التحكم في الإعلام، عبر منح السلطة التنفيذية (الحكومة) حضورا أكبر داخل هيئة يفترض أن تقوم على الاستقلالية والتعددية. كما سجل التقرير أن عددا من البرلمانيين والحقوقيين والمهنيين عبّروا بدورهم عن تخوفهم من مضامين المشروع، معتبرين أنه يفتح الباب أمام هيمنة أقلية اقتصادية وسياسية على المشهد الإعلامي.

هشاشة اجتماعية تستنزف الكفاءات

وعلى المستوى المهني والاجتماعي، رسم التقرير صورة قاتمة عن أوضاع الصحافيين والصحافيات داخل عدد من المؤسسات الإعلامية في المغرب، حيث تتسم ظروف العمل بضعف الأجور، وانتشار العقود المؤقتة، وغياب الحماية الاجتماعية الكافية.
وفي هذا السياق، عبّرت النقابة عن قلقها من استمرار هشاشة أوضاع العاملين في القطاع، معتبرة أن هذه الوضعية ساهمت في استنزاف الكفاءات المهنية وهجرة عدد من الصحافيين نحو قطاعات أخرى أو خارج البلاد بحثا عن ظروف عمل أفضل.
ويرى التقرير أن هذه الهشاشة لا تؤثر فقط على الأوضاع الاجتماعية للعاملين، بل تنعكس أيضا على جودة المُنتَج الإعلامي واستقرار المقاولات الصحافية نفسها، في ظل غياب نموذج اقتصادي قادر على ضمان استدامة المؤسسات الإعلامية الوطنية. كما سجل استمرار ضعف الاستثمار في الإعلام الرقمي، وتأخر المقاولات الإعلامية المغربية في تطوير نماذج اقتصادية حديثة قائمة على الاشتراكات الرقمية والمنصات التفاعلية.
وأكد عبد الكبير اخشيشن أن النهوض بأوضاع الصحافيين يشكل مدخلا أساسيا لإصلاح الإعلام المغربي، بما يضمن بناء مشهد إعلامي مهني ومستقل وقادر على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة، مع تعزيز قدرات المقاولات الإعلامية في مجالات الرقمنة وإنتاج المحتوى الحديث.

الاتفاق الاجتماعي.. تعاقد معطل

ومن بين الملفات الاجتماعية التي توقف عندها التقرير، تعثر تنفيذ الاتفاق الاجتماعي الموقع سنة 2023 بين «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» و«الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين»، والذي كان ينص على زيادات في أجور الصحافيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية، وربط الدعم العمومي باحترام الحقوق الاجتماعية للعاملين.
وسجلت النقابة أن عددا من المقاولات الإعلامية لم يلتزم بتنفيذ مقتضيات الاتفاق رغم استمرار استفادته من الدعم المالي العمومي، معتبرة أن هذا الوضع يطرح إشكالا حقيقيا يتعلق بمدى احترام الالتزامات الاجتماعية والتعاقدات الموقعة داخل القطاع.
وأكد التقرير أن تحسين الأوضاع الاجتماعية للعاملين لا يجب النظر إليه باعتباره عبئا إضافيا على المقاولات، بل إنه استثمار ضروري في العنصر البشري الذي يشكل الدعامة الأساسية لاستمرار الممارسة الصحافية وتطوير جودة المُنتَج الإعلامي المغربي.
ومن ثم، تشدد «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» على ضرورة جعل الإعلاميين في صلب الإصلاح الشامل المطلوب للقطاع، بما يعزز استقلالية المهنة وحصانتها القانونية، ويسهم في بناء إعلام قوي من منطلق كونه أداة محورية لترسيخ الديمقراطية وتقديم خدمة إعلامية شفافة للمواطنين.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب